عملية الثلاثة آلاف ثانية في سوريا

أبوبكر عبدالله آدم

Apr 19, 2018

قامت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا صبيحة يوم 14 نيسان/أبريل بعملية عسكرية مشتركة ضد النظام السوري كرد فعل لاستخدامه لأسلحة كيميائية ضد مدنيين.
جاءت هذه العملية بعد فشل مجلس الأمن عن إصدار أي قرار ضد سوريا بسبب استخدام روسيا حق الفيتو، وكذلك بعد أسبوع من حرب كلامية بين الولايات المتحدة وروسيا حول استخدام أو عدم استخدام النظام السوري لأسلحة كيميائية. كما جاء أيضا في خضم توتر حاد بين روسيا وبريطانيا بسبب اتهام الأخيرة للمخابرات الروسية بتسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته بغاز الأعصاب في مدينة سالزبري البريطانية قبل بضعة أسابيع.

توتر عالمي

كان العالم قلقا جدا ومتوترا طوال الأسبوع المنصرم بسبب تسارع الأحداث التي خلقت مخاوف من اشتعال أزمة عالمية. مخاوف مشروعة من انفجار المنطقة اذا ما قامت أمريكا وحلفاؤها بأي عمل عسكري ضد النظام السوري المدعوم من طرف روسيا وإيران عسكريا وسياسيا. وما زادت من هذه المخاوف تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب والتهديدات الروسية الواضحة باستهداف اية صواريخ تطلق علي سوريا بل واستهداف قواعد انطلاقها ايضا.
بالرغم من كل هذه المخاوف جاء الهجوم العسكري المشترك محددا جدا، محدودا، دقيقا وتم تنفيذه فى زمن قصير جدا «حوالي 50 دقيقة». إن الطريقة التي تم بها تنفيذ الهجوم ينبئ عن درجة عالية من التنسيق، ليس فقط بين الحلفاء الثلاثة بل أيضا بينهم وبين روسيا وإيران وحلفاء القطبين المتنافسين على النفوذ والسيطرة في المنطقة. ركز الهجوم على ثلاث مناطق لها علاقة مباشرة بالأسلحة الكيميائية: مناطق بحوث وتصنيع وتخزين الأسلحة الكيميائية.
ولم يستهدف أية مناطق عسكرية أخرى وبالتأكيد لم يستهدف مناطق التواجد الروسي أو التواجد الإيراني أو حلفائهما المحليين مثل «حزب الله».
كما هو واضح من الالتزام الدقيق بهدفها المحدد بعناية، لم تسع العملية العسكرية، على الأقل في مرحلتها هذه، لتغيير النظام أو التدخل في معادلات الحرب الأهلية في سوريا. كان الهدف محددا جدا وهو ضرب قدرات النظام السوري في إنتاج واستخدام الأسلحة الكيميائية وردعه عن استخدام هذه الأسلحة.

تبريرات أخلاقية

حرص الحلفاء الثلاثة على تبرير قيامهم بهذه العملية العسكرية تبريرا أخلاقيا أولا وعلى أساس الحفاظ على مصالحها المرتبطة بالحفاظ على السلم والامن في المنطقة والعالم ثانيا.
الرئيس ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية ركزا بشكل واضح على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها لنظام السوري باستخدامه اسلحة كيميائية ضد المدنيين الأبرياء بشكل متكرر، وكان آخرها منذ أسبوع.
إن هذه الانتهاكات وفرت، على الأقل على مستوى الخطاب السياسي، ارضية قانونية واخلاقية للتدخل الإنساني humanitarian intervention لإيقافها ومنع تكرار ما تحدثها من تراجيديا ومعاناة. كما زعم الحلفاء أن قلقهم الشديد على المنطقة وسلامتها المرتبطتين بالسلم العالمي كان مبررا اضافيا للتدخل في سوريا.
بغض النظر عن الوزن النسبي لمبررات العملية العسكرية المعلن عنها، من المؤكد أن المحرك الفاعل هو المصالح الوطنية الضيقة لأمريكا وحليفتيها. أمريكا ظلت تسعى لسنوات لإعادة تشكيل المنطقة وقلب موازين القوى فيها لصالح حلفائها المحليين، خاصة إسرائيل.

