«شمس بيضاء باردة» رواية الأردنية كفى الزعبي: سلطتان قمعيتان ومعركة وجودية ضارية

يمنى العيد

Apr 21, 2018

منذ البداية يخبرنا الراوي، «في شمس بيضاء باردة»، عن وقوعه في مأزق. سوف يشكّل هذا المأزق، وعلى مدى الرواية، منطق السرد ومبرّره. يقوم هذا المأزق، كما سنرى، بين رغبة الراوي، بل هدفه، في أن يكون مختلفاً عن أهله ومحيطه، وبين ردّ الحياة الفوري الذي نسف، كما يقول، «كلَّ أوهامي حين منحتْ عائشة سرَّ اللحن كي تغنّي مطلعه»(ص 18).
فما الذي عناه الراوي/ الرواية بالاختلاف عن أهله ومحيطه، ولماذا لا يستطيع، كما يقول، أن يكون «مثلهم» (ص 10)، وهل استطاع أن يترجّل «من قطار حياة الجميع العاديّة» (ص 16)، وكيف نسفت الحياة كلّ أوهامه، وما هو اللّحن الذي منحتْ الحياةُ سرَّه لعائشة كي تغنّي مطلعه؟
يحتلّ الأبُ مكانةً بارزة بين الجمْع الذي يرفضه الراوي، إذ يمثّل صورة المتسلّط الجاهل، الذي يكره الكتب ويعتقد أنّها هي التي جعلتْ من ابنه «ملحداً وزنديقاً وفاشلاً» يعاقر الخمرة (ص 10). الكتب التي يشتريها الراوي ويدمن على قراءتها ويعتبرها، وبما هي ثقافة، سبيلَه، بل السبيل، إلى اليقظة «من هذه الغفوة»، والخروج من قطار الحياة العاديّة المستمرة «في الكسل» (ص 13).
أما عائشة، البنت الساذجة واليتيمة والتي قادها يتمُها وقرابةٌ لأمّها مع أهل الراوي وطمعُ أبيه بإرثها وذهبُ حليّها، إلى الإقامة في بيتهم، فقد تورّط، هذا الراوي، معها في علاقة جنسيّة كانت بمثابة لعنة أرّقت ضميره، ولاحقتْه على مدى ما رواه لنا من سنيِّ عمره. كانت عائشة تأتيه في الليل لتمارس الجنس معه، وكان ذلك بداية اكتشافه متعةَ الجنس فيضعف، ويعجز عن ردعها حتى حملتْ منه، وكان الحلُّ الذي أمر به والده هو إسقاط الجنين ما أدّى إلى موت عائشة. ماتت عائشة التي عزفتْ له اللّحن الأوّل للجنس وغنَّت له مطلعه. وهو، لم يكن يحبُّ عائشة، لكنَّ موتها الذي كان بسببه، بل بسبب تخلّيه عنها وعن الجنين الذي حملته منه، بقي يؤرّق ضميره، ويدعوه إلى مزيد من الكراهيّة لأبيه، بل وإلى الرغبة في قتله: «سأقتله… سأحيا فقط كي أقتلهّ» (ص 290).
هكذا، تبني الكاتبة عالم روايتها على ركيزتيْن أساسيّتيْن:
- العائلة المحكومة بسلطة الأب القمعيّة ومجتمع المدينة وما يسوده من ظلم.
- الجنس، أو شهوة الجسد التي هي غير الحب، الحب بصفته معادلاً للحياة.
تبنيه متيناً، متّسقاً، تاركةً إياه للراوي الذي تمنحه كلَّ إمكانيّات السرد المستقل. فالكاتبة لا تكتفي، شأن كثيرين، بالاختباء خلف الراوي، بل تغيب لتدعْه يحكي بصفته شخصيّة مزوَّدة بكلّ إمكانيّات السرد وفنونه اللغويّة والأسلوبيةّ. فـ«راعي» هو، في «شمس بيضاء باردة»، أكثر من راو، أكثر من فرد، وأكثر من أنا. هو شخصيّة يتمثّل فيها إنسانُ واقعنا، أو إنسان الواقع الذي يعيش فيه. هو أكثر من صوت، إنّه صوت أفراد وفئات اجتماعيّة متعدّدة ومتنوّعة، يبرز بينها صوتُ الفقدان: فقدان الذات لذاتها، أي لشرط الحياة كي تعيش، هذه الذات، عمرَها، أو سويّةَ عمرها. إنّه صوت المدينة الصاخب، والريف الكسول، والناشئة الباحثة عن مصيرها، والعاهرة التي تطعم صغارها ببيع جسدها.
