لا تراهنوا على الطلاق بين روسيا وإيران!

د. فيصل القاسم

Apr 21, 2018

يتساءل كثيرون منذ بدء التحالف الروسي الإيراني في سوريا قبل سنوات: ما الذي يجمع الروسي الشيوعي سابقاً والإيراني الشيعي؟ (أيه لم الشامي عالمغربي؟) لا شيء يبدو جامعاً لنظامين على طرفي نقيض عقائدياً وسياسياً وثقافياً، فالنظام الروسي نظام مسيحي أرثوذوكسي ديمقراطي رأسمالي ظاهرياً، ومخابراتي واقعياً، والإيراني نظام ديني أوتوقراطي لا مثيل له في العالم إلا في زمن القرون الوسطى حيث كان رجال الدين يسيطرون على كل شيء. لكن مع ذلك يتلاقى النظامان، رغم الفوارق الثقافية والدينية، في أنهما نظامان مارقان من وجهة نظر الغرب، وأيضاً في أنهما يواجهان عدواً مشتركاً يتمثل في أمريكا والغرب عموماً.
إن الطيور على أشكالها تقع. لاحظوا مثلاً أن النظامين الوحيدين اللذين يتحالفان مع أحقر وأقذر نظام في المنطقة هما روسيا وإيران. والمقصود طبعاً النظام السوري الذي لاقى حماية روسية إيرانية رغم أنه تفوق على النازيين والفاشيين في أفعاله وجرائمه. لا شيء مستحيل في السياسة، طالما تلتقي المصالح، فمعروف عن الإيرانيين أنهم براغماتيون وواقعيون رغم اتباعهم سياسة مبنية على الدين. ولا ننسى أن كلمة «بازار» كلمة إيرانية أصلاً. والبازار هو السوق الذي يبيع ويشتري فيه التجار ويعقدون الصفقات بغض النظر عن أي شيء آخر.
البعض الآن يرى على ضوء الهجوم الغربي الأخير على نظام الأسد وقبله الهجوم الإسرائيلي على القواعد الإيرانية في مطار التيفور السوري أن إيران باتت في موقف محرج في سوريا، وأن الضغط الإسرائيلي لطرد الإيرانيين من سوريا سيضع الروس حلفاء الإيرانيين في ورطة حقيقية. هل يضطر الروس لمراضاة الأمريكيين والإسرائيليين إلى فك الارتباط بحلفائهم الإيرانيين في سوريا؟ المتفائلون بفك ذلك الارتباط يفكرون بعقلية رغبوية على أمل أن ينهار التحالف الروسي الإيراني الذي بات رقماً صعباً في سوريا والعراق وحتى لبنان واليمن. لكن الطلاق الروسي الإيراني ليس بالسهولة التي يتمناها أعداء إيران في المنطقة.
لمن لا يعلم فإن التقارب الروسي الإيراني ليس نتيجة الوضع في سوريا أبداً، وليس وليد المصالح المشتركة لموسكو وطهران في سوريا وحتى اليمن، بل هو سابق لذلك. فلا ننسى أن روسيا تعتبر إيران ذراعاً ضرورياً لها فيما يسمى بالمشروع الأوراسي الذي يتبناه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأوراسيا هو مشروع يحاول الروس من خلاله تشكيل حلف أوروبي آسيوي كما يبدو من الاسم لمواجهة المشاريع والتحالفات الغربية. ولا يمكن لهذا المشروع الاستراتيجي أن يتقدم ويتشكل من دون المشاركة الإيرانية الفعالة، وبالتالي فإن التلاقي الروسي الإيراني ضرورة استراتيجية قبل أن يلتقي الطرفان في سوريا، لا بل إن التقارب بين الجانبين في الشرق الأوسط مرده إلى الزواج الكاثوليكي الذي يتطلبه مشروع أوراسيا.
وحتى لو لم تكن هناك مصالح مشتركة للروس والإيرانيين في مشروع أوراسيا، فإن الطرفين لا يمكن أن ينجحا في سوريا بمفرد كل طرف، فهما يعتمدان على بعضهما البعض اعتماداً حيوياً لتمرير مصالحهما في سوريا حيث يحظيان بترحيب كبير من قبل النظام. لا شك أن روسيا تعلم علم اليقين أنها لا تستطيع أن تنتصر عسكرياً في سوريا على قوى المعارضة السورية بسلاح الطيران فقط على نجاعته وجبروته، فهي تحتاج على الأرض إلى قوات برية كبيرة لتقوم بالمهمة برياً. وكما هو معلوم فإن لإيران ميليشيات كثيرة في سوريا تقاتل إلى جانب النظام، فلا القوات الإيرانية قادرة بمفردها على الانتصار، ولا الطيران الروسي بمفرده قادر على حسم المعركة. وكما نعلم كانت دمشق على وشك السقوط أمام قوات المعارضة لولا التدخل العسكري الروسي كما اعترف وزير الخارجية الروسي نفسه، وأن إيران فشلت من قبل في وقف زحف القوى المعارضة للنظام السوري باتجاه دمشق حتى جاء الروس وتظافرت القوة الجوية الروسية والقوة البرية الإيرانية فتحقق النصر الروسي الإيراني على قوات المعارضة في حلب وريف دمشق مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً أن التقارب التركي الروسي في سوريا لعب دوراً محورياً في ترجيح كفة الروس والإيرانيين في سوريا على حساب قوى المعارضة.
البعض يعتقد أن روسيا يمكن أن تبيع إيران في سوريا لصالح إسرائيل على اعتبار أن الروس أقرب للإسرائيليين منه إلى الإيرانيين. لكن مؤيدي إيران يعتقدون العكس، فهم يرون أن روسيا تستخدم الميليشيات الإيرانية في سوريا كبعبع وكمخلب قط لتخويف الإسرائيليين والأمريكيين. وكلما اقتربت الميليشيات الإيرانية باتجاه الحدود الإسرائيلية في سوريا اضطرت تل أبيب للضغط على أمريكا لتخفيف الضغوط على روسيا في أوكرانيا وسوريا ومناطق أخرى. ويتحدث محللون من الحلف الإيراني على أن هناك تفاهماً قوياً جداً بين المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الروسي بوتين في هذه القضية وغيرها.
لا تراهنوا على إضعاف الدور الإيراني في المنطقة، فإيران ضرورة استراتيجية للمشروع الأمريكي والإسرائيلي، ويكفي أن تعرفوا أن الصراع السني الشيعي الذي ترعاه القوى الشريرة في المنطقة لا يمكن أن يزدهر بدون النفوذ الإيراني، وأن الخراب والتدمير الممنهج بدءاً بالعراق مروراً بلبنان واليمن والآن سوريا لا يمكن أن يتحقق أيضاً من دون المعوّل الإيراني.

