عنفكم أشد قسوة من عنف الملاعب!

حفيظ دراجي

Apr 19, 2018

في ثالث أيام الحداد على أرواح ضحايا سقوط الطائرة العسكرية في الجزائر كان الموعد مع مباراة نصف نهائي كأس الجزائر بين الفريقين العريقين ش. القبائل و م. الجزائر على ملعب محايد في عاصمة الشرق الجزائري قسنطينة. مباراة كلاسيكية سبقتها وتخللتها أعمال شغب وعنف أصيب على إثرها المئات وكادت تودي بحياة العشرات، صورها تناقلتها مختلف وسائل الاعلام العالمية، وعلق عليها بعض الإعلاميين والمحللين في الجزائر بعنف مماثل وبشكل سطحي بعيد عن العقل والمنطق والواقع!
صحيح أن اجراء مباراة كروية مهمة خلال أيام الحداد قبل أن ننتهي من دفن الضحايا هو أمر مستفز، لكن الاستفزاز الأكبر جاء في ردود أفعال بعض الإعلاميين والمحللين في مختلف المنابر الإعلامية والتي راحت ترد بعنف لفظي أكبر من اعمال العنف والشغب التي صنعها المناصرون.
اجراء مباراة كروية في يوم حداد هو فعل لا أخلاقي ولا مسؤول لأن الظرف يقتضي تأجيل كل المنافسات الرياضية والنشاطات الفنية والثقافية والترفيهية احتراما لأرواح الضحايا ومشاعر اسرهم وكل الجزائريين الذين آلمتهم الفاجعة وحجمها، لكن ذلك لم يكن السبب المباشر لكل أعمال العنف التي وقعت، والدعوة إلى التعامل بعنف مع الشباب الغاضب والمشاغب وتحميل مسؤولية أعمال العنف للأنصار فقط دون السلطات الأمنية والهيئات الرياضية، فيه اجحاف في حق شبابنا الذين صارت ملاعب الكرة متنفسهم الوحيد للتعبير عن مشاعر التذمر والغضب والحرمان الذي يعانون منه.
صحيح أيضا أن أعمال الشغب والعنف التي سبقت وتخللت مباراة الكأس ومباراة الدوري المتأخرة التي جرت في اليوم ذاته في وهران كانت مؤسفة ومخجلة لا يمكن تبريرها كونها لم تندلع بسبب الخسارة في المباراة، لكن هؤلاء الإعلاميين والمحللين الذين ظهروا بعد الأحداث ينددون بالممارسات ويدعون السلطات لمواجهتها باستعمال القوة وكل وسائل الردع هم أنفسهم الذين زرعوا الحقد والكراهية وساهموا في تذمر أولادنا ودفعوا بهم الى التعصب من خلال تحاليلهم وتعاليقهم وتصرفاتهم في مختلف المنابر والقنوات الخاصة التي فسحت المجال للصراخ والتهريج والتهييج واثارة الفتن بين المناصرين والمسيرين. بعضهم راح يتفنن في إعطاء دروس في الأخلاق وفي كيفية التعامل مع ظاهرة العنف في الملاعب بطريقة سطحية بدون أدنى إشارة الى الأسباب والدوافع، وبدون التذكير بأن العنف هو ظاهرة اجتماعية متفشية في أوساط الأسرة والمدرسة والشارع وحتى في المسجد ولا تقتصر على الملاعب فقط، العنف هو ظاهرة عالمية لا يمكن مواجهتها ومعالجتها بالعنف المضاد ولا بالخطابات الشعبوية المغلفة بالجهوية والحقد والكراهية.
