العرض المسرحي المغربي «هذه قصة أخرى»: شخوص تعكس حكايات مجتمع بكامله

في إطار السلسلة الدولية للعروض الزائرة في مدينة هانوفر

ادريس الجاي

Apr 21, 2018

في إطار «السلسلة الدولية للعروض الزائرة» التي ينظمها القسم المسرحي للمركز الثقافي لمدينة هانوفر «بافيلون» والتي يشرف عليها المسرحي المغربي عبد الفتاح الديوري، تم الجمعة الماضية عرض العمل المسرحي المغربي «هذه قصة أخرى» لجمعية «اننا نمثل الفنون».
عمل يقوم على سرديات أربعة أشخاص يوحد بينهم المكان وبرهة من الزمن، حكايات ذات سمات ذاتية في ظاهرها، لكنها في العمق ترمي ظلالا على التحولات التي يشهدها المشهد الاجتماعي المغربي المتوزع بين ما هو كائن وله حضور قوي وما هو متطلع إليه.
أحداث تجري خلف أبواب مقفلة، داخل قاعة السينما، بعيدا عن مفهوم دورها المعتاد ودور المشاهد المألوف الذي يمثل في غالب الأحيان المستهلك للحكايات وأحداثها. إن دور القاعة السينمائية هنا يتخطى مجال فسحة الخيال والتصورات التي يكون المشاهد فيها متأثرا بالوقائع الجاهزة، ليصبح ليس هو الطرف المستهلك لما هو يبث أمامه على الشاشة وخارج حيز التأثير في الحدث، بل المشاهد هنا يتحول إلى فاعل في المشهد، وإلى جزء من الحدث العام للقاعة، ويصبح الفيلم الذي هو سبب لقاء هذه الشخصيات الأربع ثانويا إلى حد الغياب. فقاعة العرض تتحول هنا إلى فضاء للتطلعات والمعاناة الخاصة والعامة في علاقة مباشرة بما يدور داخل المجتمع.
في عمل «هذه قصة أخرى» يصبح الفضاء السينمائي مرآة تعكس غياهب الصراع الذاتي الداخلي والموضوعي للأشخاص في المجتمع، الذي يعيش فيه الفرد حالة انفصام بين الواقع العاتي وبين المثالية السيكولوجية والدينية. في هذا المناخ المشحون بالترقب، والانفجار الداخلي حيال القيود والخطوط الحمراء، التي يضعها قانون المُثل والأعراف، تنتقل الشخصيات الأربع، عادل أبو التراب، وهاجر الشركي، وفريدة بوعزاوي وأمين ناسور، بين الضوء والظل، مجسدة مشاهد من الانفعالات القصوى تجاه الحدث، تارة بنوع من الكوميديا السوداء وأخرى بسوريالية فاضحة. ففي الوقت الذي يتحول ظلام القاعة إلى فعل معبر عن تلك الانفعالات والتطلعات الممتنعة، يصبح الضوء كاتما لهموم ذاتية ولا يفشي مما يقال إلا اليسير، بل يصبح سدا مانعا لتلك العلاقات الإنسانية الفطرية المسيجة بمحرمات اجتماعية ذات أغلال في غياهب اللاشعور. فهناك الرجل المتدين، الذي يعيش في وهم فعل الخيرات غير أنه يكتشف بعد ردح من الزمن ان فعله هذا ليس دافعه الورع والتقوى بل حب عميق مستتر لامرأة حركت فيه أحاسيس دفينة وقوية، كانت دافعه الأساسي إلى قاعة السينما متعقبا أثرها، تلك المرأة، التي غيرت كل قناعاته المزيفة حيال الحب والحياة. وهناك المرأة، التي سبق وقبلها رجل ما في ظلام قاعة السينما، ومنذ ذلك الوقت وهي تتردد على هذا الفضاء على أمل اللقاء به من جديد، وبأمنية مواصلة ذلك الشعور المتميز في ستار الظلام. وهناك المرأة التي من جراء دونية النظرة المجتمعية إليها، تلجأ إلى مشاهدة أفلام هروبا من واقع يلاحقها كقدرها الملازم. وهناك الشخص المتوزع بين أنانيته ومفارقات الواقع، التي تجعله متسلطا لا يرى الانفلات من هذا الواقع إلا عبر الصراع مع الآخرين والهروب إلى استعراض العضلات. فهذه الشخوص تفتح أمامنا كوة نلاقي من خلالها أنفسنا أمام حكاياتهم الذاتية خارج فضاء القاعة وداخلها مسيجين بالكثير من التساؤلات حول المجتمع الجديد ودور الإنسان فيه، المجتمع المتحرك بعلاقات حب وكره في انتظار شيء ما يعلم الجميع انه لن يحدث، لكن ذلك الأمل المشفوع بالخيالات يجعل المعاناة متعة. انها شخوص تعكس حكايات مجتمع بكامله. فمن خلال ذلك الفاصل بمفارقاته بين هويات وسمات الشخوص النفسية والاجتماعية، جعلت سارة الرغاي في سينوغرافيتها دوائر تسيج هذه الشخوص بهالة من الضوء، لتصبح اشارات توضيحية لتلك الشخصيات وهوياتها المتباينة والمتميزة عن غيرها. إنها تتحرك تارة كظلال لا علاقة لها بالواقع وأخرى كجزء انفصل عن أحداث فيلم يمثل غطاء خارجيا للقاء هذه الشخوص الأربعة. انها تقدمهم للمشاهد ظلالا خيالية الحضور، شخوصا هلامية ضائعة في متاهات توالي الأحداث.
فالضوء يقوم بدور خلق المسافة بين الشخصيات والحدث ويعطي لكل منها فضاءه المحدد، فتنتقل بين ظلام القاعة السينماية (الخشبة) وضوء تطلعات الحلم وخيبة الواقع.
ويقول مخرج العمل محمود الشاهدي، في نهاية العرض:
«نضع الممثل في واجهة الحدث، فالممثلون لدينا هم الروافد، التي عليها تقوم كل أعمالنا خلال سيرتنا التي تمتد إلى 12 سنة».

