ما لم يكن للفلسطينيين بيت فلن يكون للإسرائيليين بيت وبالعكس

أيها الرفاق الأعزاء: مساء الخير

صحف عبرية

Apr 19, 2018

هناك الكثير من الضجيج والجلبة حول احتفالنا، ولكننا لا ننسى أن أكثر من كل شيء، هذا احتفال ذكرى واتحاد. الضجيج، حتى عندما يكون حاضراً، هو خارجنا الآن. إذ في قلب هذا المساء يوجد هدوء فراغ خلقه الفقدان.
أنا وعائلتي فقدنا في الحرب أوري، شاب جميل وذكي ومرح. الآن أيضاً، بعد نحو إثنتي عشرة سنة، يصعب عليّ الحديث عنه على الملأ.
موت إنسان حبيب هو في واقع الأمر أيضاً موت ثقافة خاصة كاملة، شخصية ولمرة واحدة، مع لغة خاصة بها وسر خاص بها، وهي لن تعود لتكون. ولن تكون واحدة أخرى مثلها.
مؤلم بشكل لا يوصف الوقوف أمام الـ«لا» المطلقة هذه. هناك لحظات يكاد يجتذب إلى داخله كل ما هو قائم وكل ما هو نعم.
صعب ومضن القتال كل الوقت ضد قوة ثقل الفقدان. صعب وداع الذاكرة من الألم. مؤلم التذكر ومخيف أكثر النسيان. وكم سهل، في هذا الوضع الاستسلام للكراهية، للغضب، للرغبة في الثأر. ولكنني اكتشفت أنني في كل مرة يغريني الغضب والكراهية أشعر على الفور أنني أفقد الاتصال الحي بابني. شيء ما هناك ينسد وأنا اتخذت قراري، واتخذت خياري. ويخيل لي أن من يوجد هنا هذا المساء، قد اتخذ هو أيضاً ذات الخيار.
وأنا اعرف أنه من داخل الالم توجد روح، ويوجد ابداع، ويوجد فعل خير. ان الحزن لا يعزل فقط بل يربط أيضاً، ويعزز. فها هم حتى الاعداء من الماضي ـ إسرائيليين وفلسطينيين ـ يمكنهم ان يرتبطوا الواحد بالاخر انطلاقا من ألمهم، وبالذات بسببه.
التقيت في هذه السنين غير قليل من العائلات الثكلى. قلت لها، من تجربتي انه حتى عندما يوجد المرء في أعماق الألم يجدر به أن يتذكر بأن كل واحد من أبناء العائلة من حقه أن يحزن كما يشاء، ووفق طبيعته ووفق ما تقوله له روحه.
أحد لا يمكنه أن يفرض على انسان آخر كيف يحزن. وهذا صحيح بالنسبة للعائلة الخاصة، وهو صحيح أيضا بالنسبة لعائلة الثكل (الكبرى في إسرائيل).
هناك شعور قوي يربطنا، وإحساس بالمصير المشترك والألم الذي نعرفه نحن فقط، ولا تكاد له كلمات في الخارج، في النور. وعليه، فاذا كان تعريف «عائلة الثكل» حقيقي وصادق، فرجاء احترموا طريقنا وهو جدير بالاحترام وهو ليس طريقا سهلا، وليس مفهوما من تلقاء ذاته، وليس عديم التناقضات الداخلية ولكنه طريقنا لاعطاء معنى لموت أعزائنا ولحياتنا بعد موتهم. وهو طريقنا ليس فقط للحزن معا على الفقدان، بل لاجراء حساب النفس على أننا لم نفعل ما يكفي لمنعه. وهو طريقنا للعمل وللفعل ـ لا لليأس ولا للكف ـ كي تخبو الحرب ذات مرة، في المستقبل، ولعلها تتوقف تماما، ونبدأ في العيش، عيش حياتنا كاملة، وليس فقط نبقى من حرب إلى حرب، من مصيبة إلى مصيبة. نحن، إسرائيليين وفلسطينيين، فقدنا في الحروب بيننا من كان عزيزاً لنا، ربما أكثر من حياتنا فإننا محكومون لأن نلمس الواقع عبر جرح مفتوح. ومن هو جريح هكذا لا يمكنه ان يتعلل بالاوهام. من هو جريح هكذا لا يعرف كم هي الحياة مصنوعة من تنازل كبير من مساومة لا تنتهي. يخيل لي أن الثكل يجعلنا، اولئك الذين جاؤوا إلى هنا هذا المساء، أناساً أكثر وعياً، وواعين مثلا بما يتعلق بقيود القوة، بما يتعلق بالوهم الذي دوما يرافق ذاك الذي القوة في يده.
ونحن أيضاً شكّاكون أكثر، أكثر مما كنا قبل المصيبة وممتلئون بالنفور في كل مرة يلاحظ فيها مظهر فخار فارغ، أو تعابير غرور قومي، أو تصريحات معتدة بنفسها من الزعماء. نحن لسنا فقط شكّاكين بل نحن حساسون حقاً. تحتفل إسرائيل هذا الاسبوع بسبعين سنة، وليتنا نحتفل بمزيد ومزيد من السنين، مزيد ومزيد من أجيال الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد ممن يعيشون هنا، إلى جانب دولة فلسطينية مستقلة، بأمن وبسلام وبابداع، وبالاساس بحياة يومية هادئة لجيرة طيبة وآمنة لنشعر جميعا هنا في البيت.
