السكن كعلاقة سياسية زبونية في الجزائر

Apr 23, 2018

عانى المواطن الجزائري تاريخيا من أزمة سكن حادة، تراكمت بعد الاستقلال لأسباب عدة، كان من بينها النزوح الريفي إلى المدن الكبرى والزيادة الديموغرافية الهائلة في مجتمع لم يعرف عنه تاريخيا إنجاز مساكن فخمة، حتى لو كانت عملية ومتكيفة مع محيطها الطبيعي، كما هو حال مساكن أبناء واد سوف والقبائل وغرداية على سبيل المثال.
أزمة سكن يمكن أن تتحول إلى مفتاح لقراءة العلاقة السياسية بين المواطن والدولة، وطريقة تفكير نخبها السياسية الحاكمة بعد الاستقلال، التي تنظر إلى السكن كعلاقة سياسية زبونية، وليس سلعة توفرها لصالح المواطن داخل سوق عقارية واضحة المعالم والأهداف، تحكمها مقاييس اقتصادية واجتماعية محددة.
فقد انطلق استقلال الجزائر «بهجوم كاسح» قام به الوافدون الجدد من الجزائريين من أبناء الريف على مساكن المعمرين التي تركوها بسرعة، بعد قرارهم مغادرة البلاد التي احتلوها وتمتعوا بخيراتها لأكثر من قرن. فقد غادر المعمر الفرنسي فيلته وسكنه الجميل في المدينة التي نزح إليها بعد فشل سياسة التعمير الزراعي، بدون أن يتمكن في بعض الأحيان من إفراغ محتويات ثلاجته أو غلق جهاز تلفزيونه.
انطلاقة سياسية في دخول المدينة كان لها الأثر الأكبر على علاقة الجزائري بدولته المستقلة الجديدة، التي لم يعد يتصور كيف لا تمنحه سكنا جديدا عندما يطلبه، هو الذي لم يعرف تاريخيا من المدينة إلا حيها القصديري، أو قصبتها الشعبية، نتيجة الحالة الاستعمارية التي عانى منها تاريخيا. الدولة التي منعت عمليا الجزائري من بناء سكنه، وأقنعته بانتظار أن تقدمه له كهبة اجتماعية عن وسائط كثيرة كالمؤسسة الصناعية والبلدية والولاية. فقد أصبح من السائد أن «شبه الأجر الشهري» الذي يتحصل عليه الجزائري لا يسمح له بكراء سكن، حتى إن خرج للعمل هو وزوجته ومن باب أولى بناء سكن، إذا اكتفى به ولم ينخرط في الفساد الذي بدأ يتعمم بالتدريج، ليتحول إلى غول فعلي في السنوات الأخيرة. فقد تم تعميم سياسة أجور منخفضة على كل الفئات المهنية، بما فيها الفئات الوسطى، التي حتم عليها هذا الوضع انتظار سكن اجتماعي قد يطول انتظاره نصف العمر المهني للموظف وزوجته، لكي يجد نفسه في حي سكن أشبه بالمحتشد لا يصلح إلا للنوم ليلا. سياسة سكنية ولدت لاحقا كل المآسي التي تعيشها المدينة الجزائرية من عنف ولا حياة، أصبحت لصيقة بالجزائري في «المدن المريفة» التي تحولت إلى مستقر اغلبية الجزائريين ( حوالي سبعين في المئة من الجزائريين ) يتصارعون داخلها من أجل ابسط ضرورات الحياة.
سياسة سكن تحولت مع الوقت إلى علاقة زبونية، تقدمها الحكومات المتعاقبة وهي تنتظر مقابلا سياسيا من قبل المواطن، على شكل سكوت عن الأوضاع السياسية ومهادنتها، والمشاركة في الانتخابات ومظاهرات التأييد والمساندة وغيرها من علامات الولاء القاتلة لروح المواطنة. علاقة زبونية لا تتم دائما في هدوء رغم ذلك، فأغلبية الحركات الاحتجاجية التي تشهدها الجزائر في السنوات الأخيرة كانت بسبب السكن بالذات، بمناسبة توزيعه للمطالبة بتوسيع الاستفادة منه، أو بسبب