كارل نيلسن والتوق إلى شمس المشرق: المؤلف الدنماركي جدد في الأشكال الموسيقية وعشق موسيقى العرب

بشار عبد الواحد لؤلؤة

Apr 21, 2018

قد يستغرب جل العرب، بل ولربما يظنونها طُرفة، إذا ما قيل لهم إن ثمة مؤلفاً دنماركياً اسمه كارل نيلسن (1865-1931) أُغرم بثقافتهم وبموسيقاهم دون أن تطأ قدماه يوماً أراضيهم. وقد يُرجع البعض ذلك إلى تعطش أهل شمال أوروبا عموماً إلى الشمس التي يحرمهم من أشعتها موقعهم الجغرافي وطبيعة مناخهم لما لا يقل عن ستة أشهر من السنة. ولكن ها هو كلود ديبوسي (1862ـ1918) أحد أهم المؤلفين الفرنسيين ـ الذي يحظى هذه السنة باهتمام خاص بوصفها الذكرى المئوية على رحيله ـ يتوق إلى شمس أبعد بكثير من شمس المشرق العربي، ألا وهي شمس جزيرة جاوة في إندونيسيا، رغم أن فرنسا ليست من دول الشمال! وكانت فرقة موسيقية صغيرة من عازفي الجاملان من جاوة قد مثلت منشأها في المعرض العالمي في باريس في عام 1889 الذي شهد افتتاح برج إيفل، ثم جاءت فرقة أكبر وأكثر تكاملاً من جاوة إلى باريس كي تعزف في المعرض الدولي عام 1900 واستمع ديبوسي بدقة متناهية إلى تلك الحفلتين. فكان أن تركت السلالم الموسيقية الخاصة بجزيرة جاوة أثرها بوضوح في الحركة الأولى من متتاليته «نقوش» (1903) التي أسماها «معابد» مثلاً، وقصد فيها المعابد البوذية. إذاً فاستلهام مصادر موسيقية أجنبية ونائية عن البلد الأصلي للمؤلف ليس حكراً على أهل الشمال، بل أن المؤلف في أواخر القرن التاسع عشر يبادر في تحين الفرص لاستكشاف سلالم وألحان وإيقاعات وآلات موسيقية مستوردة يُغني بها موسيقاه التي أخذت تبدو له وكأنها قد بلغت مداراً مغلقاً. وغنيٌ عن القول هنا أن ديبوسي هو الآخر لم يبحر يوماً صوب آسيا، ناهيك عن جاوة. ولم الإبحار، طالما أن عازفي جاوة يزورون عاصمته؟
وجد نيلسن المجال المناسب لاستعراض عشقه لكل ما هو عربي وشرقي في حكاية خيالية للمسرح من نظم شاعر الدنمارك الذي أدخل الرومانسية على شعر بلده، آدم أولنشليجر (1779-1850)، وهي «علاء الدين» (1805). وتقع موسيقى نيلسن التي ترافق وتتخلل مشاهد الحكاية في ثمانين دقيقة ملؤها الألوان الأوركسترالية البراقة الزاهية الفاقعة والإيقاعات الصاخبة الغامرة التي لطالما رقصت أعضاء الجمهور في مقاعدهم! وقدم نيلسن الحكاية في حلتها الجديدة في المسرح الدنماركي الملكي في كوبنهاغن عام 1919، ثم عاد فاقتطع منها سبع رقصات في متتالية للأوركسترا وحسب تدوم أقل من نصف ساعة وهي: مارش شرقي احتفالي، حلم علاء الدين ورقصة سُحُب الصباح، رقصة هندوسية، رقصة صينية، سوق أصفهان، رقصة السجناء، رقصة الزنوج.
يقول نيكولاي ريمسكي كورساكوف (1844-1908) في تعقيبه على أشهر مؤلفاته، متتالية «شهرزاد» (1888)، «إن رغبتي تقتصر على أن يتكون لدى المستمع إذا ما لقيت لديه قطعتي إعجابه بوصفها موسيقى سمفونية، انطباع عن أنها سرد شرقي لسلسلة عجائب خرافية متنوعة وعديدة، لا عن أنها أربع حركات تُعزف الواحدة بعد الأخرى وكان قد تم تأليفها بناءً على موضوعات موسيقية مشتركة في مجمل الحركات الأربع». أي أن ريمسكي كورساكوف كان مهتماً بالشكل الأكبر للقطعة أكثر بكثير من مادتها أو مصادر إلهامها، رغم أنه يلتف على الموضوع فيعدد ما يتمنى أن يبقيه المستمع نصب عينيه من مقومات تأليفه ثم يدعي العكس. وبالفعل، تبدو لي قطعته هذه، رغم شرقيتها، قد خضعت لتنقيح وتحوير عميقين لم يُبقيا من الشرق إلا ظله. أما إذا استمع المرء إلى نيلسن في «علاء الدين» فسيجد الشرق حاضراً بكثافة تكاد توصل أريج القهوة بالهيل إلى أنفه! فمن استعمال آلات الإيقاع، التي تعامل معها على قدم المساواة مع الوتريات والخشبيات والنحاسيات، من طبول وصنوج ومثلثات متنوعة، إلى إدخال مقام الكرد، إلى جعل البيكولو يبدو وكأنه قد تحول إلى ناي، إلى الطلب من عدة مجاميع داخل الفرقة أن تعزف ألحاناً شتى وفي أوزان شتى رُكبن فوق بعضهن في استعارة واضحة للتحميل، وهلم جرا.