البساطة قوة الفعل

لقد جسد هذه القناعة بدور الممثل الأساسي والتقريري في عمل جمعية نحن نمثل للفنون، ذلك الترابط في وحدة أداء نص انبثق عن عدة ورشات عمل للجمعية وارتجالات، حيث تجمع فيه الكثير من التجارب الذاتية والمشاهدات العينية للممثلين طالعة من مجريات أحداث يومية يعيشها المجتمع، فصهرها مؤلفو النص الثلاثة إيمان الرغاي، واحمد السبياع ومحمود الشاهدي في قالب تجريبي ينسجم والطرح الأدبي التصوري للمجموعة المسرحية. فالممثل هنا يحاول من خلال أدائه مقاربة مفهوم الاطروحة المسرحية للألماني بارتولد بريشت، حيث يرى أن مهمة الممثل لا تكمن في تقمصه دور الشخصية حتى الذوبان، بل تقديم هذه الشخصية فوق كفه، لتصبع واضحة الهدف للمشاهد المشارك في الفعل المسرحي وحتى يمكنه ان يحقق تباعدا بينه وبين الشخصية المقدمة وبذلك يمكن للمشاهد خلق مسافة تباعد بينه وبين الشخصية ومجريات الأحداث.
لقد ملأت مساحة مسرحية «هذه قصة أخرى» عدة أصوات، تتكامل وتتجانس فيما بينها، كأصوات وتموجات الموسيقى الحية التي اداها كل من ياسر الترجماني وأسامة بورواين، فالموسيقى كجزء من مقومات العمل المسرحي كان لها وقع حضور التكامل مع توجه هذا العمل. فالموسقى لم تقم هنا بدور تكميلي للحدث بقدر ما كانت تمثل مشاهد مستقلة بذاتها وفاعلة في مسار الحدث الدرامي. لقد انطلق المخرج محمود الشاهدي في رؤييه الاخراجية الفنية في هذا العمل من مبدأ البساطة واختزال مقومات بناء المشهد المسرحي التي طبعت مجموع مكونات العمل، فجعلنا أمام مسرحية لا تحتوي في تأثيث فضاءها العام إلا على ثلاثة كراسي لا غير. فهذه الكراسي السينمائية تحمل في دلالاتها أكثر من وظيفة، انها علامة المكان، كشافات انارة ومثابة الحوارات والصراعات الدائرة في فضاء المشهد الفني. فهذا الاختزال في القناعة الفنية المسرحية يحيلنا مرة أخرى على المبدأ المحوري للممثل وعلى قناعات المجموعة في امكانية تحدي الظرف والعمل بأبسط الإمكانيات. هذه القناعة التي عبر عنها الممثل ابو التراب أثناء اللقاء مع الجمهور بكلمة: «من هنا نريد ان نؤكد ان المسرح يمكن القيام به بأدوات بسيطة».

العرض المسرحي المغربي «هذه قصة أخرى»: شخوص تعكس حكايات مجتمع بكامله
في إطار السلسلة الدولية للعروض الزائرة في مدينة هانوفر
ادريس الجاي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left