جدلية الإبداع والمنفى: إدوارد سعيد أنموذجا

عبد الصمد خديري

Apr 21, 2018

إن تمثل العامة منا حول مفهوم الحداثة، مرتبط أساسا بما حققته البشرية من تطور تكنولوجي، وما توصلت إليه الإنسانية من تحسين للظروف الحياتية وتطوير أساليبها المختلفة، فحري بنا أن نقول إن العصر الراهن الذي نعيشه الآن؛ يعتبر عصر حداثة بامتياز، إن التأريخ لمرحلة ظهور مفهوم الحداثة يمكن إرجاؤها إلى أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، حيث تمظهرت البوادر الأولى لهذا المفهوم، في ظل مجموعة من التغيرات.
فهنالك بعض من المفكرين من يرجعون ظهور هذا المفهوم إلى الفترة التي تم فيها اختراع الطابعة المتحركة من قبل يوهان غوتنبرغ سنة 1447، والبعض الآخر يرى أن هذا المفهوم بدأ بتزامن مع الثورة اللوثرية ضد السلطة، التي كانت تفرضها الكنيسة. غير أن المفهوم لا ينأى بعيدا عن هذا التحديد، إذ حددت أغلب الدراسات التي أحاطته بالاهتمام، إن ظهوره في المشرق ارتبط بدخول نابوليون بونابرت إلى مصر سنة 1798.
لقد أحدثت الثورة الحداثية خلخلة في مختلف الأصعدة، الاقتصادية منها والاجتماعية إضافة إلى الثقافية. ولنروم التحديد ونعطي المشروعية للدراسة أن تستبان، سنركز على الجانب الثقافي، وما له من تداعيات على القراء والمبدعين بشكل خاص. لا مناص للناقد في دراسته النقدية للعمل الأدبي، أن يكون له من بين الضروريات التي ينتهجها، التقيد بمنهج دقيق وواضح المعالم، يتخذ منه طريقا في سبيل الكشف عن المكنونات التي تتمازج مع العمل الأدبي، والتي تسهم بشكل بالغ الأهمية في إعطائه رونقه الجمالي. فاستخراج مكنوناته وسياقاته سواء التاريخية أو غيرها وإيضاحها للعيان، يبين عن عمق آليات هذا المنهج من جهة، وعن أهمية وطريقة عملها في سبر أغوار العمل الأدبي من جهة ثانية.
لا ريب في أن جل المناهج النقدية القديمة عملت على إخضاع العمل الإبداعي – الأدبي – للدراسة والتحليل تبعا لمنطلقاتها، أو بالأحرى آلياتها الخاصة، فبقيت رهينة هذه الآليات، ما مهد معه لسقوطها كونها بقيت متقوقعة على ذاتها، ولم تستق لنفسها آليات جديدة من مناهج أخرى. وبالتالي ابتعدت لتترك المكان لمناهج أخرى لتحل مكانها، فتنأى بنفسها بعيدا، متخذة بذلك مكانا في أدراج التاريخ.
إن جملة المناهج النقدية التي تعاقبت على دراسة العمل الأدبي، أهملت إلى حد كبير قضية التجسير بينها، فحاولت جاهدة مقاربة وتحليل العمل الإبداعي من منطلقاتها الخاصة، بدون أن تستند في هذه المقاربة إلى إفادة نفسها بخصائص المناهج السابقة، لتكون أكثر فعالية ومصداقية في الممارسة النقدية، ففي حديثنا عن منظومة المناهج الحداثية، كما سماها صلاح فضل في كتابه «مناهج النقد المعاصر»، نجد أن كل من المنهج التاريخي، الاجتماعي والنفسي، مناهج حداثية ظهرت في سياقات متعددة ومختلفة عن بعضها بعضا. فالمنهج التاريخي «يعتبر أول المناهج النقدية في العصر الحديث، لأنه يرتبط بالتطور الأساسي للفكر الإنساني، وانتقاله من مرحلة العصور الوسطى إلى العصر الحديث». لقد تبلور هذا المنهج على يد مجموعة من الرواد، نجد من بينهم هيبوليت تين، ذلك الفيلسوف والناقد والمؤرخ الفرنسي الذي يَستند في دراسته للنصوص الأدبية إلى ثلاثيته الشهيرة، التي يتخذ منها آليات لدراسة العمل الإبداعي وتحليله، ففي حديثه عن العوامل التي تتمازج مع العمل الأدبي وتضفي عليه لمستها الخاصة، يرى أن البيئة أو المكان لها سحرها الخاص على العمل الإبداعي؛ إذ أن تواجد هذا الأخير في الفضاء الجغرافي لا يسلم معه من الانعكاسات الاجتماعية الملقاة عليه، أو التي يكتسبها بفعل النشأة هنالك.
وغير بعيد عن هذا السياق، عرفت مجموعة من أدباء العالم العربي تجربة الكتابة خارج الوطن، إذ تعتبر من أكثر الأشياء المؤثرة في شخصية المبدع، فتجربة المنفى كما يحلو للبعض تسميتها، تعمل على تجريد الأديب من سلطة المستعمر، فيكون بذلك غير مبال لسلطته فينكب على كتاباته، وبذلك يعلن تصالحه مع الذات، فيروم الكتابة عن هموم الوطن وما يعانيه من الويلات، إذ يقوم بمناهضة كل الأشياء التي تعكر صفوه، وتمنع عجلة تقدم الوطن إلى الأمام، إضافة إلى محو معالم التملك التي تَفرضُها الدول المستعِمرة، كما أنه يناهض كل الأفكار المروج لها عبر ثقافة الكتابة، رغبة منه في إزالة اللُبس الذي يعتري فكر الإنسان الغربي عن المشرق، إذ أن جل الكتابات التي خاض فيها مجموعة من المستشرقين، تحاول جاهدة أن تبتدع شرقا متخيلا، إضافة إلى كونها تحاول أن تُنيط مسؤولية التقدم والازدهار، وتربطها بقدوم الإنسان الغربي إلى تلك المناطق، فالشرق الذي خلده المستشرقون في كتبهم، لا يعدو كونه شرقا متخيلا ينأى بعيدا عما هو عليه.