إنكلترا لم تقض على عنف الهوليغانز في الملاعب وخارجها ولم «تحاربه»، بل عالجته وتعاملت معه بالاحترام للقوانين وللكرامة الإنسانية، وبالتوعية والتثقيف والتعليم، بواسطة خبراء و مختصين واعلاميين ومحللين قاموا بدورهم الأخلاقي والتربوي، أما في الجزائر فان عنف جماهير الكرة في الملاعب يحمل خصوصيات ودوافع تختلف عن عنف وشغب الآخرين، فما ينطبق على الغير لا يسري علينا بحكم تركيبة جيل عاش سنوات الدم والدمار والقتل والعنف في التسعينات، وتركيبة مجتمع لا يزال متأثرا بجراح عميقة يجب أخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن الظاهرة وعند البحث عن معالجتها والتخفيف منها لأنه لا يمكن القضاء على ظاهرة العنف مثلما لا يمكن القضاء على كل الآفات الاجتماعية بل يمكن معالجتها والتخفيف منها بالبحث في أسبابها ودوافعها ومرافقة شبابنا بكل حب واحترام وتقدير وتفهم لظروفهم العصيبة.
أزمتنا الأخلاقية والفكرية والثقافية، والعنف اللفظي والنفسي والفكري والاجتماعي الذي يعيشه أولادنا أكبر بكثير من عنف جماهير الكرة التي تصرفت بشكل عدواني في قسنطينة قبل وأثناء المباراة وليس بعدها بسبب نتيجة المباراة وبالتالي فان تلك الجماهير التي انتفضت ضد بعضها البعض وضد رجال الامن كانت مهيأة نفسيا لفعل ذلك، وكانت متأثرة بكارثة سقوط الطائرة العسكرية ومتأثرة بكل اللغط الذي رافق اختيار ملعب يبعد بأكثر من 300 كلم عن العاصمة لإجراء مباراة كأس كان يمكن أن تجرى في ملعب يوفر كل الشروط الضرورية، وكان يمكن تأجيلها الى غاية انقضاء فترة الحداد.
لا أدعي معرفة كل الأسباب والدوافع التي تؤدي الى ممارسة العنف، ولا أدعي معرفة كل التدابير التي يجب اتخاذها للتقليل من حجم الظاهرة، لكن على الأقل في مجال اختصاصي الإعلامي يمكنني التأكيد على أن بعض المنابر الإعلامية غذت مشاعر الحقد والكراهية والجهوية وغاب عنها صوت العقل والفكر والحياد المهني حتى صار عنفنا أشد وطأة من عنفهم، لأننا ننهى عن عنف ونأتي بمثله، عارُ علينا بما فعلنا بأنفسنا قبل غيرنا!