نوعيته السيئة أو شروط منحه غير العادلة الخ، فقد تحول الحل إلى مصدر للكثير من المشاكل. داخل العائلة انتجت هذه السياسات السكنية العديد من السلوكات المرضية وأخلاق اللامواطنة، فقد يطلق الجزائري زوجته على الورق، للحصول على سكن ثان، وقد يعلن الارتباط بأخرى على الورق دائما للفوز بهذا السكن الذي قد يسجل في قوائم الاستفادة منه وهو أب لطفل واحد، ليحصل عليه بعد عشرين سنة وهو اب لأربعة أطفال أو خمسة أطفال، لم يعد السكن بغرفتين الذي منح له كافيا لهم. علما بأن هذه السياسات الرسمية البيروقراطية قررت ألا تتجاوز مساحة هذا السكن الممنوح للجزائري كهبة اجتماعية 70 مترا مربعا في أحسن الحالات، في بلد قارة، يبنى له على شكل عمارات جماعية بأكثر من طابق في مناطق صحراوية أو جبلية، في تعارض واضح مع عادات وتقاليد أبناء هذه المناطق، الذين طوروا تاريخيا طريقة متكيفة مع مناخهم وحاجاتهم، في بناء مساكنهم التي عاشوا فيها على مر العصور عندما كانوا هم من يقوم ببنائها وليس سلطة ريعية بيروقراطية تتعامل مع مناخ الجنوب مثل الشمال، والعائلة في الهضاب العليا التي تنشط في الرعي والفلاحة، تماما مثل العائلة البرجوازية الصغيرة في مدن الساحل.
العلاقة الزبونية وراء سياسة الإسكان هذه التي يراد لها أن تربط المواطن عموديا بالسياسي والطابع الريعي للاقتصاد، هي التي جعلت صاحب القرار يتوجه صوب الشركات الصينية المعروف عنها سرعة الإنجاز بشروطها هي التي فرضتها، التي كان من بينها تواضع نوعية المساكن كشكل معماري وبناء، زيادة بالطبع على رفض التعامل مع اليد العاملة الجزائرية، حتى إن تعلق الأمر بالمهندسين وأصحاب التأهيل، فقد كذبت الجزائر الفكرة الاقتصادية المعروفة، التي تقول، إذا انطلق قطاع البناء، كل القطاعات الأخرى ستتبع وتنطلق، فلا البطالة امتصت ولا تكنولوجيا وُطنت في بناء أحياء سكنية بشعة الشكل ومزدحمة، تقوم الكثير من البلدان بتهديمها في السنوات الأخيرة، بعد أن تبينت شرورها الاجتماعية، على أكثر من صعيد، منذ انطلاق بنائها بُعيد الحرب الكونية الثانية.
سكنات بنتها شركات أجنبية، كان يمكن أن تكون فرصة لبناء شركات جزائرية عملاقة، وليس سكنات فقط، بهذه الأموال الطائلة التي صرفت، قررت السياسة الاقتصادية السائدة مع ذلك عدم التنازل عنها للمواطن، بعد توزيعها عليه بأسعار منخفضة، ما يحرم السوق العقاري من الاستفادة من هذه السكنات الجديدة، لنكون مرة أخرى أمام تكذيب آخر لقانون اقتصادي معروف في كل بقاع العالم.. بناء مئات الآلالف، بل ملايين السكنات وتوزيعها على المواطنين لا يخفض من أسعار العقار التي تزداد اشتعالا كلما زاد بناء السكنات. لأن السكن من وجهة نظر هذه السياسة الريعية المعتمدة على المال العام، ليس سلعة، هو علاقة زبونية، لابد أن تمتد مع الوقت ليبقى شبه المواطن معلقا بواسطتها لآخر أيامه.
لكي يخرج في مظاهرات التأييد والمساندة لاستمرار النظام ورجاله، بعد أن يكون قد سجل في مشروع سكني عمومي، يمكن أن يحصل عليه وهو على أبواب التقاعد المهني أو انتقل إلى عالم آخر، لن يعاني فيه من أزمة السكن، بكل تأكيد.
كاتب جزائري

