عن ناجين من حرب الموصل

حسن داوود

Apr 19, 2018

قبل التصفية النهائية، كانت لجنة التحكيم في المسابقة العالمية للصورة الصحافية قد رشّحت صورتين لإيفور بريكيت، مصوّر حرب الموصل. ربما كان ذلك مقرّرا منذ أن بدأت الصور بالظهور في صحيفة «نيويورك تايمز»، إذ كانت اللقطات في قوّة الحرب نفسها. ذاك أن بريكيت كان هناك، في لحظات ما بعد انتهاء المعارك، حيث بدا المدنيون القليلون مذهولين بما عاشوه وبما شاهدوه بعد خروجهم من مخابئهم.
كان كثيرون منهم قد لقوا حتفهم في تلك الحرب، التي استعادت الموصل من تنظيم «داعش». الصحيفة ذكرت أن عدد هؤلاء وصل إلى الآلاف، أما المساحة التي عمل بريكيت على تصويرها، وهي تقارب مساحة «بلوك» عمراني في مدينة نيويورك، حسب «نيويورك تايمز»، فبدت في الصور مجرّد كومة هائلة من الركام.
الصورة الأولى من الصورتين المقترحتين هي لطفل عار أُخرج لتوه من بين الركام. التعليق المرفق بها ذكر أن فريق الإنقاذ لم يتمكن من معرفة من هم ذوو هذا الطفل، مقدّرين أنهم قضوا بين من قضى، ومن المحال أن يؤمل أن بينهم أحياء تحت هذه الطبقات من الأنقاض. ولأن المصوّر يحب أن يرفق صوره بتعليقات يريدها مترابطة أحيانا، لتكون مثل ما يكون التحقيق المكتوب، ذكر أن المسعف الذي انتشله، والذي ظلّ حاضنا إياه بذراعيه، افترح على مقاتل عراقي غير منجب أن يتبنّاه. هكذا، «أون ذا سايت» كما في اللغة الإنكليزية، لا نعرف إن كان التبنّي قد تحقّق فعلا، لكن ذلك الاقتراح كان كافيا وحده، لا ليعطي معنى للصورة، بل ليغمرها بكليتها.
إيفور بريكيت، الذي يعمل في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2009، اقترب كثيرا من الحرب هذه المرّة. بين صوره مشاهد للمعارك ما تزال ساخنة. من هذه صورة لسيارة رباعية الدفع ما زالت رابضة في موقعها، ناجية من المعركة التي شاركت فيها. «كانت السيارة قد تأهّلت» لأن تصير آلية عسكرية، وذلك بإضافة صفائح سميكة من الحديد إلى هيكلها، خصوصا هناك عند إطاراتها، حيث صُنعت لها دروع لئلا تثقب الرصاصات أو القذائف مطّاطها. لكن أكثر ما يلفت نظر بريكيت هم البشر الخارجون لتوهّم مما تقول الصحيفة إنها المعركة الأضخم منذ غزو العراق في 2003.
بين صور هؤلاء واحدة لمدنيين يعبرون جسرا أصابه القصف الجوّي من منتصفه، نازلين أولا إلى وسطه المقصوف المتدلّي، ثم صاعدين من هناك إلى طرفه الثاني. كانوا كثيرين هناك على الجسر الذي ربما ينشق وسطه في أي لحظة، ومتغايري الهندام والهيئة مثل جماعة غير متجانسة. وما يلفت في هذه الصورة كثيرا، بل ما يوقف النظر عندها، هو وضوحها الذي يبدو غير قابل للتصديق للوهلة الأولى. ربما هو الضوء. أو ربما الكاميرا المشرفة من أعلى ذلك الطرف من الجسر، طرف وصول الهاربين، حتى لكأنها تصطادهم جميعا من هناك، واحدا واحدا، رغم كثرتهم في تلك الصورة الواحدة.