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

لا تراهنوا على الطلاق بين روسيا وإيران!

د. فيصل القاسم

- -

13 تعليقات

  1. فهم نفسك قبل ان تفهمنا انت كنت تقول ان ايران وامريكا والصهاينة حبايب ويلعبوا علينا فقط واليوم تقول ان عدو ايران اللدود هو امريكا والغرب

  2. العدو المشترك للنظام الإيراني والروسي هم أهل السُنة والجماعة , والدليل هو بحروب الدولتين الروسية والصفوية ضد العثمانيين ! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. ولا نراهن على الطلاق بين دول الخليج واميركا

  4. الامر اعقد مما يصوره الدكتور فيصل فروسيا الان ليست هي قبل عشر او ثماني سنوات عندما وافقت على ما فعله الغرب في العراق وليبيا وغيرها من دول العالم ولم تحصل على اي شيء بل سببوا لها المشاكل في اوكرانيا وجورجيا ولكنها انتصرت هناك والان لا يمكن ان تخسر سوريا وقواعدها العسكرية هناك فالبحر المتوسط منطقة مهمة للجميع.ولذلك فهي تحاول ان تبحث عن اي دولة يعاديها الغرب لكي تضمها لمعسكرها لكي تكون ندا لامريكا والحلف الاطلسي,والامر ينطبق على ايران ونفس الشي الان على تركيا فقد جعلت روسيا من حادث الطائرة مع تركيا فرصة لكي تجعل الاخيرة قريبة منها وتبتعد عن الغرب.اما ايران فهي دولة يعاديها الكل في المنطقة تقريبا فلا مانع لديها من التقارب مع اي دولة

  5. السلام عليكم. هم سواء إقرأ قول الله (” إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19”)..”)..فالمتقي لا يغدر و لا يخدع و لا ينافق و لا يلعب سياسة(مكيافلية) و لا مصلحة شخصية له و لا يطمع و لو عرضت عليه الدنيا بما فيها و لا يخاف إلا من خالقه،و لا يغلب(ضم الياء) و لو بدا لأي كان أنه مغلوب فهو أعمى البصيرة،و ليدرك نفسه قبل الغرغرة ..و السلام على من إتبع الهدى..

