السياسة الغربية: لا وفاء للحلفاء

مالك التريكي

Apr 21, 2018

لمجلة «برايفت آي» الهزلية البريطانية قدرة على تلخيص مواقف معقدة في عبارات موجزة أو صور مغنية عن الكلام. ذلك أن من الأمور الخطيرة ما لا يتضح خطره أو يستبين جوهره إلا في ضوء النكتة والمزاح. نشرت المجلة على غلاف عددها الأخير صورتين متوازيتين لبشار الأسد، أولاهما تحت عنوان «قبل»، والثانية تحت عنوان «بعد». في الأولى يبدو الرجل ضاحكا متهللا، أما في الثانية فإنه يبدو بالمثل ضاحكا متهللا أيضا! كان الضحك هو موقفه قبل أن تحزم أمريكا وبريطانيا وفرنسا أمرها بشأن قصف بعض مواقع الأسلحة الكيميائية في سوريا. وبقي الضحك هو موقفه بعد إعلان ترامب بكل عنترية أن «المهمة قد أنجزت». أما التعليق تحت الصورتين فإنه يخلط الأوراق بفائق الدهاء: «لا تغيير في النظام: لا تزال تيريزا ماي رئيسة للحكومة».
وقد أتت تصريحات مسؤولي الاستخبارات الأمريكية، الخميس، لتثبت غثاثة المهمة المنجزة وفراغها من المعنى، أي صحة رأي «برايفت آي» بأن عدم إنجازها لم يؤخر في الأمر «من قبل»، وأن إنجازها لم يقدم فيه «من بعد». حيث قالوا إن الغارات الغربية في سوريا لم يكن لها إلا أثر محدود في تقليص قدرة النظام على تنفيذ هجمات بالأسلحة الكيميائية في المستقبل، وإن ترسانة النظام قد وزعت على مواقع كثيرة، سوى المواقع الثلاثة التي تم قصفها، تشمل مدارس وعمارات سكنية. وقال أحدهم إن هذه المواقع الكثيرة تمثل «دروعا بشرية»، علما أن وزير الدفاع جيمس ماتيس أخبر الكونغرس قبل يوم من العملية أن إحدى أولوياته تتمثل في حصر الخسائر في أرواح المدنيين في أضيق نطاق ممكن. هذا إضافة إلى حرصه، بطبيعة الحال، على تجنب إصابة أي هدف بشري أو لوجستي روسي أو إيراني.
وليس في كل هذا ما هو مفاجئ.
فحكاية «الخطوط الحمر» برمّتها حكاية بائسة. ليس فقط لأن أوباما أفقد أمريكا، بسببها، مصداقيتها وفضح حيرتها، بل وانهزاميتها، فمهّد بذلك السبيل لروسيا، العارفة بما تريد وكيف تبلغ ما تريد، لتكون اللاعب الكبير الوحيد في سوريا. ليس هذا فقط. بل إن بؤس الحكاية كامن في أصلها. وأصلها أن الدول الغربية لا ترى بأسا في أن يمعن الطاغية الضاحك المقهقه تقتيلا وتشريدا في شعبه وأن يستعين في ذلك بالقوى الكبرى والإقليمية والميليشيات الطائفية. لا ترى بأسا في أن يقصف الأبرياء برا وجوا ويقتل مئات الآلاف منهم طالما أنه يستخدم ما يسمونه «الأسلحة التقليدية»، أي السلاح الحلال! فحكاية الخطوط الحمر هي محاولة لتذويب موقف النفاق الغربي في محلول ذي طبيعة تقنية فنية. أي أن القضية عنده لا تتعلق بالجريمة، بل بأداة الجريمة: لا يصبح التقتيل مرفوضا إلا إذا كان بالسلاح الحرام!
ليست المشكلة في المضمون بل في الأسلوب: قل لنا بماذا تقتّل أبناء شعبك؟ إذا كنت تقتّلهم بالمدافع والرشاشات والقنابل والقصف البري والجوي، فامض في حال سبيلك، ونعتذر لك عن مجرد التفكير في التدخل في شؤونك. أما إذا استخدمت سلاحا سبق النص على أنه محظور، فإننا ربما (نقول: ربما) نرد عليك بعملية نطمئنك من الآن بأنها محدودة النطاق عديمة الأثر. كما سوف نحرص على ألا نشتبك فيها مع قوات الاحتلال الكبرى، التي أجارتك وحمتك ومددت لك في عمرك، حتى لا يخرج الموقف عن نطاق السيطرة. إذ إن امتعاضنا من استخدام الأسلحة المحظورة لا يمكن أن يبلغ من الجدية (كما أننا واثقون بأنكم عارفون) حد استعدادنا للدخول في مواجهة فعلية مع القوى الكبرى التي تحميك. فهذه القوى جادة في حلفها معك وفي عدم التخلي عنك، أما نحن فليس بيننا وبين الشعب السوري حلف. وحتى لو كان الحلف قائما، فأنتم تعرفون أننا غير معروفين، نحن الغربيين من الاستعماريين القدامى والجدد، بالوفاء للحلفاء!
ومن أبرز مظاهر نزعة تذويب موقف النفاق الغربي في محلول الخطاب التقني الشكلي أن المعارضة في بريطانيا تناكف الحكومة منذ أيام بمزاعم عن عدم شرعية القيام بأي عمل عسكري إلا بعد موافقة البرلمان. ومعروف أن ديفيد كامرون كان قد اعتزم عام 2013 التدخل العسكري في سوريا نصرة للثورة الشعبية، ولكن البرلمان رفض آنذاك بدعوى أنه استخلص العبرة من كارثة التدخل في العراق. والمعنى أن الغرب لا يمكن أن يعالج كارثة التدخل في العراق إلا بكارثة عدم التدخل في سوريا!

٭ كاتب تونسي

 السياسة الغربية: لا وفاء للحلفاء

مالك التريكي

- -

2 تعليقات

  1. الحلف بين سوريا و روسيا درس في الوفاء و أن اختلفنا معهما.

  2. المقال مكتوب على فرضية ان التدخل الغربي العسكري مبني على دوافع انسانية..و اقول منذ متى كان ذلك؟ كل دولة تبحث عن مصالحها اولا. او تدافع عنها. و لا بأس من بعض الصدقات من فائض الفائض..اما ان تدخل في حرب دفاعا عن الانسانية فلا استطيع ان اتذكر حالة واحدة. و قديما قيل ” ما بييجي من الغرب اللي يسر القلب”
    و لنكن واقعيين.. تصور لو ان حربا اهلية حدثت في بريطانيا او في امريكا فهل كنا سنتدخل عسكريا لدوافع انسانية لايقاف هذه الحرب؟؟ المعقول ان نتدخل لحماية مصالحنا. او مساعدة طرف و مساومة الطرف التالي.
    للاسف ما زلنا نلوم اوباما و نتهم ترامب و نعتب على ماكرون وكأننا من انتخبهم و كأنهم ولاة امورنا. الا اذا كنا نقر بانهم ولاة ولاة الامور.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left