وفي هذا السياق يعير إدوارد سعيد اهتمام القارئ في كتابه «الاستشراق» إلى مسألة التخييل التي تبناها الغرب عن المشرق في قوله «زار صحافي فرنسي مدينة بيروت أثناء الحرب الأهلية الرهيبة في عامي 1975- 1976، وعندما شاهد الخراب الذي حل في وسط المدينة كتب يعرب عن أسفه قائلا إن المنطقة «كان مظهرها يوحي في يوم من الأيام بأنها تنتمي إلى الشرق الذي وصفه كل من شاتوبريان ونيرفال في مطلع القرن التاسع عشر». ومن هنا تتشكل تلك النظرة الإقصائية للمشرق، فتبدأ الهوة في الاتساع بين الشرق والغرب، اعتبارا منهم أن الغرب هو محور المركزية، والشرق ينظر إليه باعتباره هامشا. ففي هذا التقسيم يستشعر المثقف العربي ثقل المسؤولية المنُوطة به، في سبيل كشف ملابسات هذا الافتراء ذي المرامي الواضحة، عكس الشخص الذي قال عنه محمد عابد الجابري العقل المستقيل، وهو الذي لا يعنيه مستقبل أمته ولا القضايا الكبرى التي تواجهها.
وغير بعيد عن هذا السياق عرف العالم العربي صحوة فكرية على مستوى الكتابات المناهضة للاستعمار وللمستشرقين، ولا شك في أن تجربة الأديب الفلسطيني إدوارد سعيد خير دليل على هاته الصحوة الفكرية، فتجربته لا تقل أهمية عن باقي التجارب الأخرى لكبار الأدباء، إذ يعتبر من أبرز الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. ومن أكبر المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني، فعمله انبنى أساسا على نقد المركزية الغربية في هيمنتها ونظرتها الانتقاصية إلى العالم الشرقي وتلفيق التهم الواهية له ولسكانه من خلال تلك الخطابات المنجزة، فمن خلال معطياتها يستساغ أن التطور ارتبط بدخولها وإمساكها لزمام الأمور في الدول المستعمَرة، فقد كانت هذه المعطيات بمثابة أرضية خصبة للأديب إدوارد سعيد، إذ أن كتاباته المتجلية في ما بعد الكولونيالية، أبانت عن معالم الإنسان المشرقي وحضارته الضاربة في التاريخ، التي طُمست معالمها بفعل مستشرقي الغرب، فلا غرابة لمتتبع منجزات الفكر الإنساني، أن يضطلع بما حققه هذا الأديب، من منجزات أبان خلالها عن نظرته الثاقبة في مناهضة كل أشكال الإقصاء والهيمنة الغربية. إن تفرد هذا الأديب بهذا النوع من الأدب، يستشعر من خلاله الدارس، نباهة الفكر الإنساني وسموه في معالجة الأطاريح الراهنة التي تحتاج إلى حيز من التفكير والتأمل، فمصداقية كتاباته في هذا الصدد استمدت مشروعيتها من الكتابات المتخيلة للمشرق، وفي ظل هيمنة هذا التفكير ذي النظرة التمجيدية للغرب، فرغم معايشته لتجربة المنفى إلا أنه وجد نفسه بصدد امتهان عمل آخر لم يدرجه ضمن الأعمال المدرة للدخل، بقدر ما أدرجه خدمة لتبيان معالم الإنسان المشرقي وحضارته الغابرة ودحض الأفكار المروج لها، من خلال منجزاته التي أبانت عن علو كعبه كمتخصص في أدبيات ما بعد الكولونيالية. فجل منجزاته المناهضة للهيمنة الغربية، تم نتاجها في حضن الدول التي ترى نفسها أنها الأجدر بأن تكون هي محور المركزية الغربية.
إن مشروعية الكتابة التي تروي عن واقع مَعيش لا تُستمد من واقع متخيل؛ إلا في حديثنا عن أجناس الأدب من قصة ومسرح ورواية؛ فنحن نعلم ما يكتسيه التخييل من خصوصية ومن درجة راهنية في سبك أحداث الجنس الأدبي، إذ يعتبر محركه الأساس، فالكتابات الاستشراقية المتخيلة عن واقع يُعايشه مجموعة من الناس، تتنافى إطلاقا مع قيمها ومبادئها، اللهم إن كان ما يراد الترويج له أمكن أن ندخله في جنسٍ من أجناس الأدب، وبذلك تستمد المشروعية التي تتغنى بها، فتلفي نفسها في دواليب النتاج الأدبي المتخيل.

جدلية الإبداع والمنفى: إدوارد سعيد أنموذجا

عبد الصمد خديري

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left