العراق وإشكالية مكافحة الفساد

يحيى الكبيسي

Apr 19, 2018

فجأة تحولت عملية تسليم متهم بالفساد هارب منذ العام 2004 إلى موضع سجال انتخابي، بعضهم حاول استخدام ذلك للدعاية الانتخابية، لاسيما ان توقيت التسليم، والذي جاء بعد أشهر من اعتقال المتهم في مطار عمان، ثم البيان الذي صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، يتيح مثل هذا الربط.
وبعيدا عن هذا السجال الانتخابي، يبقى السؤال الجوهري متعلقا بعجز أجهزة الدولة العراقية عن ملاحقة المتهمين بالفساد، والعجز عن استرداد أموال الفساد؛ ومراجعة التقرير السنوي لعام 2017 الذي أصدرته هيئة النزاهة العراقية، وهي واحدة من ثلاثة أجهزة مهمتها مكافحة الفساد إلى جانب مكتب المفتش العام، وديوان الرقابة المالية، مراجعة هذا التقرير تكشف وجود 421 ملف تسلم مطلوبين هاربين، عليهم أحكام قضائية غيابية! فضلا عن 52 ملفا يتعلق باسترداد الأموال المهربة.
ولكن تدقيق الأرقام التي يقدمها التقرير، تكشف أيضا عدد الملفات الخاصة بتسليم المطلوبين الهاربين التي تم إغلاقها والتي بلغت 347 ملفا. وهذه الملفات أغلقت لأن المتهمين فيها إما انهم قد سلموا أنفسهم، أو اعترضوا على الحكم الغيابي، أو شملوا بقانون العفو العام، او ألقى القبض عليهم، أو لم يثبت مغادرتهم الأراضي العراقية! وهذا يعني أن العدد المعلن للملفات الخاصة بالتسليم قد تشمل هي الاخرى بهذه الإجراءات في مرحلة لاحقة، بل إن المتهم الذي تم سلم نفسه قد يكون مشمولا بقانون العفو وبالتالي قد يخرج قريبا جدا!
وتقرير النزاهة ايضا يشير إلى ان عدد المشمولين بقانون العفو العام، الذي أصدره مجلس النواب العراقي في نهاية العام 2016 خلال العام 2017، بلغ 3542 محكوما، وان قيمة الفساد التقديرية في القضايا المغلقة بموجب هذا القانون بلغت أكثر من 238 مليارا و730 مليون دينار عراقي (ما يقرب 200 مليون دولار)، فيما بلغت الاموال المستردة 23 مليارا و302 مليون تقريبا (أقل من 20 مليون دولار). أي أن أكثر من 90٪ من الأموال قد ضاعت تماما على الدولة بموجب هذا القانون!
وهذه ليست المرة الاولى التي نواجه فيها هكذا المفارقة؛ فقد سبق لقانون العفو العام الصادر في العام 2008 أن تسبب بضياع مليارات الدولارات من المال العام أيضا! وتبعا لأرقام تقرير هيئة النزاهة السنوي لعام 2009 بلغ عدد المتهمين بالفساد الذي شملوا بذلك القانون 2772 متهما. وبلغت مجموع مبالغ الفساد التي تم تحديدها في 173 قضية فقط! من مجموع 1552 قضية فساد (أي فيما نسبته 11٪ فقط)، أكثر من مليار ومائتين مليون دولار (بالتحديد 681.321.661 دولار، و 666.937.229.997 دينار عراقي) تبعا للتقرير، ولو إعتمدنا المعدل نفسه، فإن قيم الفساد التي شملها العفو حينها بلغت ما يقارب 11 مليار دولار!
على الرغم من الدعوات الصريحة والمتكررة لمكافحة الفساد، فإن الوقائع على الأرض تثبت، مرة تلو الأخرى، أنه ليست ثمة إرادة سياسية حقيقية لذلك. فالفساد في العراق، كما نكرر دائما، ليس مجرد سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من اجل تحقيق مكاسب شخصية، بل هو جزء من بنية الدولة نفسها، فضلا عن انه قد تحول إلى ظاهرة عامة لها القدرة على شرعنة نفسها سياسيا واجتماعيا ودينيا بمسوغات عديدة. ولعل قانوني العفو (2008 و2016) التي شملت الفاسدين والمزورين، مجرد مؤشرات في هذا السياق.
وقدحددت منظمة الشفافية الدولية خمسة مجالات رئيسية لمكافحة الفساد، هي على التوالي: القيادة، والبرامج العامة، وإعادة التنظيم الحكومي، والوعي العام، وإنشاء مؤسسات مكافحة الفساد. وهذا يعني عمليا أن إنشاء مؤسسات لمكافحة الفساد، أو المؤسسات التي تعمل في الإطار نفسه، تأتي في آخر سلم الأولويات، وأن مجرد قيام مثل هذه المؤسسات، بمعزل عن صلاحياتها أو آليات عملها، لا تمثل إلا الجزء الأخير في حلقة مكافحة الفساد. ولكن الأمر في العراق كان مقلوبا تماما إذ كان هناك تسويق رسمي للتصور القائل بان مجرد وجود هيئة للنزاهة، أو وجود دائرة المفتش العام، وديوان الرقابة المالية، كاف لتغيير وضع الفساد المنهجي القائم، لكن غياب الإرادة السياسية، أو برامج أعادة هيكلية قانونية وإدارية، وعدم وجود إمكانية الوصول إلى المعلومات الرسمية التي تعد أمرا جوهريا في مكافحة الفساد ( حق وصول العامة للمعلومات كان وما زال أمرا غير مفكر فيه في فكر النخب السياسية العراقية )، فضلا عن ان الجهات الثلاث المسؤولة عن رصد الفساد ومكافحته، تشكو من اختلالات بنيوية في طبيعة تشكيلها وفي القوانين التي حكمت هذا التشكيل، وأيضا في الممارسات العملية لكل منها، كل ذلك جعل عملية مكافحة الفساد محض عبث..
بالعودة إلى مسألة المتهم الهارب الذي سلمته الأردن للعراق، وقبل ذلك حادثة تسليم اخرى لمتهم هارب سلمته لبنان، وكلاهما شغلا مناصب رفيعة في الدولة العراقية بعد العام 2003، الأول منصب الأمين العام لوزارة الدفاع العراقية، والثاني منصب وزير التجارة في الحكومة العراقية بين عامي 2006 و2009، فيفترض أن لا يتحول كلاهما إلى كبشي فداء على مذبح النزاهة، بل يجب أن يكون التحقيق معهما البداية الحقيقية لكشف بنية الفساد التي أتاحت لهما أن يقوما بما قاما به، بداية من مسوغات تعيين كل منهما، والسياقات التي اتاحت لهما تخطي إجراءات المفتش العام والنزاهة والرقابة المالية، وصولا إلى الظروف التي اتاحت لهما الهروب، وأخيرا الملابسات التي اتاحت لهما البقاء بعيدا عن يد الأنتربول طيلة هذه المدة (14 سنة بالنسبة للأول، و 9 سنوات بالنسبة للثاني)! من خلال هذا كله يمكن للدولة العراقية أن تضع يدها على بنية الفساد المتحكمة، وربما مكافحتها في مرحلة لاحقة إن وجدت إرادة سياسية لذلك!

٭ كاتب عراقي

العراق وإشكالية مكافحة الفساد

يحيى الكبيسي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left