بعد سبعين عاما على النكبة.. ما هي الحقيقة خلف أسطورة غلبة الأقلية على الأغلبية

باحث إسرائيلي يقدم خمسة أسباب لانتصار الصهيونية عام 48 وسببا لانتكاستها الوشيكة

وديع عواودة:

Apr 21, 2018

الناصرة – «القدس العربي» :ماذا حصل فعلا عام 1948 وما هي الحقيقة في أسطورة غلبة الأقلية على الأغلبية؟… يتساءل باحث إسرائيلي، مؤكدا أن تثبيت هذه الأسطورة كحقيقة مضر للأجيال الإسرائيلية.
ويستهل الباحث مردخاي بار أون الخبير بتاريخ البلاد دراسته باستذكار طرفة عن مهاجرين يهوديين وصلا الى فلسطين قبل 1948 كانا يسيران في الطريق حينما شاهدا عربيا وحيدا يخطو نحوهما فتملك الخوف بأحدهما فقال هامسا: أنظر هذا عربي يتجه نحونا ونحن وحدنا فماذا نفعل؟ وبرأي الباحث فإن هذه الطرفة تعكس لحد كبير شعور الأقليات مقابل الأكثرية الذي عشش في قلوب اليهود منذ بداية الصهيونية. ويقول إنه بقي حتى بعد انتصار 1948 بل حتى اليوم. ويستذكر أن وزارة التعليم ربت الإسرائيليين جيلا بعد جيل على أن أقلية يهودية شجاعة تفوقت على أكثرية عربية في 1948 لافتا إلى تكريس هذه الأسطورة من فوق إلى تحت برعاية وتوجيه رئيس حكومة الاحتلال الأول دافيد بن غوريون. ويتابع «لكن حينما نعود لفحص الحقائق يمكن ملاحظة أن بن غوريون نفسه اعتقد بخلاف الأسطورة التي شجع على تنميتها وتكريسها. ففي اجتماع لجنة الخارجية والأمن في فبراير/ شباط 1960 اعترف بن غوريون بوضوح بأنه في أغلب مراحل حرب 1948 تمتع الجيش الإسرائيلي بأغلبية عددية لا كيفية فحسب مقابل دول العدو. وقد أوجز استعراضه بالقول مقابل دهشة أعضاء اللجنة حتى وإن بدا غريبا قليلا «فقد امتلكنا وقتها جيشا أكبر من جيشهم». ويوضح بار أون الذي يشير لرقم الوثيقة التي يستند لها في أرشيف الدولة بهذا المضمار إلى الحاجة للسؤال اليوم بعد 70 عاما على النكبة وقيام إسرائيل: ماذا كانت حقيقة موازين القوى في 1948 وأين تختبىء الحقيقة خلف الأسطورة المذكورة؟

ثلاثة أضعاف الجنود العرب

يشار الى أن بار أون خدم عام 1948 في الجيش الإسرائيلي عام 1948 برتبة ضابط قبل أن يصبح رئيس قسم التاريخ فيه وعضو كنيست، وقد بادر لتحطيم هذه الأسطورة التاريخية في دراسة بعنوان «داوود مقابل جوليات». وكشفت صحيفة «هآرتس» في ملحقها أمس بعض ما جاء في هذه الدراسة المهمة. وأشارت إلى أنه يتمتع بذاكرة حية رغم أنه على عتبة التسعين من عمره. ويقول إن عدد اليهود بلغ عام 1948 نحو 650 ألف نسمة، أما الفلسطينيون فبلغ عددهم 1.25 مليون نسمة، لافتا إلى أن عدد سكان الدول العربية التي أرسلت جنودا لفلسطين بلغ وقتها نحو 40 مليون نسمة فيما كان في الجليل ينشط جيش الإنقاذ المكون من متطوعين عرب. مؤكدا أنه رغم الفارق العددي فاق عدد الجنود اليهود عدد الجنود العرب بثلاثة أضعاف لأن دولا عربية اكتفت بإرسال عدد هامشي من الجنود، فيما امتنعت أخرى عن التدخل في الحرب. ويقول إن الانتصار في الميدان هو من نصيب من يمتلك القوات والطاقات وليس «لأننا أقلية مقابل أغلبية «.غولدا مئير جندت 50 مليون دولار والعرب جندوا 25 ألف ليرة.
ويضيف «لم ينجح هذا العالم العربي الكبير بتجنيد ما يكفي من جنود لمنع النكبة، أما ضعف الفلسطينيين في البلاد فمرده قمع الانتداب لقواتهم خلال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. كما ينبغي الأخذ بالحسبان تجنيد المال والموارد. لم تفلح اللجنة العربية العليا في جمع أكثر من 25 ألف ليرة في مستهل القتال، أما جيش الهغاناه وحده فقد بلغت ميزانيته وقتها ثلاثة ملايين ليرة. أم غولدا مئير وحدها فقد جمعت حتى مارس/ آذار 1948 أكثر من 50 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا».
ولم تعد هذه الرؤية النظيفة من الأساطير تقتصر على المؤرخين الإسرائيليين الجدد فقد أدركت أيضا جهات عربية تفوق الجانب اليهودي كما وكيفا وقتها. في تقاريره الأولى التي قدمها للجامعة العربية قبيل قرار التقسيم عام 1947 أكد الجنرال العراقي إسماعيل صفوت( رئيس اللجنة العسكرية في الجامعة العربية) أن بحوزة المستوطنين اليهود قوى عسكرية وقدرات تنظيمية ومالية قادرة على حسم المعركة بسهولة. ورغم التقييمات العربية ورغم تفوق الجانب اليهودي كما وكيفا فقد منيت العصابات الصهيونية بهزائم موجعة، وهناك من رجح كارثة يهودية تبلغ حد تدمير الاستيطان اليهودي. ويقول بار أون إن القوات الصهيونية تعرضت لخسائر فادحة في «معارك الطرق» أبرزها قافلة بن عامي من عكا إلى الجليل الأعلى في مارس / آذار 1948 وغيرها. ويقول إن الأفضلية كانت في البداية للعرب لكنه يعتبرها «صورة مضللة».

