الاحتجاز التعسفي في ليبيا: انتهاكات كبرى تعيق طريق المصالحة

حقوقيون يطالبون بتفعيل قوانين تجريم التعذيب والاخفاء القسري

روعة قاسم

Apr 21, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: أعاد التقرير الأخير الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا حول «الاحتجاز التعسفي» تسليط الضوء على انتشار ظاهرة الاحتجاز غير القانوني في هذا البلد في ظل تواصل الحرب واحتدام الانقسام السياسي وما اعقبه من غياب المؤسسات وتفكيكها، ما أفسح المجال لسيطرة المجموعات المسلحة وتحكمها بمفاصل الوضع الأمني وكذا السياسي في بلد عمر المختار.
وأشار إلى انه يتم احتجاز الرجال والنساء والأطفال في جميع أنحاء ليبيا بصورة تعسفية أو حرمانهم بصورة غير مشروعة من حريتهم بسبب انتماءاتهم القبلية أو العائلية أو السياسية المتصورة. وكشف التقرير انه ومنذ تجدد الأعمال العدائية التي اندلعت في عام 2014 قامت المجموعات المسلحة في جميع المناطق باحتجاز المشتبه بهم من معارضيها ومنتقديها والناشطين والعاملين في المجال الطبي والصحافيين والسياسيين. كما تفشت ظاهرة احتجاز الرهائن بغرض مبادلتهم مع السجناء أو للحصول على فدية. وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2017 قُدر أن حوالي 6،500 شخص محتجزون في سجون رسمية تشرف عليها الشرطة القضائية التابعة لوزارة العدل. ويشير التقرير إلى انه لا تتوافر إحصاءات بشأن مراكز الاحتجاز التابعة اسمياً لوزارتي الداخلية والدفاع، ولا تلك التي تديرها المجموعات المسلحة بشكل مباشر.

حالة عامة

ربما لم يأت التقرير الأممي بجديد بخصوص انتشار ظاهرة الاحتجاز، ولم يقدم الأرقام الوافية بل اعتبره بعض المراقبين والنشطاء الحقوقيين الليبيين محتشما بالقياس إلى حجم الاعتداءات المتفشية في مجال الاحتجاز، والسؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف يمكن إصلاح المنظومة الحقوقية في هذا البلد في ظل انتشار قوة السلاح التي باتت هي الفاعلة في الميدان؟
في هذا السياق يرى الناشط الحقوقي الليبي جمال المبروك رئيس منظمة الإغاثة والتعاون الدولية، ان التقرير الأممي رغم أهميته إلا انه أغفل عديد الانتهاكات الكبرى التي تحصل في عدة مناطق وقال لـ «القدس العربي» ان انتهاكات حقوق المحتجزين باتت حالة عامة ومراكز الاحتجاز منتشرة في أماكن عديدة لا تخضع للشرعية إلا من الناحية الاسمية، إذ تمارس فيها انتهاكات فظيعة جدا ويوجد نساء معتقلات منذ فترة وكذلك من سنة 2011 بعض المحتجزين إلى حد الآن لم يقدموا إلى العدالة ولم تحدد التهم الموجهة إليهم. وأضاف: «انها وضعية سيئة نتمنى من بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ان تمارس أيضا ضغوطات ومطالبات للجهات المسؤولة في ليبيا لتحسين وضعية المحتجزين وعرضهم على العدالة لكي يعاقب كل من يخالف القانون ويتم الافراج عن من لم تثبت إدانته دون تراخ أو إبطاء». وأضاف ان التقرير الأممي معد بطريقة سياسية أكثر منها حقوقية، حيث تناول بعض مراكز الاحتجاز الموجودة في طرابلس والمنطقة الغربية ثم انتقل إلى المنطقة الشرقية، وأشار إلى وجود اختراقات لحقوق الإنسان في المنطقتين وأغفل مناطق أخرى واستخدم تعابير «مسيسة» أكثر منها حقوقية. وأعرب المبروك عن أمله في ان تتحدث بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأسلوب حقوقي أكثر والابتعاد عن التعابير التي يشتم منها ويلاحظ فيها التسييس. وأضاف ان مصادر الأمم المتحدة تكاد تكون مؤكدة وموثوقة وممثليهم يقومون بزيارات لهذه المراكز ولديهم شركاؤهم المحليون الذين يوافونهم بالتقارير، لكن الأسلوب الذي أعد به التقرير واخرج للعام مسيس على حد قوله.

