دفاعاً عن الصوت التفضيلي وفضل «الباناشاج»

وسام سعادة

Apr 23, 2018

ثمّة منحى زاد عن حدّه في النقاشات اللبنانية في الآونة الأخيرة يميل إلى تحميل مبدأ «الصوت التفضيلي» وزر تشويه مستحدثات القانون الانتخابي المقرّ قبل عام، والذي سيصار إلى «تجريبه باللبنانيين» في الاستحقاق الوشيك الذي طال تأجيله. انتشر هذا المنحى الاختزالي في بيئات مختلفة، بحيث أنّك ترى المرشّح النشيط الذي يبذل كل ما في وسعه من أجل تحصيل ما يمكنه تحصيله من أصوات تعطيه الأفضلية على زملائه في اللائحة الواحدة قبل أي شيء آخر ـ فيكونوا «حشواً» له، بدل أن يكون «حشواً» لهم ـ جنباً إلى جنب مع المرشح المنسحب من السباق: الاثنان يتظلّمان من «فتنة الصوت التفضيلي» الذي يجعل ابن الفئة الواحدة ذئباً على أخيه المرشح من ذات الفئة وعلى اللائحة نفسها، أو، باستعادة كلمات الرئيس فؤاد السنيورة في بيان عزوفه (5 آذار/مارس)، يجعل الصوت التفضيلي «كل نائب في كل لائحة وكأنه يحمل خنجراً يطعن به زميله وليس فقط خصمه».
تزايد هذا النوع من الانتقاد المحموم لمبدأ الصوت التفضيلي عشية الاستحقاق إلى حد بات يشعر المرء كما لو أنّ الاحتجاج عليه اليوم أعقب غفلة عنه يوم إقراره قبل عام، حين تركّز الاعتراض على الحؤول دون حصر «الصوت التفضيلي» ضمن الطائفة الواحدة، وأقرّ على أساس حصره بالدائرة الانتخابية الصغرى، أي القضاء. والطريف هنا، أنّ هذا الانتقاد الرائج حالياً للصوت التفضيلي على أنّه زرع «الأنانية» بين المرشّحين، يتمازج مع انتقاد آخر معاكس له في الوجهة، يحمل على «الصوت التفضيلي» بدعوى أنّه قوّى مشاعر الانكماش المذهبي، وانطواء كل جماعة على نفسها، فأوصل مراد مشروع قانون «اللقاء الأرثوذكسي» الذي طرح قبل خمس سنوات، بحماسة مسيحية واعتراض إسلامي (تميز عنه «حزب الله»)، ومختصره انتخاب كل طائفة نوابها بمفردها.
المستفاد من تقاطع هذين الانتقادين أنّ اعتماد نظام التصويت النسبي كان يمثّل بحدّ ذاته تحديثاً وتطويراً للديموقراطية الانتخابية لولا أنّ هذا التفضيلي «المشؤوم» تكفّل باجتثاث هذه الخطوات الإصلاحية وجعلها ترتد على أعقابها إمعاناً في الأنانية من جهة، وفي انطواء الجماعة الطائفية على «النحن» التي تخصّها في الوقت نفسه.
لكن كيف يمكن أن يحمّل «الصوت التفضيلي» الشيء ونقيضه؟ تعزيز «الأنا» عند كل مرشّح، وتعزيز «النحن» في أهل الجماعة الواحدة؟
المشكلة ليست في «الصوت التفضيلي» بحدّ ذاته، بقدر ما هي في اجتماعه مع مبدأ «اللائحة المقفلة» من جهة، والقيد الطائفي من جهة ثانية.
مجرّد الانطلاق من مبدأ اللائحة المقفلة، التي لا يمكن شطب أي من الأسماء فيها أو زيادة اسم عليها، وضمن ضوابط القيد الطائفي، سيجعل من «الصوت التفضيلي» خياراً أكثر رجحاناً من أي خيار آخر. «الصوت التفضيلي» ليس بهذا المعنى «تشويهاً» للنظام النسبي، بل نتيجة «تلاؤمية»، إن لم تكن «سببية» تماماً، لاعتماده على أساس اللائحة المقفلة، والدوائر المتعددة، والقيد الطائفي.
وإذا كان من هو أولى باللائمة من «الصوت التفضيلي» فإنه نظام «اللائحة المقفلة» التي يشكل «الصوت التفضيلي» نتيجة لها، وتيسيراً ومتنفساً في إطارها وليس أسوأ ما فيها. فنظام اللائحة المقفلة يحتاج إلى نظام أحزاب اتخابية، وهذا غير قائم في لبنان، والحزبيات الأوليغا ـ شعبية الطائفية لا يمكن أن تتحول إلى أحزاب انتخابية لمجرّد أنها تستعين بخبراء انتخابيين.
حزبيات لا ديموقراطية انتخابية داخلية تداولية حقيقية فيها من الصعوبة بمكان تخيّلها مداميك في نظام انتخابي قابل للحياة على أساس النسبية.
جرى التسويق بدلاً من ذلك طيلة سنوات، ومن جانب كلّ التقليعات «الإصلاحية» في البلد، بأنّ الخطو باتجاه النسبية في الانتخابات هو الكفيل بحدّ ذاته في «تفريخ» نظام أحزاب انتخابية، فكانت النتيجة أن التفريخ الوحيد في هذا الإطار هو ظاهرة «سوشل ميديائية» كـ»حزب سبعة» وهي مجموعة كفالة لإعلاميين يعاد تظهيرهم كمرشحين برلمانيين. هذا الحزب، مجهول القوام السوسيولوجي من دون أن يكون مع ذلك حزباً سرّياً، يصنّف نفسه كـ»مجتمع مدني ضدّ السياسيين»، في حين أنّ أبسط تعريف للحزب السياسي في ديموقراطية تقوم على التعددية الحزبية، أنّه حزب يناضل من أجل الوصول إلى السلطة.