عبد القادر الحسيني

ويتابع «بدأ الجانب اليهودي بتحريك قواته النظامية بينما كان الجانب العربي يعتمد بالأساس على متطوعين قرويين أصحاب ولاءات محلية. إذا أخذنا على سبيل المثال قرية القسطل أو النبي دانييل في ضاحية القدس فقد جند الفلسطينيون مئات المقاتلين لكن ذخائرهم كانت تكفي ليوم او يومين، ولذا لم ينجحوا باحتلال مستوطنة واحدة».
ويشير إلى أن الكثير من النجاحات الفلسطينية الميدانية وقتها نسبت للشهيد عبد القادر الحسيني قائد الجهاد المقدس في منطقة القدس الذي استشهد قبل 70 سنة تماما في معركة القسطل، المعركة التي رجحت كفة اليهود. ويضيف «في نفس اليوم تم صد الهجمة العربية بقيادة جيش الإنقاذ على مستوطنة «مشمار هعيمك» في مرج بن عامر شمال الضفة، فيما شهدت دير ياسين مذبحة. ويزعم بار أون أن السبب الأساس للتحول في ذاك اليوم يكمن بعدم تدخل البريطانيين وقيام الجيش الإسرائيلي الذي بدأ يحتل مناطق والسيطرة عليها. ويتابع «حتى دخول الجيوش العربية فور الإعلان عن قيام إسرائيل في 15 مايو/ أيار 1948 تمتع الجانب العربي بأفضلية بالعتاد العسكري والقوات المدرعة والمدافع وسلاح الجو».

داوود مقابل جوليات

ومع ذلك يرفض بار أون مقولة «داوود مقابل جوليات» ويوضح أنه «مؤرخ وليس شاعرا. عندما تقول لليهود القدامى إننا لم نكن وقتها أقلية مقابل أكثرية فإنهم يمسون بالجنون ويشعرون كأن هناك من يأكل لهم قلبهم لأنه يمس كبرياءهم لكن هذا أيضا مناف لذاكرتهم، فقد كانت هناك هجمات تفوق فيها العرب عددا كما حصل يوم وصل المصريون إلى أسدود، ففي تلك الليلة كدت أن أتبول في سروالي لشدة الخوف. كنت ضابطا شابا ومتأكدا أن المصريين سيزحفون في اليوم التالي بدباباتهم وسيكون يومي الأخير عندئذ، لكنهم لم يصلوا».
في المقابل يقول إن الجانب اليهودي تمتع بروح معنوية عالية وحماسة كبيرة. ويضيف ان مستوطناته صمدت بفضل ذلك وبنفس الوقت يتطابق أيضا مع المؤرخ الدكتور عادل مناع في كتابه الأخير «نكبة وبقاء» بإشارته لدور «استغلال اليهود للهدنة الأولى عندما قام البريطانيون بالامتناع عن تزويدنا بالسلاح ولم يفعل ذلك الاتحاد السوفياتي وفتحت تشيكا الباب لتزويدنا بالطائرات وبالسلاح الكثير «.

