وصف المرض أم تشخيصه وعلاجه؟

د. علي محمد فخرو

Apr 19, 2018

لا شك أن القمة العربية الأخيرة في المملكة العربية السعودية قد نجحت في أمرين: الأول هو وضع قائمة طويلة بأغلب المشاكل والصراعات التي تعيش جحيمها مجموعة كبيرة من أقطار الوطن العربي، والثاني تقديم وصف، ولو كان محدودا، لتلك المشاكل والصراعات. القائمة والأوصاف كانت كافية لإظهار الأهوال والمصائب التي تواجهها أمة العرب المنكوبة بأمراضها الذاتية من جهة، وبتكالب الأعداء على نهش وتقطيع أوصالها من جهة أخرى.
لكن الطبيب الذي يسمي المرض ويصف أعراضه، بدون أن يشخص أسبابه ويضع علاجه، هو طبيب مقصر في حمل مسؤولية مهنته. وهذا ما حدث، مع الأسف، بالنسبة للقمة العربية التي لم تمارس عملية التشخيص ولا وضع العلاج. وحتى، عندما حاولت على استحياء وضع علاج للمرض الفلسطيني المزمن، اكتفت بالمسكنات والمضمدات، بدون مواجهة حقيقية للمرض الصهيوني الذي ينهش الجسد الفلسطيني بصورة خاصة، والجسد العربي بصورة عامة.
وقف المواطن العربي مشدوها أمام مشهد بائس: بضع ساعات من الاجتماعات للتعامل مع خمسة وعشرين موضوعا من المواضيع العربية المتفجرة، للتداول حول أسوأ وضع عرفه العرب طيلة تاريخهم الحديث، لمواجهة أقبح التدخلات الخارجية وعودة الاستعمار السياسي والعسكري، للمصارحة حول إيقاف انغماس بعض الدول المجتمعة وغير المجتمعة في وحل الجهاد الإسلامي الإرهابي المجنون، لإخراج الجامعة العربية من نومها وإيقافها عن الاستمرار في ارتكاب الأخطاء تلو الأخطاء عند تعاملها مع الجحيم العربي الحالي، لتفعيل القرارات العربية المشتركة السابقة في الاقتصاد والأمن والثقافة من جديد، لاستعادة المصير العربي بكليته من أيادي الأغراب ولإيقاف الابتزاز المالي الأمريكي، ولمنع هذا المسؤول العربي أو ذاك عن الخروج على الثوابت القومية العروبية المشتركة في سبيل مصالحه الذاتية الأنانية المؤقتة، أو من أجل إنجاح حملات إعلامية في هذا المحفل الإعلامي أو ذاك.
التشخيص والعلاج يكمنان في التعامل الجاد مع هذه القائمة التي ذكرنا، وليس في القائمة الوصفية التي خرج بها البيان الختامي المسطح للمشهد العربي. والوقت اللازم للقيام بذلك كان بحاجة أن يكون أطول من بضع ساعات، والمناقشات المطلوبة للدخول في أعماق تلك المسائل كانت يجب أن تكون أكثر من خطب المجاملات والبكائيات التي ألقيت.
والنتيجة؟ النتيجة أنه من الأفضل ألا تنعقد قمة عربية إذا كانت ستقتصر على وصف لمشاكل يعرفها الجميع، فالشعب العربي ينتظر أكثر، ومن حقه أن يحصل على أكثر، وإذا كانت غالبية أنظمة الحكم العربية لا تملك الإرادة للانتقال إلى ذلك الأكثر المطلوب، فعليها أن تراجع أفكارها السياسية واستراتيجياتها القومية، ونوع وزراء خارجياتها الذين يضعون جداول أعمالها، ومقدار الوقت الذي تستحقه منهم قضايا الأمة الكبرى، ونوع المستشارين الذين يطلب منهم تقديم المشورة الموضوعية الصادقة. وإذا كنا سنتعلم من تاريخ العمل العربي المشترك فإننا سنعرف أن ذلك الأكثر المطلوب لن يتحقق بعد أن ينفضّ السامرون وتدخل، حتى تلك القرارات المتواضعة، في أدراج النسيان، ويحج الحجيج إلى واشنطن ولندن وموسكو وباريس وأنقرة وطهران وغيرها، يطلبون التوجيه والمباركة والرضى، ويدفعون الثمن المطلوب من ثروات العرب ودمار مدنهم ومنجزات تاريخهم، ودموع الملايين من معذبيهم من كل شرائح مجتمعاتهم.
هذا ما يتعلق بالمجتمعين، فماذا عن المتفرجين؟
إذا كان الشعب العربي يريد أن يستمر في ممارسة «إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون»، فان المشهد لن يتغير والأكثر المطلوب لن يتحقق. وإذا كان سيكتفي بهبات ساحات المدن العربية المتباعدة الملتهبة، التي لا يعاضدها فكر سياسي ناضج، واستراتيجيات عمل يومي، وتنظيم لقوى المجتمعات المدنية، والانتقال إلى تكوين الكتلة التاريخية المناضلة المتناغمة التي تعتمد على طاقات الأمة كلها، فإننا سننتقل من حالة الأوجاع والمضاعفات إلى حالة الاحتضار السريري المتنامي. تاريخ العالم كله يقول ذلك، وملحمة الصراع الأبدي بين الخير والشر سطرها التاريخ لتقرأها أجيال المستقبل ولتبصر الطريق الذي لا مهرب منه. عند ذاك، وعند ذاك فقط، ستعزف اجتماعات القمم سمفونية الإرادة والمواجهة نفسها التي تعزفها قوى النضال السياسي والحقوقي والحضاري لشعوب الأمة العربية. عند ذاك لن يكتفي أحد بسرد قائمة ووصف مشهد، بل سينتقل الجميع إلى التشخيص الموضوعي والعلاج الشافي. ليس الهدف تجريح أحد أو الاستهزاء بجهة، وإنما الهدف أن نكون صادقين مع النفس ومواجهة الحقيقة، مهما كانت مرة وصعبة.
ما نقوله ليس جديدا، ثم من قال إن الأمة تحتاج إلى حلول جديدة؟ إنها في الواقع تحتاج إلى الاستفادة من حلول كثيرة قديمة لم تنفذ، حلول طال عليها الأمد، ويتقلب من اقترحوها في قبورهم من شدة الخجل والامتعاض ولسعات بروق السحب العربية التي لا تمطر.
اجتماعات ومداولات وقرارات القمة العربية هي في محنة، خصوصا بالنسبة لتفعيلها في الواقع ولمواجهتها المشاكل بصورة مباشرة، لا الدوران من حولها. القمم العربية تحتاج إلى مراجعة منطلقاتها وأساليب عملها وجعل توجهها الأساسي إلى الداخل العربي، وليس إلى الخارج المتآمر الانتهازي الناهب للثروات، ذي الألف قناع.
كاتب بحريني

