جزائر الفقراء

محمد علي القاسمي الحسني

Apr 21, 2018

يجمع معظم الباحثين في العلوم السياسية على انعدام الصدفة في الفعل الذي تقوم به الأنظمة السياسية خصوصا تلك المتسمة بالانغلاق والضبابية من الخارج، أي يجهل صانع القرار فيها.
ولا يختلف اثنان في كون النظام الجزائري أحد هذه الأنظمة القائمة على ظهر بنية اجتماعية متزعزعة وخوف غير مبرر من الغرب والعرب على حد سواء. وخير مثال على هذا الصراع المفتوح مع النظام الليبي السابق والنظام المغربي جاعلا مصير الجزائر رهينة رغبة عابرة فقط لحفظ الاستقرار الهش. وهذا ليس غريبا عن نظام شمولي يدرك ميكانيزمات حكمه دارس للعلوم السياسية.
رغم أن التاريخ الأوروبي عرف سقوط الملايين لأجل وصول فلان أو فلان للحكم فإن الأمر نفسه عرفته الجزائر طوال تاريخها ممثلا في ظهور عديد الدول التي حكمت في مراحل زمنية مختلفة. لكن الفارق أن الدول الأوروبية اتحدت الآن داخل كتلة اقتصادية وسياسية وتحاول التكتل عسكريا، وعلى النقيض فإن الجزائر لازالت دولة مفتتة تقوم على الخلافات القبلية والفكرية، يحكمها نظام تحت غطاء الشرعية الثورية التي تخول له الحكم نظرا لكونه وريث ثورة التحرير فيتم صناعة الرجل الأسطورة الذي بدونه فإن الجزائر ستتحول إلى صحراء خالية. وهذا ما ولد في الأذهان أسطورة بومدين الذي أمم النفط ثم بوتفليقة الذي قضى على الإرهاب.
وهنا تكمن الكارثة فالاتحاد الأوروبي توصل بعد قرون من التقاتل الدموي لإنشاء تكتل ناجح بقناعة سياسية واضحة لزعمائه الذين أرادوا الخروج من العباءة الأمريكية وخدمة مصـالح شـعوبهم، أما الجـزائر فـلازال قـادتها يعبـثون بمصـيرها المجهـول والعـجيب امتـلاكهم قدرة على التـوالد والتكـيف المسـتمر.
لقد شهدت الجزائر عديد الإضرابات التي قام بها الأطباء وعمال قطاع التربية والحرس البلدي وغيرهم من النقابات العمالية المطالبة بحقوق مهضومة، والمطالب التي قدمها سكان الجنوب ممثلة أساسا في المساواة مع الشمال، وتوفير مناصب العمل وترقية ظروف الحياة القاسية في كثير من المناطق التي تنعدم فيها ظروف الحياة الكريمة، إضافة إلى حالة الصراع بين التوجهين الدينيين ممثلين في التيار المالكي والتيار السلفي.
جل هذا غطته وسائل الإعلام التي تزين الواقع الجزائري أمام العالم متحدثة عن الرفاهية و»النغنغة» السيريالية التي يعيشها الشعب. ولكن الحقيقة هي أن الحكومة لم تستطع في كثير من الأحيان احتواء الحراك الاجتماعي فقامت بتغطيته عبر تصدير وهم التقدم الاقتصادي والحماية الأمنية التي توفرها أجهزة الأمن، فالحراك الشعبي رغم قلة تغطيته في أكثر مناطق الوطن يعد مؤشرا لخوف السلطة من ثورة لا يمكن التعامل معها نظرا لذهنية الجزائري الذي يأكل الأخضر واليابس إن ثار.
إن مقتل 257 فردا أغلبهم جنود في الجيش الشعبي الوطني بعد انطلاق الطائرة التي كانت تقلهم من مطار بوفاريك العسكري يعد حادثا أليما مس بقلوب الجزائريين جميعا نظرا لمكانة الجنود البسطاء في قلوب الجزائريين فلا تكاد تخلو أسرة من إرسال أحد أبنائها للقتال في صفوف حماة الوطن الذين يلعبون دورهم الهام بكفاءة في إبعاد نسبة كبيرة من الأخطار عن الجزائر وأبرز تلك الأخطار هم الإرهابيون الوافدون من ليبيا ومكافحتهم فلول الإرهاب في الداخل الجزائري.
لا يمكن قراءة سقوط الطائرة بعيدا عن الأحداث الجارية في الجزائر لأنها ليست منفصلة عنها فالإيمان بقضاء الله أمر لا نقاش فيه لكن الترابط بين الحدث وما سبقه وما سيليه هو الأساس في أي تحليل يقدم لفهم القضية، أما أن يفصل الحادث عن الواقع الجزائري فهذا سيجعل فرضية الصدفة في السقوط هي الغالبة ليخفي الحقيقة التي ستنكشف يوما ما وأهم هذه التساؤلات:
- المؤسسة العسكرية تخضع لنظام صارم في الداخل يستحيل خرقه أو التغافل عنه في ثانية، فكيف تسمح بركوب هذا العدد الهائل من الركاب في رحلة واحدة ؟
- في الحادي عشر من نيسان/ أبريل من سنة 2007 ضرب تفجير قصر الحكومة في قلب العاصمة، وهو الذي يخضع لحماية أمنية مشددة حاله حال الطائرات العسكرية التي تخضع لمراقبة وصيانة دورية، فهل وقوع الحادثتين في اليوم ذاته يعد صدفة خيالية أم أن في الأمر ما يثير الشكوك؟
- خرج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليدشن مسجد كاتشاوة وخط مترو جديد بتاريخ التاسع من أبريل/نيسان.وفي اليوم الموالي سلم إرهابيان نفسيهما وسط بث بعض القنوات الإعلامية تقارير عن العشرية السوداء ومناداة حزب جبهة التحرير بترشح الرئيس لعهدة خامسة، فهل سقطت الطائرة لتذكير الشعب الجزائري بأهمية بوتفليقة الأب الحنون العطوف الذي إن رحل فستهوي الجزائر إلى الجحيم!
أخيرا فإن الفقراء هم نزيهو الأوطان وشرفاؤها الذين دائما ما يموتون بهذه الطرق لتخلد ذكراهم أما البورجوازيون ففي قصورهم خالدون إلى الممات.

كاتب من الجزائر

جزائر الفقراء

محمد علي القاسمي الحسني

- -

2 تعليقات

  1. “المؤسسة العسكرية تخضع لنظام صارم في الداخل يستحيل خرقه أو التغافل عنه في ثانية، فكيف تسمح بركوب هذا العدد الهائل من الركاب في رحلة واحدة “؟ انتهى الاقتباس …يا بني لما لا تبحث لدقائق في غوغل وسوف يخبرك ان حمولة الطائر اليوشين تتعدى هذا العدد بكثير لتصل الى 340 راكبا….تعلم التواضع واختبر معلوماتك قبل نشرها انها مسؤولية يا بني.

  2. كنت أعتقد أنني وحدي من ساورتني الضنون وقد تكوّن لديّ اعتقاد راسخ أن هؤلاء البسطاء ذهبوا قربانا لخدمة حسابات الأقوياء. الأحداث المأساوية في بلدنا لا تصيب إلّا الفقراء والبسطاء (أي الضعفاء) و المواعيد الإنتخابية هي دائما مرحلة حرجة و مخيفة. سقوط الطائرة أثّرعلى عواطف الجزائرين و…لا أريد أن أكمل. ربي يستر

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left