الحركة الطلابية المصرية والتحول الديمقراطي بين الملكية والجمهورية

د. محمد عبد الرحمن عريف

Apr 24, 2018

كانت البداية مع مجيء الحملة الفرنسية ونمو الشعور القومي والديني تجاه هذا المحتل الغاصب، حيث شهدت القاهرة على وجه الخصوص العديد من مظاهر إضراب طلاب الأزهر عن الدراسة، والخروج في وجه عساكر الفرنسيين. ومع نشأة الدولة الحديثة على يد محمد علي، وقيامه بتحديث نظام التعليم في مصر، والأخذ بنظام التعليم المدني ونشأة المدارس الحديثة قَل إلى حد ما دور طلاب الأزهر ليأخذ الريادة في ذلك طلاب المدارس «الأفندية الجدد»، لا سيما طلاب المدارس العليا.
لقد لعب الطلاب بشكل عام دورًا مهمًا في الثورة العرابية سواء طلاب المدارس العليا «الأفندية المُطربشين» أو طلاب الأزهر «المجاورين المُعمّمِين». وبدأ دور الطلاب وصعود الحركة الطلابية من جديد مع نهايات القرن التاسع عشر مع وجود خديوي شاب هو عباس حلمي الثاني حاول أن يستعيد نفوذه في مصر أمام سطوة المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر. ومع ظهور مصطفى كامل خريج مدرسة الحقوق عادت الروح من جديد للحركة الطلابية في مصر، وتم التعبير عن ذلك في ظهور نادي المدارس العليا، والدور الكبير الذي لعبه هؤلاء الطلاب، حيث خرج الطلاب في مظاهرات مطالبين بالدستور والجلاء.
هنا تصل الحركة الطلابية إلى ذروتها الوطنية في ثورة 19. ويرصد عبد الرحمن الرافعي في كتابه الشهير «ثورة 19» انطلاق الشرارة الأولى للثورة من خلال طلاب المدارس العليا ولا سيما مدرسة الحقوق، وانتشار روح الثورة إلى المدارس الثانوية، بل وانضمام مدارس البنات إلى المظاهرات حيث شهدت مصر خروج الطالبات غير عابئات ببنادق الانكليز، كما شارك في هذه الثورة الطلاب بهوية قومية وبدون انتماءات دينية، مسلمون وأقباط رفعوا جميعًا شعار «يحيا الهلال مع الصليب». وأيضًا في الكفاح السري في ثورة 19، حيث تشكلت المجموعات التي تقوم باغتيال عساكر الانكليز وعملائهم من المصريين.
في قضية عزل طه حسين، التقت عزيمة الأساتذة مع الطلاب على ضرورة عودة طه حسين إلى العمادة، وتوقفت الدراسة وعم الاضطراب الجامعة. ولجأ إسماعيل صدقي إلى الحل الأمني الذي لا يعد كافيًا لحل هذه الأمور المعقدة والصعبة. ففي التاسع من آذار/ مارس 1932 أرسل إسماعيل صدقي قوات البوليس إلى داخل الحرم الجامعي لفض اعتصام الطلاب. وهنا وجد أحمد لطفي السيد رئيس الجامعة نفسه في موقف حرج، إذ كانت تربطه صداقة وطيدة بإسماعيل صدقي رئيس الوزراء وفي الوقت نفسه يعتبر طه حسين تلميذه النجيب رغم وجود الخلافات بينهما يومذاك. ولم يتردد لطفي السيد في تقديم استقالته احتجاجًا على الإجراءات القمعية لحكومة صدقي واعتدائه على استقلال الجامعة، وهكذا أصبح 9 مارس/آذار يمثل في ذاكرة الجامعة عيدًا لاستقلالها.
لقد تأرجح توازن هيكل النظام السياسي في تلك الفترة بين قوى ثلاث رئيسية في النظام السياسي هي الانكليز والملك والوفد، ومثّل نمط هيكل النظام السياسي ومواقف كل قوة من تلك القوى فرصة دافعة لنشوء الحركة الطلابية؛ حيث تجاهل الانكليز في تلك الفترة المطالب الوطنية للمصريين التي تمثلت في المطلب الأول لثورة 1919 وهو الاستقلال التام، أما القوة الثانية المتمثلة في الملك فؤاد ثم فاروق من بعده منذ يوليو/ تموز1936 فقد كانا يعملان من خلال نظام استبدادي متعسف يبسط فيه كل منهما سيطرته ونفوذه؛ حيث كانت الملكية المصرية بعيدة عن الدستورية، وتمكنت في كثير من الأحيان من شل الدستور وتعطيله، وقد كان الوفد هو القوة الثالثة في هيكل النظام السياسي في تلك الفترة.