المتطوعون الأجانب

كما يشير الى سبب إضافي لانتصار الصهاينة في المعركة على فلسطين، وهو سبب مرتبط بالمتطوعين الأجانب. ويكشف أن 150 جنديا من الجيش البريطاني انتقلوا للقتال مع الجانب العربي، وانضم لهم 250 يوغسلافيا و 32 ألمانيا لكنهم جميعا بقوا عددا هامشيا مقارنة مع آلاف المتطوعين المدربين والخبراء بسلاح البحرية والجو الذين تطوعوا الى جانب الجنود الصهاينة. وبخلاف مؤرخين عسكريين إسرائيليين كثر، ينصف بار أون المقاتلين العرب ويقر بأن عددا كبيرا منهم ضحى بروحه بشجاعة فائقة وشكلوا تحديا كبيرا للمقاتلين في الجانب الصهيوني رغم أنهم كانوا أحيانا أقل عددا. ويتابع «أن الزعم الجارف بأن الجيش الإسرائيلي انتصر على العرب : أقلية مقابل أكثرية، فهذا ادعاء خاطئ من ناحية الحقائق وينقصه فهم عوامل الانتصار واستخلاص الدروس المطلوبة». ويقول إنه لا بأس من رواج الأسطورة لدى عامة الإسرائيليين لكنها تصبح مضرة جدا عندما تدخل رؤوس الجنرالات، مؤكدا وجود فرصة لتعلم الدروس من التاريخ. ويضيف «المصطلح أسطورة لا يأت لذكر شيء ليس حقيقة بل شيء لا حاجة للإثبات أنه حقيقة وبذلك قوته».

لا تستخفوا بالعرب

ورغم كل ما يقول بار أون فإن نتائج 1948 مفاجئة: «مع ذلك هذه عجيبة. كيف لا ينجح 40 مليون نسمة بمنع إقامة إسرائيل»، متجاهلا تواطؤ بعض الأنظمة العربية أو اكتفاءه بالتلميح يرى بار أون أن إحدى خلاصات حرب 1948 هي عدم الاستخفاف بالعرب الذين لم يكونوا قادرين على الانتصار بالحرب ولذلك هم للوهلة الأولى غير قادرين على قبول السلام. ومع ذلك هذه ليست المشكلة، فيرى برؤية شجاعة نادرة في المشهد الإسرائيلي الراهن أن مصدر المصيبة هو أن الإسرائيليين لا يرغبون بالسلام. ويتابع «اختار هذا الشعب حكومة لا تريد السلام. وهذا ليس من الآن،هذا منذ زمن بعيد».
كمن قاتل في 1948 وبحث تاريخ حرب 1948 والحروب التالية يبدي بار أون تشاؤما  كبيرا حيال مستقبل إسرائيل بقوله : «ما سيحدث لإسرائيل ليس أن الرئيس دونالد ترامب سيقاطعنا، بل عدم قيامهم بمقاطعات لنا وعندها فجأة نستيقظ يوما ما وكل العالم يسأل: كيف تكونت هنا دولة ثنائية القومية ويضرب طرف واحد الطرف الثاني؟ مثل هذه الحالة غير موجودة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، شعب واحد يسيطر على شعب ثان في نطاق دولة واحدة. ما يفعله هؤلاء الأغبياء في الحكومة اليوم هو دولة ثنائية القومية وهم لا يخشونها. هذه كارثة غير عادية على مستقبل إسرائيل ومستقبل أبنائنا. كي يتم فهم ذلك نحتاج لجمهور آخر على ما يبدو».
وحسب تحليل بار أون فإن احتمال عدم تحقق توقعاته قليل، نظرا للتوجهات الديموغرافية والسوسيولوجية في إسرائيل، ولكنه يحتفظ بالأمل: «بطبعي لا أستطيع التنازل عن فكرة أن نواصل العيش هنا بدليل أنني وعائلتي نقيم هنا سعداء رغم أن حكومتنا بلهاء. أنا بالتاسعة والثمانين من عمري يحق لي القول إنني تمنيت تحقق السلام لكنني لن أحظ برؤيته».

بعد سبعين عاما على النكبة.. ما هي الحقيقة خلف أسطورة غلبة الأقلية على الأغلبية
باحث إسرائيلي يقدم خمسة أسباب لانتصار الصهيونية عام 48 وسببا لانتكاستها الوشيكة
وديع عواودة:
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left