مراجعات لا تراجعات!

بلال فضل

Apr 21, 2018

لا أعتقد أن هناك تعبيراً قد راج في الفترة الأخيرة مثلما راج وانتشر «ورطرط» تعبير (النقد الذاتي)، لم تعد تدخل أو تحضر مناقشة بين المهتمين بالشأن العام، إلا ووجدت من يتحدث عن ضرورة النقد الذاتي الذي يجب أن تتم ممارسته على الفور وقبل فعل أي شيء آخر، يفضل البعض أحياناً استخدام كلمة (المراجعات)، والمضحك المبكي أنك في أغلب الأحيان ستجد أن من يتحدث بإفراط عن أهمية النقد الذاتي أو المراجعات، لا يمارس ذلك على شخصه ومواقفه، بقدر ما ينتظره أولاً من خصومه أو مخالفيه في الرأي.
مبدئياً تعال نتفق على اعتماد تعبير (المراجعات) واستبعاد تعبير (النقد الذاتي) الذي أجد مشكلة في تقبله فيما له علاقة بالسياسة، لأن العمل في السياسة ولو بإبداء الرأي، لا تنطبق عليه أحكام الصواب والخطأ القاطعة، بل هو مرتبط باختيارات لها علاقة بما هو أفضل أو أقل سوءاً أو بما هو متاح وممكن أو أقل تعذراً، وأظن وليس كل الظن إثماً أن (النقد الذاتي) بغض النظر عن رشادته أو رغبته في جلد الذات، يحيل إلى رفاهية قد لا يمتلكها المشتبكون في معارك لا تنتهي مع الاستبداد والتطرف والقهر بكافة أشكاله، وربما كان يليق أكثر بمجتمعات استقرت بها أشكال العمل السياسي وممارساته، على عكس (المراجعات) التي ترتبط بتغيرات الواقع ومحاولة فهمها لتطوير التعامل معها. لا أدعي أنني أقدم الآن تصوراً ضافياً أفرق فيه بين تعبيرَي (النقد الذاتي) و(المراجعات)، لكنني أدعي الشعور بأن مصطلح (المراجعات) أكثر عملية وواقعية، وسأحيلك هنا إلى ما كتبه المفكر والمؤرخ اللبناني فواز طرابلسي عن استخدام فصائل اليسار لفكرة النقد الذاتي الذي أصبح أشبه «بعُصاب ديني قائم على شعور عميق بالذنب»، وصارت «ترجمته العملية إما مهمة نقد ذاتي مؤجلة دائماً أو مطروحة دائماً على الآخر، وإما الجلد الذاتي العدمي».
أعتقد أن إمعان النظر في ممارسات وتصريحات كثيرة لمن شاركوا في ثورة يناير، سيستدعي لديك وجاهة كلام أستاذنا فواز طرابلسي، الذي أضيف إليه ملاحظتي أن الكثيرين ممن يعلنون نقدهم لأنفسهم ومواقفهم، يتصورون أن مهمتهم تنتهي عند إعلان خطأ المواقف التي اتخذوها خلال مراحل الثورة المختلفة، والتي كان يجب استبدالها بمواقف مختلفة، دون أن يصحب ذلك القيام بتحليل لأسباب اتخاذ المواقف التي اعتبروها خطأ، ومدى ارتباطها بظروف الوقت الذي تم اتخاذها فيه، وبطبيعة علاقات القوة المحيطة وقتها، لأن الحرص على تقديم هذا التحليل، يجعلنا نتجاوز الهوس بفكرة تسجيل المواقف والصوابية السياسية التي أصبحت موضة عصرنا، بكل ما يرتبط بالموضات من عناصر إيجابية محرضة على التغيير، وعناصر سلبية قاتلة للتغيير الفعلي، وهو ما لا يمكن فصله أيضاً عن ممارسات النقاء والتطهر الثوري، التي من أكبر لعناتها أنها تسود في حالة المد الثوري الذي يرى فيه الكثيرون الأشياء من حولهم أكبر من مقاييسها الحقيقية، وتسود أيضاً في حالة الجزر الثوري الذي يميل فيه الكثيرون إلى عدم الرغبة في رؤية أي شيء على الإطلاق.