إعلامي جزائري

عنفكم أشد قسوة من عنف الملاعب!

حفيظ دراجي

- -

7 تعليقات

  1. أعلن وزير الأوقاف الجزائري أن الوزارة على استعداد لإرسال الأئمة إلى المدرجات للحث على الكلمة الطيبة – ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. هم يا سي دراجي مرجعية في الارهاب سابقا والآن العنف ..عنف الشارع..والمؤسسات..والملاعب الآن…وماخفي سيكون أخطر وأعظم….دولة ترتزق من العنف..وتعنف لكي تزيد في عمرها وفي ديمومتها…انه عقلية الجهال يا سي حفيظ…

  3. تحليل دقيق الاستاذ دراجي. فالاعلام حصره بين مناصربن متعصبين لفرقهم، و ان هذا العنف اساسه جلدة منفوخة و هم بذاك يسطحون الامر و يتدخلون في اختصاص غير اختصاصهم ، و المؤسف انهم يدعون لمعاقبة هؤلاء الشباب الذين لم يجدوا عملا كريما بعقوبات صارمة، مع ان نفس الاشخاص لا نرى لهم وجها او نسمع لهم صوتا عندما تنهب اموال الدولة من طرف المسئولين.. فالظاهرة كما قلت استاذ، لا تتعلق فقط بالكرة، فهي تتعلق بالسياسة التي فقد الاخلاق و الكرامة و الحالة الاجتماعبة و الاقتصادية الكريثية .. كيف لشاب يمسك اعصابه، و هو يري احد المسؤولين الذي اكتنزوا الذهب و الفضة يقول يتكون الامور جيدة في 2018، و يعلن في نفس الوقت البنك العالمي ان اقتصاد الجزائر يتدهور. و سينتقل 10 بالمائة من اامواطنين إلى ما تحت عتبة الفقر!! صحيح الشباب يكره الكذب. و يعرف الامور أكثر من المسئولين لانه يعيش الواقع، لكن ان يستهزئ به مسئول اداري تخرج من مدرسة التكوين المهني ، يشد أعصابه و يدخله في حالة هستيرية لا يفيق منها الا و هو مرتكب آثام ينكرها العقل و الدين.. فشبابنا يحتاج إلى حياة جديدة و دم جديد لمسءولبن جدد يخافون الله. و لديهم كفاءة و استراجية واضحة للنهوض بالبلد، كما يجب تن يكونوا نزهاء، يقدسون العمل، و يقدمون الاكفاء لتولي المناصب المهمة في الدولة ، لعلى تتغير الامور إلى الأحسن و الأفضل.. فالعنف في الملاعب هو مثل الحرارة التي تصيب ااجسم، لا يكفي الأسبرين لازالتها، لا بد ايضا من مصادات حبوية للقضاء على الفيروسات و الا تطور المرض إلى مالا يحمد عقباه.. و المضادات الحيوية هنا هم المسؤولين الاكفاء ، لان هؤلاء الذين اليوم يسيرون شؤون الامة فشلوا فشلا ذريعا، في تطوير الجزائر ، بل كانوا عملا في تاخرها ، عندما نرى ما بناه الرئيس بومدين في السبعينات من مصانع و بنية تحتية و بامكانات مالبة محدودة نتعجب، اليوم رغم الوفرة المالية و الامكانات المادية، لم نتجاوز ما بناه المرحوم بومدين 5 بالمئة !!!!

  4. نشكر الاخ حفيظ على هدا الكلام حيث كلامك واقعي الى حد كبير وان مناصر ومتابع للقنوات الخاصة و كلامك ازاء القنوات والمحللين صحيح حيث تصب
    هده القنوات الزيت في النار وبالاضافة الى عدة اسباب اخرى تؤدي الى العنف في الملاعب تتحملها كلها السلطة

  5. صدقني أيها الأخ العزيز، إنهم يعاملوننا بإستغباء يفوق التصور ولازالو يحسبون أنفسهم مع جيل ما بعد الثورة الذي أكل عليه الدهر وشرب، بل تناسو بأن الجيل الحالي لم يعرف للأمية معنى وخاصة في ظل التطور والتكنولوجيا المعاصرة والتي فسحت المجال للتفتح على العالم أكثر ويعتقدون واعتقادهم خطأ بأننا لا زلنا بحاجة لرعايتهم لنا وكأن السلطة هي الصدر الحنون على الشعب ولكن تيقن أخ حفيظ أن الظلم ظلمات يوم القيامة وشكون يسمح في حقه …؟؟؟ أنا شاب جزائري نحب بلادي وjamai نروندي ورانا فايقين ولكن ماذا بعد نهاية المسرحية ونزول الستارة ؟؟ ولاأزيد على ما كتبت غير تعمد هذه السلطة المستبدة إستفزاز الفئة الشبانية وابتزازها عن طريق مشاريع وهمية تبقيهم داخل البلد في دينونة طويلة الأمد وما أعظم تلك المشاريع والتحف الفنية التي يقيمونها داخل المدن وخارجها من سجون شاسعة وكأنهم ينادوننا هلموا تعالوا إلى صدر أمكم الحنون فنحن لن نأكلكم أدخلوها آمنين فهذا مكانكم الطبيعي إننا بنينا هذه السجون ليوم عظيم إسمه jugement day

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left