ارتفاع وتيرة الاختطاف

وأشار جمال المبروك، إلى ارتفاع وتيرة الاختطاف لشخصيات كبيرة اعتبارية في ليبيا منها نائب المدعي العسكري العام وعميد بلدية طرابلس وعميد بلدية العزيزية وشخصيات أخرى تعرضت للاختطاف وإلى التعذيب والاحتجاز. ولفت إلى انه تم العثور على عميل بلدية العزيزية المختطف منذ حوالي عشرة أيام مرميا أمام إحدى المساجد ومصاب بطلقات نارية. وحول كيفية إصلاح هذا الوضع أجاب محدثنا: «أدعو السلطات إلى العمل بالقانون رقم 10 لسنة 2013 بشأن تجريم التعذيب والاخفاء القسري والتمييز، هذا القانون الذي لا يزال حبرا على ورق وظل مجهول الهوية لدى العديد من المختصين المحليين والدوليين. واعتبر ان هذا القانون حقوقي بامتياز واستغرب عدم إلمام المنظمات الحقوقية ومفوضية الأمم المتحدة به أو العلم به، خاصة ان هناك ترديا شديدا في حالة حقوق الإنسان في ليبيا وازدادت أعداد المعتقلين وما يتعرضون له من تعذيب، وقد تحدث عن كل هذه التجاوزات الخطيرة القانون رقم 10 تناول وجرم من يرتكب هذه الانتهاكات.
وعن جنسية المحتجزين قال: «هم في الغالب من الجنسية الليبية، لكن تتواجد جنسيات أخرى من المهاجرين غير الشرعيين. وقد أفادنا رئيس مكتب مكافحة الهجرة غير الشرعية في صبراتة بان قواتهم تمكنت من مداهمة وكر من أوكار تهريب المهاجرين في إحدى ضواحي صبراتة وأنقذت 75 مهاجرا منهم نساء وأطفال. وأكد بان التحقيقات الأولية التي اجريت مع هؤلاء أفادت بوجود انتهاكات جسيمة حدثت لهم أثناء تواجدهم تحت سيطرة المهربين وهي انتهاكات جسدية ولفظية وجنسية وغير ذلك ومعظم هذه المجموعة منحدرة من اريتريا والصومال وغانا والسودان».

الإفلات من العقاب

وقال أمين عام المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا عبد المنعم الحر، ان التقرير يعكس الأوضاع السيئة التي يعانيها السجناء، وذلك في ظل غياب سيادة القانون، وسيطرة جماعات مسلحة غير مؤهلة للتعامل بالمعايير الدولية للاحتجاز والاعتقال وحقوق السجناء، وأشار في حديثه لـ «القدس العربي» أيضا إلى ان مسألة الإفلات من العقاب تلقي بظلالها على هذا الملف، فغياب الرادع القانوني للجهات النافذة للقانون يزيد من ذلك. حسب قوله. ورأى ان ‎ الهدف الرئيسي من وجود مثل مراكز الاحتجاز هذه، هو عمليات التعذيب الوحشي، وتُمارس عمليات التعذيب على خلفيات سياسية أو ايديولوجية. واكد أن الداخل إلى مراكز الاحتجاز السرية يُعتبر مفقودا غالبا، أما الهدف الثاني، فهو الحصول على مبالغ مالية طائلة من الأهالي، حيث أغلب الأشخاص المحتجزين داخل مراكز الاحتجاز السرية هم من المخطوفين. وأضاف: «الحقيقة إن ما ذكر في التقرير يماثل الواقع إلى درجة كبيرة، وغالبا ما يتجاوز العمل بالقانون، ولا يتم إحالة المعتقل إلى النيابة إلا بعد شهور وسنوات. وهناك مسؤولية مشركة تحتم علينا الوقوف والتصدي لمثل عمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري، ويجب أن يتم التعامل وبشكل عاجل لحماية هؤلاء المحتجزين وكرامتهم الإنسانية، وملاحقة منتهكي حقوقهم جنائياً».