وإن لم تُضف هذه الصورة إلى الصورتين اللتين بلغتا شوط المسابقة الأخير، إلا أنها لا بدّ كانت داعمة لاختيارهما، أي أن اللجنة المقرِّرة، فيما هي تقلّب الصور، لا بدّ كانت تضيف قوّة هذه الصورة، والصور الأخرى كذلك، إلى الصورتين. لكن لنعد، إلى الصورة المسمّاة، الثانية، حيث البشر هنا يقفون في صف واحد، متعرّج لصعوبة أن ينتظم أولئك الناس في خطّ واحد مستقيم. الصورة سوداء بسبب ما ترتديه النساء الواقفات بانتظار أن تصل كل منهن ّ إلى حيث ستُعطى حصّتها، أو حصّة عائلتها من الطعام. لو كنا هناك، حيث كانت الكاميرا، لرأينا كيف كان الصمت شاملا. وهذا ما تنقله الصورة التي، رغم قربها اللصيق بصخب الحرب، تبدو كأنها صورة قديمة، بل صورة لبشر قديمين، وأزليين أيضا، هم ضحايا لحروب لم تتوقّف عن التكرار والاندلاع. لكن اللجنة، في النهاية، استبعدت الصورتين لتحل محلّهما صورة ثالثة لإيفور بريكيت نفسه. هنا، في هذه الصوررة الفائزة، نكاد نرى نسمة الهواء الخفيفة تعبر فوق مشهد الدمار المتسع. كان الكرسي الذي وضع هناك من الأشياء الناجية أيضا، أي أنه ليس من متاع المرأة وأثاث بيتها. أما جلوسها هناك، مطلّة على ما بات خلاء، فيبدو مفارقا، بل مضحكا، إذ يخطر لمشاهدها أن يفكّر أن المرأة، جالسة على ذاك الكرسي، تشاهد فيلما أو عرضا من نوع ما أعدّ خصيصا لها، ثم أنها، في جلوسها ذاك، لا تبدو مفردة فقط بل مبتعدة عما ستشاهده بعد قليل، إن تمكن المسعفون الذين لا نراهم من إخراج اختها وابنة اختها من تحت الأنقاض.
صورة أقرب إلى نصّ أدبي منطوٍ على خفائه. قليلة الضجيج وقليلة الألوان، وهذا أفضل، فكّرت اللجنة، طالما أن صور الصخب والدم لم تعد تضيف شيئا إلى ما تجمّع في رؤوسنا من صور الحروب، بل إننا قد نجرؤ حتى على القول إن ما أخفض صور إيفور بريكيت إلى المرتبة الثانية في المسابقة كونها صورا عن الحرب، وهذه باتت مملّة لكثرة ما تكرّرت وتنوعت في بلداننا.
الجائزة الأولى أعطيت لرونالد شميديت عن صورة له واحدة، تمثل شابا هاربا من النيران المندلعة في جسمه، وقد أعطيت عنوان «أزمنة فنزويلا»، ربما تشبّها بما عناه إضرام أبو عزيزي النار بنفسه.

٭ روائي لبناني

عن ناجين من حرب الموصل

حسن داوود

- -

1 COMMENT

  1. شكرا للأستاذ حسن داؤود لانتباهه ووعيه باختياره الكتابة عن الموصل التي تلاقي من التعتيم الحكومي، وإهمال الكتاب والأدباء، لأسباب طائفية معروفة، بحيث أبيد فيها ما لا يقل عن مليون بريء، وقتل ردما تحت الأنقاض مئات آلاف الأطفال، النساء، الرجال، الذين لم يستطيعوا الخروج، ولم تبذل الحكومة العراقية الآن أي جهد لإزالة الأنقاض وتركتها لأهل الموصل الذين فقدوا نهباً كل وسلباً وقصفاً كل ما تحويه بيوتهم من متاع وحلي وأثاث، وأصبحوا خالي الوفاض.
    وحبذا لو يحفز هذا المقال الرائع غيرة وإخلاص باقي الكتاب فيتوجهون نحوالكتابة في موضوع الموصل، أو يستصرخوا ضمائر العالم لها.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left