بارعة كفى الزعبي في عمليّة بناء روايتها، في إيهامنا بحقيقة شخصيّة الراوي/ راعي المتخيّلة، بصدق مشاعره الثريّة، الملتبسة، المتناقضة، العدميّة، والمحيلة، بكل هذا، على واقع اجتماعي معيش تخلّى فيه القادرون عن الضعفاء، والأثرياءُ عن الفقراء، والأولياءُ عمَّن هم برعايتهم. تلعب الكاتبة، فنيّاً، على تقنيّة الالتباس، لتعبّر عن عمق المشاعر الإنسانيّة، عن هذا التناقض والتداخل بين الـ أنا والآخر. يتمثّل ذلك بشكل خاصّ بعلاقة الراوي بزوجة صديقه أحمد التي يقع في غرامها دون أن يعرف أنها زوجته إلا بعد انتحار أحمد. هكذا يقول: «أنا المحطَّم، الحزين، المهمَّش، الفقير، اليائس، الذي يحدّق في العدم، ولا شيء يلوح في أفقه ويمنحه أملاً بالنجاة غيرها»، أي غير زوجة أحمد التي يشكِّل حبُّه لها معادلاً للحياة قد ينجيه من عذابات إثمه مع عائشة، ويشفيه، كما يقول، «من مرارة الحقيقة، تلك التي لها في ذاكرتي وجهٌ وحيد: وجه عائشة» (ص 196).
لكن حبّ المرأة التي اكتشف أنّها زوجة صديقه أحمد، يرميه مجدّداً في عذاباته. إذ كيف يحبّ زوجة صديقٍ عجز عن مساعدته حتى لكأنّ عدم مساعدته، والحؤول دون انتحاره، هو إثم يُحمِّله مسؤوليةَ موته؟ يلوح له وجهُ الخيانة، خيانته لأحمد. كأنَّ قبولَه بحبِّه لزوجته هو قبولٌ بخيانته. بل بخيانة كلّ مشاعر الفقدان التي هزّته وعبّر عنها، بل كلّ القرابين التي قدَّمها للسماء طلباً للغفران لعجزه عنْ مساعدة أحمد كيْ لا ينتحر. تحيلنا هذه القرابين على ملحمة جلجامش، ويقدّمها الراوي/ الكاتبة في نصٍّ بالغ الجمال والتعبير المؤثّر. يقول الراوي مخاطباً أحمد: «ها هو صوتي يندبك، وهو يتيه مع الرياح بحثاً عنك… وها أنا أسمع صوت بكائي يلفّ في هذا الظلام، يعصف كالريح، وأسمع من بعيد صداه يرجع من الهضاب والقرى الأخرى مُضَمَّخاً بالدماء. من الذي اغتالك يا صديقي؟» (244).
إنَّ انتحار أحمد بسبب فقره هو، من منظور الرواية، اغتيال. وذلك لأنَّ المجتمع لم يوفّر لأحمد شرطَ الحياة، ولم يساعده الأهلُ والأصدقاء، وبينهم مازن الثري، وراعي (الراوي) المعدم، فينتحر. ينتحر أحمد، ويعاني الراوي مأزقاً مزدوجاً: فهو مثل أحمد، في وضعيّته الاجتماعيّة ذاتها، جائع ومحتاج. يقول: «أنا أحمد آخر…بل أنا أحمد ذاته» (ص 284). وهو مثل أحمد يعشق امرأة، ويكتشف أنّها هي ذاتها التي عشقها أحمد، زوجته التي عجز عن تأمين بيت يعيشان فيه مع ولديهما، فانتحر. لقد انتحر أحمد من أجلها. هكذا يتساءل الراوي: لماذا لا ينتحر هو، وكيف يمكنه أن يقبل بالزواج من المرأة التي انتحر أحمد لأجلها! ينتحر أحمد ويتزوج هو امرأته! «كما لو أنَّه يطيب لي أنّه انتحر» (ص 383).