ما هو البيت؟ البيت هو مكان حيطانه ـ حدوده ـ واضحة ومتفق عليها. وجوده مستقر وصلب ومرتاح. سكانه يعرفون أسراره الحميمة. علاقاته مع جيرانه مرتبة. وهو يبث إحساساً بالمستقبل. ونحن الإسرائيليين، حتى بعد 70 سنة ـ ولا يهم كم هي الكلمات تقطر عسلا وطنيا تقال في الأيام القريبة ـ فنحن لسنا هناك بعد. لسنا في البيت بعد. لقد اقيمت إسرائيل كي يحظى الشعب اليهودي، الذي لم يشعر أبداً تقريباً في البيت في العالم، أخيراً ببيت. وها هو بعد 70 سنة ومع انجازات تبعث على الدهشة في الكثير جدا من المجالات فان إسرائيل القوية هي ربما تكون قلعة، ولكنها ليست بيتا بعد. ان الطريق لحل العقدة الهائلة في علاقات إسرائيل والفلسطينيين يمكن ايجازه بصيغة قصيرة واحدة: إذا لم يكن للفلسطينيين بيت، فلن يكون للإسرائيليين بيت.
والعكس هو الصحيح أيضاً: إذا لم يكن لإسرائيل بيت لن يكون لفلسطين بيت أيضاً.
عندنا حفيدتان، من أجلهما، إسرائيل هي أمر مفهوم من تلقاء نفسه. مفهوم لهما من تلقاء نفسه بأن لنا دولة، إن هناك طرقاً ومدارس ومستشفيات وحاسوباً في الروضة، ولغة عبرية حية وغنية.
أنا أنتمي لجيل لم يكن لديه أي شيء من هذه مفهوم من تلقاء ذاته، ومن هذا المكان ان اتحدث. من المكان الهش الذي يتذكر جيدا الخوف الوجودي، وكذا الامل العظيم بأن هذا هو، حقا، أخيراً وصلنا إلى البيت.
ولكن عندما تحتل إسرائيل وتقمع شعبا آخر، على مدى خمسين وواحدة من السنين، وتخلق في مناطق الاحتلال واقع الابرتهايد، فإنها تصبح بيتاً أقل بكثير. عندما يحاول وزير الدفاع ليبرمان منع الفلسطينيين محبي السلام من الوصول إلى لقاء كهذا لنا، فان إسرائيل هي بيت أقل. عندما يقتل القناصة الإسرائيلون عشرات المتظاهرين الفلسطينيين، ومعظمهم مدنيون، فإن إسرائيل هي بيت أقل. عندما تحاول حكومة إسرائيل عقد الصفقات المشكوك فيها في أوغندا وفي رواندا ومستعدة لأن تخاطر بحياة آلاف طالبي اللجوء وإبعادهم إلى المجهول، وربما إلى موتهم، فإنها في نظري بيت أقل، وعندما يحرض ويشهر رئيس الوزراء ضد المنظمات التي تحرص على حقوق الانسان، وعندما يبحث عن الطرق لتشريع قوانين تلتف على محكمة العدل العليا، وعندما يكون شك دائم في الديمقراطية وفي المحكمة فإن إسرائيل تصبح أقل بيتا بقليل. للجميع. عندما تهمل إسرائيل وتميز بحق سكان بلدات المحيط. عندما تترك لمصيرهم وتضعف المزيد فالمزيد من سكان جنوب تل أبيب. عندما تصلب قلبها أمام ضائقة الضعفاء وعديمي الصوت الناجين من الكارثة والمحتاجين، والعائلات أحادية الأب أو الأم والشيوخ، والمدارس الداخلية للاطفال الذين اخرجوا من بيوتهم والمستشفيات التي تنهار، فإنها بيت أقل. هي بيت لا يؤدي وظائفه. وعندما تطلب وتميز بحق مليون ونصف فلسطيني من مواطني إسرائيل، عندما تتخلى عمليا عن الامكانية الهائلة التي فيها للحياة المشتركة هنا، فهي بيت أقل، للاقلية والغالبية على حد سواء. وعندما تحرم إسرائيل يهودية ملايين اليهود الاصلاحيين والمحافظين، فانها مرة أخرى تصبح بيتاً أقل.
إسرائيل تؤلمني. لأنها هي البيت الذي نريد ان تكونه. لأننا نعرف الامر العظيم والرائع الذي يحصل لنا في أنه توجد لنا دولة، وفخورون بانجازاتها في مجالات كثيرة جدا، في الصناعة وفي الزراعة، في الثقافة وفي الفن وفي التكنولوجيا، في الطب وفي الاقتصاد. ونحن نتألم ايضا من زيفها.
والناس والمنظمات الذين يوجدون هنا اليوم وعلى رأسهم «منتدى العائلات الثكلى» و«مقاتلون من أجل السلام» وكثيرون مثلهم، هم ربما أولئك الذين يساهمون أكثر من غيرهم في أن تكون إسرائيل بيتاً، بكل معنى الكلمة.
بيت نعيش فيه حياة هادئة وآمنة، حياة السكنية، حياة لا تستعبد لأهداف حلم شمولي، مسيحاني وقومي متطرف. بيت سكانه لا يكونون مادة اشتعال لمبدأ اعظم منهم، وكأنه منشور أكثر منهم.
الحياة فيه تكون على مقياس الانسان.
فجأة يقوم في الصباح ويشعر انه انسان. عندما يشعر هذا الانسان بأنه يعيش في مكان غير فاسد، موضوعي، متساوي حقا، ليس متزلفا ولا بنزعة قوة، في دولة تتصرف ببساطة انطلاقا من الحرص على الانسان الذي يعيش فيها، كل انسان يعيش فيها، برأفة، بتسامح وكل من يريد أن يكون إسرائيلا. حبذا لو أنه بعد سبعين سنة يقف هنا أحفادنا وأبناؤهم، إسرائيليين وفلسطينيين، وكل واحد ينشد نشيده القومي الخاص به.
ولكن يوجد صف واحد يمكنهم أن ينشدوه معا، بالعبرية وبالعربية: «أن نكون شعباً حراً في بلادنا». وربما عندها، في تلك الايام التي ستأتي، ستكون هذه الأمنية أخيراً واقع الحياة، للشعبين.