وصف المرض أم تشخيصه وعلاجه؟

د. علي محمد فخرو

- -

2 تعليقات

  1. بالله عليك يا استاذ فخرو هل ما زلت تعتقد ان هناك جامعة عربية الأجدر ان نسميها “مفرقة عربية” هل من المعقول ان وفدا قطريا يضطر للذهاب الى الاردن ليدخل عبر حدودها كي يحضر القمة لأن ” الاخوة الخليجيين” وراعية القمة تحاصر قطر ” البلد الشقيق” هل يعقل ان يتشدق المجتمعون بنصرة الاخوة الفلسطينيين وراعية القمة تقيم علاقات سرية وعلنية مع اسرائيل وتبارك صفقة القرن التي يهندسها تاجر مفلس ككوشنير ويوافق عليها اكثر من دولة عربية، هل يعقل ان اكثر من نصف مليون سوري يقتلون من نظام مجرم كيميائي وهناك دول عربية تقيم معه علاقات وتفتح له سفارات وكأن الشعب السوري المنكوب لا ينتمي للشعوب العربية، هل يعقل ان دولتين خليجيتين يدكان الشعب اليمني منذ ثلاث سنوات بكل انواع الاسلحة ولا احد يحرك ساكنا، ولو كان البحر مدادا لن يكفي لكتابة مآسي العرب وخيباتهم جراء انظمتهم وزعمائهم الاشاوس.. ومازلنا نقول ان هناك جامعة عربية.. الاولى ان مخصصات الجامعة ان تذهب لسد رمق اللاجئين الفلسطينيين والسوريين وان تقفل مقراتها لانها لم تعد تمثل احدا