العتب على النظر، ولذلك أتحدث في حدود ما تابعته، وأدعوك إن وجدتني مخطئاً إلى المشاركة في نشر ما ترى أنه يقدم مراجعات لا تُعنى بإصدار أحكام بالخطأ والصواب، بقدر ما تسعى لفهم المواقف وتحليلها. ولكي أشرح وجهة نظري أكثر، سأحكي لك عن شهادة نشرت بعد أشهر من وقوع مذبحة رابعة، بعد أن اشتدت الهجمة على كل ما له علاقة بثورة يناير، قرر صاحبها الذي أثق في إخلاصه وإيمانه بالحرية والعدالة الاجتماعية، أن يعلن شهادته الخاصة على سنوات الثورة، فقال إن أبرز خطأ وقع فيه أنصار الثورة هو موافقتهم على أن يتم الاحتكام إلى قوانين ثورية، بل إلى قوانين وضعتها الأنظمة السابقة للثورة، وهو قول لا ينفرد به صاحبه، بل يشيع بين الكثيرين، وأظن أنه قول لا علاقة له بالواقع الفعلي، سوى أنه يعطي قائله شعوراً بالراحة لأنه وضع يده على مربط الفرس، لكنه لو عاد إلى الوراء، وتأمل بهدوء تفاصيل الأحوال السائدة وقت قيام الثورة، وطبيعة من اشتركوا فيها، وتفاصيل حسمها السريع للإطاحة بشخص حسني مبارك، واختلاف علاقات القوى بين أطراف المشهد السياسي، لأدرك أنه أخطأ في افتراضه إمكان غير الممكن.
ولكي لا أكرر أخطاء الآخرين في استثناء أفكاري من المراجعة، سأقول لك أنني كنت من الذين يستريحون للقول بأن أكبر خطأ وقعت فيه الثورة هي مفارقة الملايين لميدان التحرير عقب خلع مبارك، قبل أن تفرض شروطها كاملة، لكنني بعد لحظة التفويض وما أعقبها من مذابح نالت تأييداً جماهيرياً ساحقاً، لا ينكره إلا من يخدع نفسه، لم أعد أعتقد بصحة هذا القول، وأرى فيه وقوعاً في خطأ شائع هو استسهال الافتراض بقدرة موقف مختلف على تغيير الواقع، مع أن أي قراءة صادقة لطبيعة المواقف الشعبية من الثورة خلال أيام الميدان الثمانية عشر، يوحي بأن من كان سينقض على الميدان إذا ظل ممتلئاً بالثوار، سيكون كثير من الذين قامت من أجلهم الثورة، إن لم يتكرر وقتها مشهد مذبحة رابعة بتفاصيله، لا لشيء سوى أن الهدف الذي كان يحظى بأكبر قدر من التوافق الشعبي هو الإطاحة بحسني مبارك وأسرته، أما تحويل العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية إلى واقع فعلي، فقد كان وما زال وسيظل محتاجاً إلى كيانات سياسية لها رأس وعقول وأجساد، تستخدم كل التفاعلات السياسية من الصراع إلى التفاوض إلى التحالف إلى المقاطعة إلى التظاهر، ولا تعتبر التظاهر سلاحها الأول والأخير.