يعاني الراوي مسألة انتحار أحمد بما هي مسألة حياة وموت. حياةٌ تجد معادلها، حسب الرواية، في الحبّ الذي لا يتوفّر له شرط الحياة، وفي موتٍ يتحمّل مسؤوليّتَه الواقعُ الاجتماعي. هكذا كان أحمد يوقظ، أحيانا، صديقه الراوي قائلاً: «كيف لك أن تنام ودمي يحيط بك؟» (ص 244). وهكذا يقول لنا الراوي:» أذهَبُ إلى العمل حيث لم يفيقوا بعد من دويّ الانتحار الذي هزَّ المدينة… ويبعثون يوميّاً بأحمد إلى الجحيم» (ص 244). انتحر أحمد، لكنَّ المرأة التي انتحر أحمد لأجلها، تقول: لقد مات أحمد، وتستغرب موقف الراوي الذي يعشقها، لكنه يعاني فكرة قبول هذا الحب وعيشه معها. ويعود السؤال: ما سبب انتحار أحمد؟ هل انتحر بسبب زوجته التي تركته ليعيش وحيداً يعاني بُعدَه عنها وعن ولديه. أم أنَّه انتحر «انتقاماً من هذا العالم وهذا الكون»؟ (ص 284)، العالم الذي لم يوفر له شرط الحياة، والكون الذي ضاق عن توفير سكن يعيش فيه مع عائلته.
يتضاعف المعنى المتواري خلف العشق والموت ويلتبس. يؤدي الالتباس وظيفة دلاليّة/ فنيّة تتمثّل أهميّتُها في تعميق الدلالة/ الدلالات، في التنويع على مشاعر الفقدان وفي إظهار عمقها وصدقها، كما تتمثّل في هذا التداخل بين الواقعي والمتخيّل، بين الـ أنا والـ هو، مضمرةً بذلك موقفاً ثقافيّاً نقديّاً مرشّحاً لأنْ يترك أثره المعرفيّ في القراءة والقارئ، وبالتالي في النظر إلى واقعنا الذي نعيش. يشعر الراوي بهذا التداخلٌ، وتلتبس عليه الحقيقة، حين يجد أنَّ الندبة التي كان قد رآها على وجه الشاب اللصّ، كانت «على وجهي، وأن عيْنيْه كانتا عينيّ أنا، وأنَّ وجهه النحيل كان وجهي أنا! أنا المجرم الوضيع، والشقيّ» (ص 294). كذلك، يشعر بهذا التداخل، حين يعجز عن التمييز بين وجه زوجة أحمد ووجه عائشة، يقول: «ولم أعرف، وأنا أحدِّقُ فيها، إن كانت عائشة أم أنتِ؟ بدا لي أنَّ الوجه هو ذاته. وجهك هو ذاته وجه عائشة» (ص 295). تلتبس الأمور داخل وعي هذا الراوي/ راعي، ليغمره من ثمّ «ظلام سحيق».
ليس الراوي مجرّد راو، بل هو منظورٌ ثقافي للرواية وموقعٌ فكريٌّ للكاتبة. ويبرز السؤال، سؤالنا: ما أهميّة هذا الثقافي الذي أضاء، في هذه الرواية، شبكة من العلاقات الاجتماعيّة تخصُّ أكثر من فئة اجتماعيّة ويعاني بعضُ أفرادها العوز والجوع والتشرّد والإعاقة، وأشار، ضمناً، إلى واقع معيش لا عدالة فيه؟
في الفصل الأخير من الرواية، أي مع اقتراب الحكاية من نهايتها، يصل الراوي إلى ذروة تناقضاته. فهو يحب الحياة ولكنه يدرك بأنّ «الحياة محنة»، وهو يريد أن يعيش مع المرأة التي يحب (زوجة أحمد)، لكنّه لا يستطيع أن يمحو أحمد من ذاكرته. يحدّق هذا الراوي في العدم، يسأل نفسه: «لماذا لا أزال صامداً؟ لم لا أنتحر؟» (ص 286).