تغيير نظام البعث

تغيير نظام البعث في العراق والعمليات السياسية والعسكرية في المنطقة العربية والشرق الأوسط كلها تشكل مداميك اساسية لبناء نظام شرق أوسطي جديد. أمريكا لا تريد لسوريا و«حزب الله» وحليفيهما إيران وروسيا أن يحصدوا ثمار النجاحات التي حققتها في الحروب المباشرة وغير المباشرة التي خاضتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
إذا ما وضعنا هذا المنظور الاستراتيجي لأمريكا وشخصية رئيسها الحالي ندرك أن المحرك الأساسي للرئيس ترامب ليس دموع الأطفال التي سالت بسبب آلام الكيميائي وبساعات الحرب، ولكنه محاولة السيطرة علي الثروة وتوسيع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط الكبيروالعالم. وربما محاولة الحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ في المنطقة هي أيضا محرك مشاركة كل من فرنسا وبريطانيا.
واضح أيضا من تصريحات رئيسة وزراء بريطانيا أن هناك محركا إضافيا للتدخل البريطاني وهو إرسال رسالة واضحة «لأطراف أخرى» أن استخدام أسلحة كيميائية في سوريا أو ضد أفراد في بريطانيا في أي مكان في العالم هوعمل محرم قانونا منذ أكثر من قرن ويجب على المجتمع الدولي بناء على ذلك أن تتخذ إجراءات حاسمة ضد من يقوم بمثل هذه الانتهاكات (رسالة شبه مباشرة لروسيا).

كبح جماح أمريكا

إن التحديد الدقيق لهدف العملية العسكرية ربما يعكس لحد ما نجاح الاستراتيجية البريطانية في لجم جماح الإدارة الأمريكية التي كانت تهدف للقيام بعملية عسكرية أوسع، كما عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي خلال الأسبوع السابق. يبدو الرئيس ترامب كان يهدف لتسديد ضربة موجعة لقدرات النظام السوري والنفوذ الروسي، وهو فعل كان سيؤدي بالنتيجة زيادة اشتعال حرب الوكالة بين الغرب وروسيا.
وجود الرئيس الفرنسي، المتحمس لعمل عسكري ضد الرئيس الأسد، في منطقة وسطى بين الرئيس الأمريكي ورئيسة وزراء بريطانيا ربما أيضا ساهم في جعل العملية العسكرية في الحدود التي انحصرت فيها. عدم الرد الروسي على صواريخ الحلفاء كان في تقديري نتاج التفاهات التي تمت بين الأطراف المختلفة. ومكسب أمريكا من التنازل عن بعض أهدافها هو مشاركة بريطانيا وفرنسا في العمل العسكري بدلا من أن تقوم به منفردا كما فعلت العام المنصرم.

نهاية مريحة

أحس الكثيرون منا براحة كبيرة بانتهاء عملية الخمسين دقيقة العسكرية على النحو الذي انتهت عليه. ولكن هذه النهاية المعقولة لا تعني أبدا نهاية التهديد بعمليات عسكرية أخرى ضد سوريا أو دول أخرى في المنطقة. كما لا تعني ايضا عدم انحدار العالم في هاوية صراعات إقليمية بالوكالة أو الدخول في حرب باردة جديدة بين الغرب وروسيا.
إن التصريحات المختلفة للقادة الغربيين المعنيين تفيد بإمكانية تجدد العمل العسكري إذا ما أقدم النظام السوري مرة أخرى على استخدام أسلحة كيميائية حسب تقديرات الحلفاء الثلاثة. الدخول في سلسلة من العمليات العسكرية ضد النظام السوري ربما يصطدم بمعارضات برلمانية خاصة في بريطانيا وربما في فرنسا أيضا.
فسرت رئيسة وزراء بريطانيا عدم انتظار العملية العسكرية حتى يتم استشارة البرلمان بضرورات عملية، متعلقة بتوقيتها وتأمين نجاحها وسلامة العسكريين ولكن هذه الذريعة لن تضمن لها تفويضا من البرلمان بتكرار التورط بعمليات أخرى ضد سوريا. وليس من المستبعد أن يسعى البرلمان لفرض قيود معينة على سلطة رئيسة الوزراء فيما يتعلق بالتدخل في الحرب الأهلية في سوريا.

كاتب صحافي وقانوني من السودان

عملية الثلاثة آلاف ثانية في سوريا

أبوبكر عبدالله آدم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left