لم تراع حركة الانتقال من النظام الأكثري إلى النسبي الحدّ الأدنى مما كان ينبغي مراعاته للانتقال نحو نظام أحزاب انتخابية في لبنان، لكنها اعتمدت مع هذا مبدأ «اللائحة المقفلة» الذي يشترط الحد الأقصى من اعتماد نظام الأحزاب، في حين تتخفف القوانين النسبية من هذا العبء في بلدان كثيرة لها في نظام الأحزاب باع أكثر تجذراً بكثير مما هو قائم في لبنان، ولأحزابها ديموقراطية داخلية تعبّر عن نفسها تحديداً في باب اختيار مرشحيها إلى الانتخابات المختلفة، فيما يتكفّل بذلك في الحزبيات اللبنانية كلّ من قائد الحزب والخبير الانتخابي إلى جانبه، الذي هو بهذا المعنى أشبه ما يكون بـ«قارىء بخت» مسلّح بالأرقام.
مقارنة بمبدأ اللائحة المقفلة يصبح الصوت التفضيلي هو الحركة، الحيوية، المتنفّس، وهو المدخل لإعادة تسييس الاستحقاق، ولحجب الرؤية المسبقة عن النتائج، وهذا أيضاً مرغوب، في المطلق، في الديموقراطية. يتيح القانون الانتخابي استخدام الصوت التفضيلي من ضمن اللائحة التي يقع عليها اختيار الناخب، أو عدم استخدامه، ويمكن للناخب أن يكتفي بتصويت التفضيل هذا فيحتسب أنّه صوّت للائحة ككل في الوقت نفسه أيضاً.
هل من بديل واقعي عن هذا في ظل نظام نسبي متعدد الدوائر المتفاوتة الأحجام، بل المتفاوتة بشكل حاد في الحاصل الانتخابي الذي يجب على اللائحة أن تؤمنه في كل دائرة، ويعتمد اللائحة المقفلة والقيد الطائفي؟ في نظام أحزاب يمكن تخيل تسلسل ترقيمي للناخبين حسب الأفضلية، لكن من دون هكذا نظام، ومع اشتراط لائحة مقفلة في الوقت ذاته، كيف يمكن فرض هذا التسلسل إن لم يكن بإتاحة المجال للناخب للتفضيل بنفسه، في هذا الحيّز الضئيل المعطى له للرفع من منسوب «تسييس» الاستحقاق، والذي يفرض على الماكنات الانتخابية للوائح المختلفة في الوقت نفسه تنافساً حيوياً يتعلّق بخطة وشكل توزّع الأصوات التفضيلية ضمن اللائحة الواحدة، بشكل يحاكي خطة نشر الجنود في معركة.
بدلاً من تطوير معزوفة «نظام نسبي من دون صوت تفضيلي»، يمكن اقتراح العكس: الاكتفاء بمبدأ الصوت التفضيلي وحده، من دون نظام نسبي، فهو بحد ذاته قانون انتخابي كامل الدسم، قانون الصوت الواحد للناخب الواحد.
أما إذا كان «التعلّق بالنسبية» لا يحتمل مثل هذا التقهقر نحو «النظام الأكثري» الذي تسود تقليعة في النخب «المدنية» و«الحزبية» اللبنانية على حد سواء على اعتباره «اولد فاشن»، فربّما يكون الأفضل، خصوصاً لبنانياً، اعتماد الطريقة المعتمدة في سويسرا، لكن خصوصاً في دوقية لوكسمبورغ.
في الخريف المقبل، تنتظر هذه الدوقية انتخابات تشريعية، ومع اقتراب موعدها يتجدّد النقاش ضمنها حول وجاهة النظام الانتخابي المعتمد. هو نظام انتخابي نسبي إلا أنه يتيح المجال لما يسمى «الباناشاج». تنقسم الدوقية إلى أربع دوائر انتخابية، وفي كل منها للناخب عدد أصوات بعدد المقاعد، ويمكنه أن يمنح صوتين لأحد المرشحين على اللائحة التي يختارها (= صوت تفضيلي)، لكنه يمكنه أيضاً أن يمنح صوته التفضيلي لمرشح يريده من لائحة منافسة لتلك التي ينتخبها كلائحة! لنتخيل للحظة، لو جرى في الأيام المقبلة إقرار تعديل على هذا المنوال لبنانياً، وصار يمكنك أن تمنح صوتك التفضيليّ لشخص من خارج اللائحة التي ستصوت لها كلائحة! ثورة!! «الباناشاج» الذي يحتج عدد من اللوكمسبورغيين عليه بدعوى أنّه يعزّز المحافظة السياسية والعطالة، سيكون كفيلاً بضخ حيوية مفقودة إلى المشهد الانتخابي لبنانيا، الذي يفتقد الحيوية لأسباب عديدة من بينها اعتماد اللائحة المقفلة، رغم كل الصخب والأعصاب المحمومة وقرّاء البخت والعرّافين!

٭ كاتب لبناني

دفاعاً عن الصوت التفضيلي وفضل «الباناشاج»

وسام سعادة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left