الضعف

عليه يمكن القول بأن الضعف المطرد للنظام السياسي المصري كان الفرصة التي أتاحت وهيأت لنشوء وبروز قوى جديدة من قلب الطبقة الوسطة ذات الفعالية السياسية والتي تمتلك مكونا حيويا وفاعلا في أرضية الحركة السياسية المصرية وهو الجسد الطلابي من أبناء الطبقة الوسطى. فقد نشطت الكتلة الطلابية في تلك الفترة وكانت دوافعها للتحرك السياسي ذات أبعاد مختلفة. فتارة يتظاهرون لتغيير وزارة، أو ضد تصريح لوزير مصري أو أجنبي، إلا أن المحرك الرئيسي للجسد الطلابي تمثل دائماً في النضال الوطني من أجل الاستقلال وما ارتبط به من تطور على المستوى الاجتماعي والسياسي بشكل عام.
من بين أهم الفرص التي أتاحها التغير في هيكل النظام السياسي المصري وأتاح تطور الحركة الطلابية كان تمكن الحركة الطلابية من تضمين تيارات سياسية وحزبية مختلفة وتشكيل جبهة وطنية موحدة منها ما وفر فرص النجاح والفعالية لحصولهم بذلك على مقومات تنظيمية وموارد وتميز نوعي وكتلة عددية.
عليه تنوع النشاط الطلابي واتسعت حركته لتضمينه تيارات عدة منها الطلاب الوفديون والإخوان المسلمين والشيوعيون ومصر الفتاة الذي مثل أول تنظيم سياسي وطني يقيمه ويتزعمه طلاب وخريجون شبان وركز رؤيته على الدور الطلابي في النضال الوطني وتحقيق الاستقلال. ومثلت الجامعات كذلك البيئة الحاضنة لنشوء تجمعات طلابية ثانوية منها من كان في هيئة تنظيمات سياسية، والبعض الآخر كان له اهتمامات نوعية أخرى دينية وفنية ورياضية وغيرها إلا أن أياً منها لم يكن ببعيد عن ممارسة النشاط السياسي. ومثل طلاب المدارس الثانوية والمعاهد الأزهرية عنصراً دافعاً لنجاح الحركة الطلابية بل كان طلاب المدارس الثانوية أول من بدأ النشاط الطلابي السياسي في مصر قبل نشـأة الجامـعات.

تحديات

لتتبع هيكل الفرص والتحديات المتاحة للحركة الطلابية في ظل نظام الثورة وحتى نهاية العهد الناصري لمعرفة ما أحدثه التغير في هيكل النظام السياسي المصري جراء حركة يوليو/تموز من فرص أو تحديات مواجهة للحركة الطلابية. فقد جاء ازدياد أعداد الملتحقين بالمدارس في كل مراحلها وكذلك الجامعات والمعاهد؛ إلا أنه لم يقابل ذلك التوسع الكمي تقدم نوعي في التعليم بل تدهورت في بعض الأحوال. غير أن ما مثل فرصة للحركة الطلابية هو كونها وجدت طفرة في الأعداد الطلابية في الجامعات بشكل متزايد عما كانت عليه في الفترة السابق تناولها والتي فاقت فيها أعداد طلاب المدارس وتوسعهم العددي والنوعي للحركة الطلابية في الجامعات، مما يجعلنا ننظر إليها كبداية لتجذر الجسد الطلابي في الجامعات وتغير يحسب لهيكل النظام السياسي الثوري أمام الطبقة الوسطى التي خرجت منها القوى الطلابية.
من أبرز التحديات المواجهة للحركة الطلابية في تلك الفترة هي محاولة نظام الثورة السيطرة على الجامعات سياسيًا وتعليميًا وإداريًا، وقد بدأ في ذلك تصادم لتغير هيكل النظام السياسي الذي أصبح عسكريًا تحكمه ميول أوتوقراطية مع الميول الليبرالية للجامعيين. وعليه فقد بدأت تغييرات هيكل النظام الثوري تحدث نوعًا من الديناميكية في التجاذب بين ردود الأفعال بين النظام والحركة الطلابية بين تحديات قد تدفع بالحركة الطلابية للمواجهة والصدام المباشر مع النظام، وأخرى تسعى للاحتواء السياسي للحركة الطلابية ومحاولة تضمينها وكسب تبعيتها للنظام إلا أن تلك العلاقة المتجاذب طرفاها لم تستطع تقويض الحركة الطلابية في الفترة الناصرية.
شكلت الجامعة في تلك الفترة بكل عناصرها من طلاب وأساتذة أحد أبرز مراكز المعارضة للنظام العسكري؛ حيث طالبت بإلغاء الأحكام العرفية وحل مجلس الثورة. وطرد عبد الناصر أساتذة الجامعة لأول مرة. كان الأمر كذلك بالنسبة للطلاب حيث فشل نظام الضباط الأحرار في احتواء الطلاب ودمجهم في داخل نظامهم غير المكتمل في إطاره الأيديولوجي، وذلك رغم تأييد الجسد الطلابي لذلك النظام عقب نجاح الثورة مباشرة. ويأتي التراجع في ذلك التأييد كنتيجة للانقسام حول مسألة الديمقراطية في مجلس الثورة الأمر الذي قاد لانحسار تأييد الطلبة للقيادة العسكرية.