لذلك أعتقد أنك إذا أردت مراجعة ما قمت به من مواقف بشكل فعال، فإنه ليس من المجدي على المستوى العملي، حتى لو أجدى على المستوى الشخصي، أن تندم على أي قرار اتخذته عقب الثورة ولو كان شخصياً، دون أن تسأل نفسك قبلها لماذا اتخذت ذلك القرار، وكيف كانت رؤيتك للواقع وقتها، وكيف كانت مواقف الطرف الذي وقفت ضده؟ وكيف كان تأثيرها على قرارك؟ وهل حدث في مواقف ذلك الطرف تطورات أو تغيرات تجعلك ترى خطأ موقفك؟ ثم الأهم من ذلك كله أن تدرك حجمك الحقيقي وطبيعة دورك، لأن دور الفرد يختلف عن دور الفرد المؤثر، ودور الكاتب أو الناشط المستقل يختلف عن دور الناشط المنتظم في حركة سياسية، ودور جميع هؤلاء يختلف عن أدوار قادة الحركات السياسية والأحزاب والتنظيمات، وربما كانت من أبرز مشاكل مواقع التواصل الاجتماعي أنها أعطت للكثيرين تصورات خادعة عن أنفسهم، وجعلتهم يبنون أحكاماً غير دقيقة على أعداد اللايكات والشيرات والتعليقات، وهو أمر أظن أنه بدأ يتغير وسيزداد تغيره حين تحدث مراجعات أوسع لدور وسائل التواصل الاجتماعي في الواقع، خاصة بعد أن تلاشت كثير من الأوهام المرتبطة بقوتها ونفعها.
ليس عندي شك في أن هذه الطريقة لن تحظى بنفس الشعبية التي يحظى بها النقد الذاتي على طريقة «أنا كنت حمار لما…»، وهي طريقة محببة وعابرة للأجيال والطبقات والاختلافات السياسية، لذلك يتصور مؤيدو جماعة الإخوان أن كل شيء كان سيكون أفضل لو استمر مرسي في الحكم، دون أن يشغلوا بالهم بفهم ما الذي جعل كثيراً من الذين انتخبوا مرسي يفعلون أي شيء للإطاحة به، ولعلهم لو فعلوا لكان ذلك أفيد لهم في المستقبل من كثير مما يفعلونه الآن وهم يحلمون بنصر ساحق متوهم، وكذلك الحال مع كثير من أنصار الحكم العسكري الذين يندمون على ما سبق أن قاموا به من تأييد الإطاحة بمبارك أو السكوت على الإطاحة بمبارك، مع أنهم لو تأملوا في تفاصيل الأحوال التي دفعت الناس لطلب الإطاحة بمبارك، لفهموا أن تأييدهم الأعمى للسيسي أو أي جنرال قادر باطش سيقود البلاد إلى مصير أكثر فداحة مما ندموا عليه، مصير يشبه ما حدث في سوريا والعراق، التي يستخدم نظام السيسي أحوالهما لفرض مسار مشابه لما كان يفعله حكام سوريا والعراق طيلة العقود الماضية، وكذلك الحال مع المؤمنين بالثورة الذين ربما كان من الأفضل لهم ولما يحلمون به، أن يتوقفوا عن ترديد تصورات عامة فضفاضة تنسى حقيقة ما حدث في 11 شباط/فبراير وما قبله، وأن يحاولوا فهم التحولات التي جرت في مواقف قطاعات شعبية أيدت الثورة، بدلاً من الانشغال بإدانتها للإحساس بتفوق أخلاقي، وكذلك الحال معي حيث انتهى الحيز المتاح لكلامي الذي آمل أن أستأنفه قريباً، متوقفاً عند أول ما يستحق المراجعة، وهو ظاهرة الاستناد إلى بعض الحتميات التي يريح الكثيرين أن يبنوا مواقفهم على أساسها المتداعي.