رعب مسيطر

وأشار خالد الغويل الناشط الحقوقي والمحامي الليبي في حديثه لـ «القدس العربي» إلى ان هذا التقرير الأممي جاء متأخرا لان الاحتجاز التعسفي في ليبيا منتشر بكثرة، فالمواطن الليبي يعيش رهن الاعتقال التعسفي دون شرعية القانون، وأضاف بالقول: «بالتالي هناك معلومات منقوصة باعتبار ان هناك أوامر باعتقالات وقبض تتم على ضباط شرطة وجيش وموظفين ويتم تعذيبهم ولدينا حالات موثقة وانا كحقوقي لدي الآن تقارير موثقة بتعذيب أشخاص تم اعتقالهم من قبل عصابات وليس من قبل مؤسسة تابعة للدولة». ونحن نساند التقرير، وهناك تقارير أخرى ستصدر عن منظمات حقوقية ودولية ناشطة في مجال حقوق الإنسان حول ما تعرض له السجناء من قبل المعتقلين هؤلاء، خاصة ان هناك مراكز اعتقال توجد فيها نساء وشيوخ وسط انتشار الأمراض الخطيرة جدا ولم يتلق هؤلاء أي علاج، وهذا يعود إلى غياب الدولة والقانون». وأشار الغويل إلى ان العصابات التي تقوم بهذه الاعتقالات تضم مجرمين اصحاب سوابق ولهم قضايا مسجلة عدلية جنائية. وطالب الغويل بالضغط على جميع المنظمات الحقوقية لتحمل مسؤولياتها من أجل إطلاق سراح السجناء وتنفيذ القرارات الدولية لحماية المدنيين، فلا تزال هناك معتقلات تدار من قبل عصابات والموقف الدولي ما زال ضعيفا وهشا وعلى المجتمع الدولي اتخاذ مواقف صارمة بحق هؤلاء المجرمين ومعاقبتهم قانونيا عبر اصدار مذكرات دولية وملاحقتهم وتجميد أرصدتهم. وأضاف القول: «لقد هزت جريمة بشعة قبل ايام الرأي العام الليبي، إذ تم العثور في صبراتة على 13 جثة موجودة الآن في مكب النفايات الصحي وهؤلاء ليبيون لم تكشف اسماؤهم لكن حسب الأنباء المتوفرة هم ينحدرون من مدينتي العجيلات وصبراتة. نطالب الجهات القضائية التي لديها أدنى ذرة وطنية ان تكشف عن هذه الجريمة. فهناك جرائم جديدة تقع بسبب اختلاف الراي أو بحجة ان الشخص كان من أنصار النظام السابق ولكن الدولة ليست لديها أي سلطة على هذه العصابات.
وأشار إلى ان مجموعة من المحامين الليبيين ستتقدم خلال الأيام المقبلة بمذكرات رسمية للمحاكم الدولية بأسماء المعتقلات والذين يمارسون عمليات القبض العشوائية الخارجة عن إطار القانون والشرعية وسوف تحتج هذه المجموعة من الحقوقيين والمحامين لدى مجلس الأمن ضد كل من يرتكب جرائم بحق الإنسانية على الأرض الليبية.
ودعا الغويل كل الحقوقيين الليبيين لتوثيق الجرائم البشعة التي يتعرض لها الليبيون من خلال المعتقلات وحمّل حكومة الوفاق المسؤولية عن الوضع الذي وصلت إليه البلاد اليوم.

أوضاع مزرية

محمد علي الكاتب والمحلل السياسي الليبي أكد لـ «القدس العربي» ان تقرير الأمم المتحدة حول الاعتقال التعسفي هو حقيقي ومتأخر عن زمنه.
إذ ان هناك العديد من المعتقلين في ليبيا تعسفيا لأن لهم ارتباط وظيفي بنظام القذافي والكثير منهم لم يكن لهم ارتباط تعاوني بالنظام.
ولفت النظر إلى ان امر الاعتقال التعسفي لا يقتصر فقط على من تعاون أو عمل مع نظام القذافي بل يمتد إلى من له رأي مخالف أو معارض من النشطاء السياسيين والصحافيين وهي أعداد مهولة ومناطق الاعتقال معروفة في طرابلس وبنغازي ومصراتة.
أما عن دور الحكومات الليبية ومسؤوليتها فأضاف: «هناك محاولات من حكومة الوفاق في طرابلس لإنهاء كل ذلك لكنها محاولات خجولة، أما الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا فهي لا تبالي بهذا الأمر البتة وتحت سلطاتها العديد من المعتقلين».
وفيما يخص الوضع الإنساني في ليبيا اليوم قال انه من أسوأ الأوضاع عالميا. وأضاف ان العديد من أبناء الشعب الليبي لا يجدون قوت يومهم بسبب انعدام الأموال في المصارف ويموت العديد من المرضى لأنهم لا يجدون العلاج، إضافة إلى انتشار ظواهر كالانتحار واللجوء إلى الإجرام وغيرها من التي تنمو يوميا ولم يكن يعرفها المجتمع الليبي سابقا.
أما الأكثر خطورة، يضيف محدثنا فهو ما يتعرض له أطفال ليبيا بشكل مستمر وغير معقول من خطف وقتل بدم بارد واغتصاب. وقد وصل عدد الأطفال المخطوفين والمقتولين من سن أربع إلى أحد عشر عاما إلى ما يزيد عن خمسين طفلا.

الاحتجاز التعسفي في ليبيا: انتهاكات كبرى تعيق طريق المصالحة
حقوقيون يطالبون بتفعيل قوانين تجريم التعذيب والاخفاء القسري
روعة قاسم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left