  2. على أرض الواقع النقد يتطلب النظر إلى نصفي القدح لمن يمثل ثقافة الـ أنا ومن يمثل ثقافة الـ آخر داخل أي دولة أو نظام بيروقراطي في الأمم المتحدة، لاحظت إشكالية المثقف والسياسي في دولة الحداثة، تبدأ من أنه لا يستطيع الخروج من عقلية الموظف/المقاول التي تعتمد ثقافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان، وهذه العقلية تسببت بالحرب العالمية الأولى والثانية، ولتخفيف مشاكلها عرض الأمريكان مفهوم العولمة بواسطة مشروع مارشال لتحويل العلاقة ما بين ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر من الصراع إلى التكامل بواسطة التجارة.
    اسم عاصفة الحزم في 2015 يوضح بشكل لا لبس فيه، من أن لها علاقة بعاصفة الصحراء عام 1991، فما هي هذه العلاقة، هل هي لها علاقة بالترتيب الجديد للعالم تحت قيادة البنك الدولي، كما أعلنها جورج بوش الأب في مؤتمر السلام في مدريد في الذكرى الخمسمائة لطرد اليهود والمسلمين؟!
    لاحظت مشكلة السعودية والإمارات بعد 2015 وإعلان عاصفة الحزم، مع حماس والإخوان وحتى الحزب الإسلامي في العراق، كونهم يظنون أن نسخة نظام الحكم الديمقراطي (لولاية الفقيه) في إيران، يمثل النظام الإسلامي الصحيح، فلذلك أظن أفضل وسيلة لإصلاح العلاقة يكون بتفنيد هذا المفهوم وتبين خطأ من وصل إليه.
    المشاكل العويصة التي أثارتها مسألة استخدام الذكاء الصُنعي في برامج التواصل الاجتماعي في أجواء العولمة كمفهوم للدولة العميقة (الاستخباررات) ووسائلها الاقتصادية في التسويق، هي الدليل العملي على فشل الروبوت في مهمة (الحوكمة) فهي تختلف عن مهمة (الإدارة)، فالحوكمة الرشيدة تختلف عن الإدارة الرشيدة، حيث للتوفير في مصاريف إدارة الدولة تم تعيين أول رجل أمن (روبوت) وتعيين أول طبيب (روبوت) في دولة الإمارات عام 2016، وفي السعودية في مشروع نيوم تم اعطاء أول جنسية للروبوت (كمواطن)، وهذه مشكلة المشاكل في المدن الذكية مستقبلا، فهل نقبل أن يحكمنا الروبوت في الحكومة الإليكترونية بدل الإنسان؟! هل يقبل آل البيت أو شعب الرب المختار أن يتنازل أيّا منهم عن كرسي الحكم في السلطة؟! لأن على أرض الواقع عدم استيعاب مفهوم العولمة والاقتصاد الإليكتروني، هو سبب شبح الإفلاس يطارد دولة الحداثة في كل المجالات، فهل العولمة تعني تخفيض التكاليف أم زيادة الأرباح؟ لو كانت العولمة تعني تخفيض التكاليف، لماذا حصة دول شبه القارة الهندية وأفريقيا، من كعكة الاقتصاد العالمي صغيرة؟!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left