مراجعات لا تراجعات!

بلال فضل

- -

7 تعليقات

  1. منذ خلق الله الخلق والتغيير لابد له من رجال, لهم ميزات وسمات عقلية وجسدية ونفسية وأخلاقية خاصة , هذه السمات تؤهلهم للقيادة والتغيير , لذلك يقال عن الصحابة أنهم كانوا جيل فريد له ميزات خاصة , فهل من تصدر ثورة يناير كان لهم سمات تميزهم! , لن أظلمهم وأقول لا لأن البلد كانت كالأرض البور المجرفة من التربة الصالحة للزراعة , لذلك ظهرت الحشائش والأشواك والنباتات السامة , الجميع ساهم لهدم البناء فوق رؤوس الأشهاد , الجميع كان بأسهم بينهم شديد , وهذا طبيعي في مرحلة التدافع التي تعم الوطن العربي , سيأتي التغيير ولكن بعد أن يمحص الناس وبعد أن يميز الله الخبيث من الطيب .

  2. مقال موضوعي يستحق القراءه اين انت استاذ بلال

  3. أن يصل أهل مفهوم المعصوم (الشيعي) أو الولي (الصوفي) لثفافة الـ أنا أولا ومن بعدي الطوفان في دولة الحداثة، إلى الاعتراف بوجود كلمة في القاموس لها علاقة بـ المراجعات أو النقد/الجلد الذاتي، يعتبر تطور نوعي للإنسان من وجهة نظري على الأقل، لماذا؟
    لأن ما يعمل على تدمير أي اقتصاد، هو مفهوم أو فلسفة التغيير لأجل التغيير، الذي بدأ تفعيله بعد قبول حسني مبارك على التنحي في 8/2/2011، فهذا ما تعاني منه مصر من وجهة نظري على الأقل، حيث آلة العسكر عملت على إيقاف عجلة مفهوم التغيير من أجل اعطاء كل ذي حق حقه في الدولة، والرجوع إلى بيروقراطية النظام بنفس أدوات دولة الحداثة، دون استيعاب أنّ ما حصل سببه تدوين لغة الحذاء على الموظف الفاسد/المُقصّر عام 2008 وفي بث حي مباشر على أحدث أدوات العولمة والاقتصاد الإليكتروني، هي التي أيقظت لدى الإنسان، في أي مكان في العالم، أن الوظيفة ليست استحقاق وطني، ولذلك من الضروري استحداث مفهوم محاسبة الموظف، عند اداء أي وظيفة، على مقدار الإنجاز، لكي يمكن قيام دولة أو شركة أو حتى أسرة بين ثقافة الـ انا (الرجل) وثقافة الـ آخر (المرأة).
    لأن في أجواء السوق الحر، لا مكان للمحسوبية والواسطة والرشوة عندما لا تستطيع المنافسة، تبدأ من خلال لغة الجسد أولا، بحجة أن لا قيمة مادية لها، وهو مفهوم خاطئ، فالزمن المُستغرق هو أساس تحديد أي أجر من الأجور، وليس الجهد العضلي، الذي يمكن تعويضه بالآلة، كما حصل في الجيل الأول للثورة الصناعية، ولكننا بعد عام 2014 وما قامت به شركة آي بي أم بمنتجها واتسون، وصلنا إلى الجيل الرابع من الثورة الصناعية، حيث واتسون عمل على تغيير منطق الآلة من منطق ثنائي (0/1) إلى منطق لغوي، لكي تستطيع الآلة محاكاة عقل الإنسان بالإضافة إلى عضلاته، ومن هذه الزاوية أفهم سبب تعيين أول رجل أمن آلة (روبوت) وأول طبيب آلة (روبوت) في الإمارات عام 2016، وفي السعودية في مشروع نيوم تجنيس صوفيا (كمواطن)، لأن الآلة لن تطالب بالتغيير مثل الإنسان، أظن ما قلب الطاولة على عقلية الآلة/العالة، ما حصل في تركيا عام 15/7/2016 وهو عكس ما حصل في اليوم الذي قبله في نيس فرنسا، سبحان الله، لماذا؟ الدولة العثمانية وقفت ضد الجيل الأول للثورة الصناعية حفاظا على حقوق الإنسان، وبسبب المحافظة على حقوق الإنسان، انتصر الإنسان وأفشل انقلاب الآلة العسكرية والأمنية في تركيا بينما فشلت فرنسا

  4. للاسف هذه الامنيه او المراجعة الذاتية او تانيب الضمير غير موجود لدى بقايا نظام مبارك السابقين ومؤيدين السيسي او العسكر الحالين او من وقفوا على جبال الاوهام من الاخوان … انه موجود فقط لدى شباب ثورة يناير وترجموها بان وقفو على الحياد والتزمو الصمت وانفو القمع ..ولو وجدت عند احد الاربعة اولئك لرايت المشهد تغير تماما

  5. مقال مميز كما عودتنا يا أبو عشق
    حفظك الله لنا من السقوط الذي نال الكثيرين

  6. جلد الذات من الأمور المحببة إلى النفس كنوع من التطهر او حل لإيجاد السلام النفسي و لكنه لن يمنع تكرار المأساة التي ظن كثير منا و في اولنا الإسلاميين أنها لن تتكرر نظرا لحداثة عهدنا بنماذج مماثلة من وأد للثورات او تعثر للتحول الديمقراطي لذا احييك على اختيار الطريق الاصعب ..و من باب التحليل فإني أتفق معك ان الشارع لم يكن معنا في مطالبنا على مطلقها و ان التعنت الثوري كان سيكتب نهاية مبكرة لقصتنا الحزينة ،عندما أفكر في تلك الأمور أجد ان الامر فعلا صعب ..فالعسكر يملكون جل أوراق اللعب ان لم يكن كلها( الإعلام ، القضاء ،السلطة ، القوة الضاربة و ظهير شعبي لا يستهان به) أضف إلى ذلك و انت تواجه خصما كهذا انت لا تدري مدى ولاء رفاق الثورة و إلى أي درجة تم اختراق صفوفها و التي أثبتت الأيام ان كثيرا من النخب المعارضة ايام مبارك تم صناعتها بأيدي النظام نفسه في تكتيك يذكرني برائعة ارويل ١٩٨٤ ..بالتوفيق أستاذي الحبيب بلال فضل

  7. لابد ان تتذكر الدور الذى قمت به من خلال المساحه التى سمحت لك انت و المدعو عمرو سليم بجريده الشروق كغيركم من المبدعين غافلين او متغافلين انها حريه مقيده فى اتجاه واحد

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left