  6. في عالم السياسه لا يوجد المستحيل
    واريد ان اذكر السيد كاتب المقال الم
    يتخلوا الروس عن انور السادات ومصر
    في حرب اكتوبر عام ١٩٧٣، الم يتخلوا
    عن العراق عام١٩٩١، وعام ٢٠٠٣ علما
    انه البلدين كانتا في افضل علاقه
    مع الاتحاد السوفييتي انذاك وترسانتهما
    العسكريه كانت تعتمد على مصانع
    روسيا العسكريه، اليوم وبعد تفكك الاتحاد
    السوفييتي روسيا لاتستطيع مجاراة السياسات الايرانييه والتضحيه بمصالحها
    من اجل تشيع المنطقه، روسيا سوف
    تضطر في نهايه المطاف الى الخضوع
    لمطالب اسراىيل بتحجيم الدور الايراني
    في سوريا والا اسراىيل نفسها تقوم
    بتحجيم هذا الدور من خلال المواجهه
    العسكريه التى زادت موءشراتها موخرا
    وربما تندلع في الصيف القادم ،هل الروس
    يدخلون مع ايران في ضرب اسراىيل؟
    لا اعتقد ذلك وربما ومن خلال اسراىيل
    روسيا تدفع بايران خارج سوريا والانفراد
    بالمكاسب التي حققتها في سوريا
    والتفاهم مع امريكا والدول العربيه
    السنيه في هذا المجال.

  7. *بدون شك (روسيا وإيران ) لهما
    مصالح مشتركة وسوف تبقى
    العلاقة بينهما قوية جدا.
    *وكما لمح الأخ د.حمود
    ستبقى علاقة دول الخليج (بأمريكا)
    قوية جدا.
    الخلاصة؛ الخسران ف النهاية هم (العرب).
    سلام

  8. لا تنس ايام الحرب العراقية الايرانية كيف كانت امريكا (و الغرب و الشرق) تراقب عمليات التدمير الذاتي في المنطقة و تحرص على استمرارها و تمنع حسمها الا بشروطها بعد 8 سنوات.
    الم تقدم المساعدات لايران لمنع انكسارها و المساعدات للعراق لتدمير ايران بالنيابة؟؟
    افضل ما يمكن للعدو توقعه ان تقوم الحرب بين خصومه فيدقون اعناق بعضهم بعضا و من اموالهم.
    المصيبة ان اعدائنا مشتتون و متضاربو المصالح و لم نسع يوما الى الايقاع بهم و تشجيعهم على ضرب بعضهم بعضا.. لان اعداء الخارج هي ابعد همومنا و ان اعداء الانظمة الحقيقيون هم شعوبها

  9. يا دكتور فيصل،التآلف الصفوي مع قوى الشر ليس وليد اليوم ولا أمس بل هو بات منذ قرون وقرون.أليست الصفوية والبويهية الإيرانية كانتا تعادي الخلافة العثمانية لسبب مذهبي وكانتا تتواطئان مع الغرب ضد هذه الخلافة.وأحداث التاريخ تقول أن العثمانيون كانوا يرسلون الجيوش لاسترداد الأندلس عبر غرب أوروبا لكن سرعان ما يقفلون عائدين نظرا للإعتداءات الإيرانية التي تأتيهم من الخلف لإفشال هذه العملية.يجب أن نتذكر كذلك أن السيطرة الإيرانية على الأحواز العربية وضمها إليها كانت كجزاء لها على وقوفها مع الإستعمار الغربي في تفتيت العرب بمؤامرة سايسبيكو.لذلك فإن ضلوع إيران في التحالف هو نهج تمارسه لأجل خراب ودمار هذه الأمة بدليل ما يقع بالعراق واليمن وسوريا ولبنان وما ندري على أي سيأتي الدور مستقبلا إذا بقي العرب على هذا الخذلان والتآمر على بعضهم البعض.

  10. الدول العظمى لا تحكمها الزعامات والرغبات الشخصي
    ولا حتى تعاطف شعوبها
    الحاكم الوحيد المصلحة
    في اي وقت العدو يصبح صديق والصديق عدو
    ما يناسب المصلحة هو على رأس جدول الأولويات

  11. الاضافه الى ذلك ان المنطقة بمرسوم تقسيم اخر تعالوا نتخايل فقط تحقيق حلم ايران طريق طهران بغداد دمشق بيروت ،حتى نفهم الى اين تسير ابامور مقابل ،تركيا مصر ودول الخليج نصل الى =الشيعه مقابل =السنه ،على ما يبدوا ان الخرائط باتت حاضرة روسيا حليف ايران بالمتطقة مقابل امريكا حليف المحور السني ،

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left