يجوع، يضعف، ينال منه اليأس، يرى اللّهب يتصاعد من كتبه التي تحترق. يحرقها أبوه بعد أن عجز عن إيجاد مكان يخبّئها فيه، فيضطرّ إلى إعادتها إلى بيت أهله. يجوع، يتوه في شوارع المدينة، يلوذ بصديقته صاحبة الخمارة، يتعاطف مع المتسولين، يتقاسم معهم الجوع، يأوي إلى غرفة بلا نافذة، غرفته التي يعاني في عتمتها من كوابيس الليل وظلمته، من كابوس جثة العجوز الذي كان يسكن هذه الغرفة قبل أن يموت فيها. يجوع، وينتهي شبه مستسلم للدوّامة التي يعيش فيها، دوّامة الحبّ المستحيل، الحبّ الذي يعادل الحياة. الحياة المشتهاة. الحياة التي تأخذه «إلى قلب دواّمة، كأنَّ الساطور هوى على رأسي، فتهاويت» (ص 295). يتهاوى هذا العاشق، ويدعْ أنكيدو يسير أمامه فهو «يعرف الطريق وقد سلكه». وكذلك، «كان أحمد سلك الطريق ويعرفه. كان أحمد انتحر» (ص 286). يتهاوى، راعي، بطل هذه الرواية ولا ينتحر، يفكّر في الانتحار ولا ينتحر، بل يهمس في أذن العجوز: «لقد كنتُ أنا من سرق زهرة الخلود، وليس الأفعى!». سرقها وأكلها. وحين قال له العجوز: «أنت خالد إذن؟» أجاب مؤكداً: «أجل، أجل! لم أخبر أحداً بهذه الحقيقة» (ص 316).
يؤكد الراوي خلوده، ثم يضحك من فرط فرحه وسعادته (ص 316). يضحك ويقول: «أنا جائع». جائعٌ، مسكون بحبٍ يعادل الحياة، حب لا يجد شرط تحقّقه، وإن أشارت إلى ولادته الفراشات الصغيرة التي امتلأتْ بها غرفته. جائع، محمول بعشقه إلى خارج زمنه، إلى زمن بابل، إلى زمن الملاحم والأساطير. لكنْ، ليجد نفسه محاصراً، مقبوضاً عليه… وحين يُسأل عن اسمه، يجيب بسخريّة: «كاتب عظيم وخالد، وأنّ اسمي سيحظى بقدسيّة حتى أبد الدهر، وأنَّ كتابي يختمر الآن في المرحاض».
سلطتان قمعيّتان هما، في رواية كفى الزعبي، سببُ ما تعانيه الفئة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها راعي: سلطة الأب الذكوري، الجاهل، الأناني، الطامع في مال غيره، والمتمثل في أبيه. وسلطة القيّمين على حكم البلد الذين لا تسمّيهم الرواية، بل تكتفي بإظهارهم أصحاب صلاحيّة بالقبض على الراوي، وقيادته خارج غرفته، بصفته معتوهاً. مجرّد معتوه هذا المواطن الجائع المرمي وحيداً عاجزاً في غرفة بلا نافذة. لا تعفي الرواية هذا الراوي من مسؤوليّته، إلا إنّ معناها العميق قائمٌ على أسباب جذريّة تتجاوزه ويعجز هو، بصفته فرداً، عن التغلّب عليها، فماذا يمكنه أن يفعل، مثلاً، كمعلم في مدرسة تلاميذُها «لا يؤرّقهم همُّ المعرفة. تلك المدرسة التي يستحيل على المرء أن يعلو صوته فيها بسبب الهدير المتواصل لدبيب خطى الماضي، وضجّة الأوهام» (ص 214).
ويبرز السؤال، سؤال القراءة: ألهذه الإضاءة الثريّة التي قدَّمتها الرواية عن المعركة الوجوديّة العميقة الضّارية التي يخوضها الإنسان بصمت وعذاب، مُنعت «شمس بيضاء باردة» في الأردن؟ أم لأنَّ راويها عدمي، يعاقر الخمرة ناسيا أنّه يعيش في بلدٍ لا يملك شرط الحياة فيه، ولا يسمح له بحريّة الفكر والعيش؟

كفى الزعبي: «شمس بيضاء باردة»
دار الآداب، بيروت 2018
318 صفحة.

«شمس بيضاء باردة» رواية الأردنية كفى الزعبي: سلطتان قمعيتان ومعركة وجودية ضارية

يمنى العيد

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left