لقد اشتهر عن نيلسن قوله: «أعطنا شيئاً آخر، شيئاً جديداً. بحق السماء، أعطنا شيئاً رديئاً ما دمنا نشعر أننا على قيد الحياة وفي وسعنا أن نقدم شيئاً إزاءه بإيجابية، لا أن نكون مستهلكين كسولين للتراث وحسب». فماذا تفتق عنه ذهنه يا تُرى؟ في قالب السوناتة العتيد الذي توارثه المؤلفون منذ أيام هايدن (1732-1809) ومن قبله، يتوقع المستمع أن يعود المؤلف إلى المقام الذي ابتدأ فيه المؤلف. فثمة الاستعراض للموضوعتين، وقد يسبقه مقدمة ما، ثم التطوير أو التحميض، حيث تتعرض الموضوعتان إلى التفتيت والتطويل والتسفير من مقام إلى مقام، ثم العودة إلى استعراض الموضوعتين ولكن في الدرجة الأولى من المقام نفسه (بعد أن كانت الموضوعة الأولى في الدرجة الأولى والموضوعة الثانية في الدرجة الخامسة في الاستعراض الأول)، وقد يلي كل ذلك خاتمة ما. أما نيلسن فرأى أن حركة السوناتة هذه قد تبتدئ في مقام ما، لكنها ليست مرغمة على العودة إليه مطلقاً، فهي قد غادرت تلك الديار إلى غير رجعة، في نظره. وكان ذلك تجديداً جذرياً في الموسيقى إذ لم يعد بالإمكان الإشارة إلى سمفونية أو سوناتة ما من أعماله على أنها في مقام ما، فهو ينتهي في مقام بعيد كل البعد عن المقام الذي ابتدأ فيه. ومن المستحيل أن يقدر المرء عدد المؤلفين الذين أرادوا أن يقدموا على خطوة ثورية كهذه ثم أحجموا عنها، أما نيلسن فلم يتردد ولا لوهلة، ثم استمر على هذا المنوال طوال عمره، فكتب ست سمفونيات، وثلاثة كونتشيرتوات: للكمان وللفلوت وللكلارنيت، وعملين كبيرين في الأوبرا: «طالوت وداوود» و«حفلة تنكرية» إضافة إلى العديد من القطع التي ترافق المسرحيات. ثم كتب أيضاً أربع وتريات وخماسياً وترياً والعديد من القطع الأخرى لموسيقى الصالة وجوقة الغناء.
ولكن حتى في كتابة الكونتشيرتو وجد نيلسن ما يجدد فيه، ففي كونتشيرتو الفلوت (1926-1927) نجد أن العازف المنفرد – بعد استعراض الموضوعتين بمصاحبة معظم آلات الأوركسترا وبعد الدخول في حوارات وقورة مع بعض آلات النفخ – لم يعد نجم الحفل البتة، بل أخذت هذه الآلة وتلك تزاحمه، ثم كان أن قاطعه عدد من الآلات، أقواها الترومبون الباصو بمرافقة عازف طبول التمباني، فيذهب ليستميل هذه الفئة من العازفين ثم تلك بغية رد الاعتبار لنفسه، لكن الترومبون يأبى أن يترك له الساحة، يدعمه في ذلك باقي العازفين، فيعود الفلوت وقد حز في نفسه الأسى، ويختتم الحركة الأولى وقد انزوى وحده، لا يواسيه في حزنه أحد.
لم يشأ نيلسن أن يتبع الصيغة المتوارثة، أي ثلاث حركات: سريع، بطيء، سريع، بل دمج الحركتين الأخيرتين في حركة واحدة تتراوح بين السرعتين حتى تستقر على سرعة المارش. ويقول نيلسن في وصفه للحركة الثانية: «ثمة شيء من الوقاحة تطلقها الأوركسترا، لكن سرعان ما تهدأ الأجواء من جديد، وحين يدخل عازف الفلوت نجده يعزف ببراءة الأطفال». ويبدو أن نجم الحفل قد استعاد مكانته بفضل عزفه العذب وتمسكه بروح الحوار، بيد أن الترومبون الباصو ليس مقتنعاً تماماً بما يجري، فيتهكم على ما يسمعه بانزلاقات تزداد طولاً ثم لا تلبث إلا أن تتلاشى حدتها عند التكرار ومع مرور الوقت فتبدو وكأنها قد غرقت في الجو العام. وتنتهي الحركة في تناغم نقي.
نيلسن يحول الكونتشيرتو إلى دراسة في علاقة الفرد بالمجتمع، بكل ما فيها من تشنجات وتحديات وغيرة وحسد واحتمالات النجاح أو الإخفاق، فينتج في أقل من ثلث ساعة دراما موسيقية متكاملة لا تشوبها الكلمات.

كارل نيلسن والتوق إلى شمس المشرق: المؤلف الدنماركي جدد في الأشكال الموسيقية وعشق موسيقى العرب

بشار عبد الواحد لؤلؤة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left