دافيد غروسمان
يديعوت 18/4/2018

ما لم يكن للفلسطينيين بيت فلن يكون للإسرائيليين بيت وبالعكس
أيها الرفاق الأعزاء: مساء الخير
صحف عبرية
- -

2 تعليقات

  1. السيد غروسمان يبدو أنه انسانا بمعنى الكلمه ، لكن صوته غير مسموع ولا يبدو أنه سوف يكون مسموعا في أي وقت قريب . لكن … لو لم يأت السيد غروسمان من أوروبا لكان له بيت حقيقي ودافئ والسلام معشعش على كافه غرفه وجدرانه ، وله علاقات وديه حميمه مع جميع جيرانه واهل حارته ومدينته ، ولما كان قد فقد أوري العزيز علي قلبه كاي أب في العالم . لكن المشكله بدأت عندما اتخذ السيد غروسمان قرارا خاطئا بالتخلي عن بيته الدافئ الحقيقي الذي تملكه بجهده وعرق جبينه وحر ماله ليستبدله ببيت في مكان آخر ليس له علاقه به ، بيت صوري مزيف ليس له معنى ، بارد كالجليد لأنه في الأصل مسلوبا من انسان أخر كان يعيش به بسعاده وسلام وامان واصبح فجأه في الشارع في خيمه أو بناء في مكان ما لا يربطه به أي رابط ، بناء جاف وبارد كالبيت الجديد الذي أصبح يعيش به السيد غروسمان . هذه هي المشكله الحقيقه والفخ الذي نصبه مرابيي وسياسيي الغرب الأوروبي عديم الأنسانيه والأخلاق لليهودي للخلاص منه وإقناعه بالرحيل الى أرض الميعاد التي تفيض لبنا وعسلا ليعيش في بيوت مزيفه بارده ليس فيها استقرار لأنها في الأصل من أملاك أناس اخرين متمسكين بها رافضين نسيانها جيلا بعد جيل .

  2. السيد دافيد غروسمان

    انت حزين على ابنك الذي قتل في حرب ليست حربه وانت حزين عليه وهناك عشرات الالاف من الآباء والأمهات من فلسطينيين وعرب فقدوا أبناءهم وهم حزينون عليهم. وهناك من فقد ارضه وبيته والأرض لا تعوض، والبيت يبقى في الذاكرة، انتم جميعا في اسرائيل ضحية للصهيونية التي غررت بكم ودفعتكم لتحتلوا ارض الغير وتقتلوا ابناءها وتهجروا شعبها وتعيشوا على مأسيهم
    بعد سبعين سنة من الاحتلال والقتل والتدمير والتهجير بدأتم تفكرون بأنكم ترتكبون انتم ضحايا اوشفيتز جريمة اخرى نكراء اسوأ من اوشفيتز بحق الشعب الفلسطيني.. فهل ستنعمون ببيت وانتم قتلة، هل ستكونون سعداء وانتم تفقدون ابناءكم، واليوم تواجهون عدوا جديدا هو ايران بعد ان بات بعض الانظمة العربية حلفاء لاسرائيل ….

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left