السكن كعلاقة سياسية زبونية في الجزائر

ناصر جابي

- -

4 تعليقات

  1. شكرا استاذ جابي على هذا المقال الرائع ….ما أحوج المجتمع وخاصة نخبه الى مثل هذه المنهجية التي تعري لكنها تروم الاصلاح ولا تكون معول هدم ….بناء الوعي اهم من بناء المساكن ….

  2. نظام قتل الناس بسياسة خرقاء ومن طرف معوقين وجهلة جثموا على المواطن والوطن. هل يعقل أن يصبح حلم الطبيب في الجزائر والأستاذ الجامعي وموظفين آخرين من الطبقة المتوسطة يحلمون بغرفة تاويهم في بلد قارة مثلما قلت ؟ حدث في بعض المناطق أن مورست ديكتاتورية من طرف الحزب الحاكم الأفلان واعوانه ومن طرف وضيعين تولوا شؤون البلديات هم من وزع السكن وبشروطهم الخاصة (المقابل اللاأخلاقي بكل أنواعه معروف ولا يحتاج شرح)

  3. ياتى السكن فى عمق المفارقات السياسة و الاجتماعية المدمرة لكل ما هو ثقافى يتطلع الى مواطنة حقيقية فى هذا البلد البئيس بابنائه و سياسيه و قبل هذا بفشل نموذج الدولة الوطنية الذى لم يفلح فى انتاج كائن حداثى يعيش قيم العمل و الكفاءة البعيدة عن التوظيف السياسى و العشائرى .

  4. عنوان ومعلومات وطريقة تحليل موضوعية، وأضيف عندما تم تأسيس دول وكيانات سايكس وبيكوفي بداية القرن الماضي، لم يتم تأسيسها على أسس اقتصادية، والدليل مشكلة طريقة حساب الرواتب في أي وظيفة أو مهنة، ليس لها علاقة بالزمن ولا الجهد أو العائد الاقتصادي من المنتج عند عرضه في أي سوق حر، فالاتحاد السوفييتي تم انهياره بسبب الفساد/التقصير من قبل الموظف في الدولة عام 1991، ولمنع انهيار الاقتصاد العالمي طرحت أمريكا الشابكة/الإنترنت، تماما كما طرحت مشروع مارشال في عام 1945، وكلاهما يمثلان ركني أساس العولمة والاقتصاد الإليكتروني.
    الدولة العثمانية وقفت ضد الجيل الأول من آلات الثورة الصناعية، التي تحاكي الإنسان في كيفية أداء أي وظيفة عضلية، بينما امبراطورية الصين أغلقت كل حدودها، فقط للمحافظة على المهن والحرف كحق أساسي من حقوق الإنسان في الدولة، نحن الآن في عهد الجيل الرابع من آلات الثورة الصناعية، وبعد عام 2014 ففي هذا العام شركة أي بي أم الأمريكية طرحت منتجها واتسون الذي عمل على تحويل منطق الآلة الثنائي (0/1) إلى منطق لغوي، كي تستطيع الآلة محاكاة عقل الإنسان بالإضافة إلى عضلاته.
    ولكن تركيا رجب طيب إردوغان عكس أجداده، مثل دولة الصين، سبحان الله تجدهما الآن هما السباقين في اعتماد الآلة في إدارة الدولة، من خلال مشروع الفاتح التركي للحكومة الإليكترونية، ومشروع القدوة السنغافورية للحكومة الإليكترونية في الجانب الآخر.
    الآن هناك تحديات حقيقية، على مناهج التعليم والتدريب والتأهيل، لكيفية تكوين مناهج تنتج إنسان يستطيع منافسة والفوز على الآلة (الروبوت) بعقد الوظيفة في الحكومة الإليكترونية، وإلا سيفلس الجميع، ولذلك نحن نقترح ابدال اقتصاد الفرد باقتصاد الأسرة (مشروع صالح التايواني)، لتكوين أم الشركات لتفريخ شركة لمن يتم احتضانه من أصحاب المبادرات الريادية لإنقاذ الاقتصاد، شراكة ما بين القطاع العام كسوق 40% والقطاع الخاص كمستثمر 40% مع تقنياتنا 20% لتطويع التقنية حسب رؤية الموظف المُبادر لزيادة الإنتاج ومن ثم دخل الجميع، لنتجاوز مفهوم المقاولات وعروض المناقصات فهي مدخل الفساد/التقصير في النظام البيروقراطي، لتحوسل عقلية الموظف من عقلية المقاول إلى عقلية رجل الأعمال، يُجيد بسبب (طريقة صالح) أكبر عدد من لغات العالم والترجمة بينهم ومن ضمنها لغة الآلة لتسخيرها والاستفادة منها في العولمة وتقنية أدواته

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left