المواجهة

تعد المواجهة بين النظام وطلاب الإخوان المسلمين بداية النظام لتقويض الحركة الطلابية بدلاً من احتوائها. ففي 14 كانون الثاني/ يناير 1954 أعلن مجلس الثورة أن جماعة الإخوان المسلمين حزب سياسي يتعين حله بعد أن كان النظام السياسي يعاملهم كجماعة دينية، كما بدأت الصدامات الأمنية بين الشرطة والطلاب عند نشوب الإضرابات الطلابية المعارضة للنظام وأغلقت الجامعات ثم استؤنفت تدريجيًا بدخول الحرس الجامعي وممارسة السياسات الأمنية والتضييق على النشاط السياسي للطلاب. وعليه فقد مثلت مواجهة 1954 بداية الركود للحركة الطلابية ونشاطها السياسي، وانضوت الحركة الطلابية حتى المؤيد منها للسياسات الإصلاحية الاجتماعية لنظام الثورة داخل التنظيمات السياسية الرسمية وانسحب باقي الجسد الطلابي غير القادر على التكيف مع النظام.
من أبرز ممارسات النظام السياسي في تلك الفترة محاولة الهيمنة على الحركة الطلابية بتقويض الكيانات التنظيمية التي قد تتيح وتهيئ بيئة مناسبة للجسد الطلابي للتنظيم وممارسة النشاط السياسي. لذا قام النظام بتفريغ اتحاد الطلبة من جميع الإمكانات التي قد تتيح له فرصة ممارسة نشاط ذي محتوى سياسي وديني، وقصره على ممارسة الأنشطة ذات الطابع الاجتماعي والترفيهي كما نصت لائحة الاتحاد التي صدرت بقرار جمهوري خاص عام 58/1959. كذلك فرضت الأحداث السياسية التي مر بها النظام السياسي فرصة لمنح الحركة الطلابية هامش حركة للعودة للمجال السياسي مثلما حدث عقب هزيمة 1967 وأثناء المرحلة الأولى من انتفاضة فبراير/شباط 1968، ولكن سرعان ما انحسر ذلك الهامش في المرحلة الثانية من الانتفاضة في نوفمبر/تشرين الثاني 1968. كما شهدت تلك الفترة قيام النظام بتجنيد الطلاب الجدد وضمهم لتنظيمه السري.
بتتبع أسباب فشل الحركة الطلابية من بعد ناصر ونشير إلى ذلك الفشل بكونه لا يعني ذلك الركود الذي أصاب الحركة الطلابية وحسب منذ أواخر عهد ناصر؛ بل البدء في تأسيس النظام لخطاب منطقي عن عدم جدارة الانخراط السياسي للحركة الطلابية. بتتبع التغير في هيكل النظام السياسي بداية عهد السادات نجده جاء بدعوة لتصحيح المسار فيما يتعلق بالحريات السياسية، وانعكس ذلك على نشاط الحركة الطلابية داخل الجامعات وتنظيم المؤتمرات والندوات والمجلات وتأسيس الأسر، وانشغلت بقضيتي الديمقراطية وتحرير الأراضي.
وعاد مجددا انحسار هامش الحركة الطلابية منذ مواجهتها الصدامية مع النظام في انتفاضة يناير/كانون الثاني 1972 كرد فعل لخطاب السادات عن تراجعه أن يكون عام 1971 عام الحسم مع إسرائيل. وكان لتداعيات تلك الانتفاضة الدفع بالعودة مرة أخرى لقمع الحركة الطلابية ومداهمة الأمن المركزي للجامعات والقبض على الطلاب. وبدأ السادات في اتباع خطاب سياسي يبرر استخدام القوة في مواجهة الحركة الطلابية والاستدلال بنهج شارل ديغول تجاه الحركة الطلابية في فرنسا عام 1968 واقتحام الأمن للجامعات الفرنـسية بعـد سبـعة أيام.
من بين أبرز التحديات المسببة لفشل الحركة الطلابية أن كل جامعة أصبح يسيطر عليها تيار سياسي، فالتيار الماركسي يسود في جامعة القاهرة، والناصريون يهيمنون على اتحاد طلاب عين شمس وغيرها من التمايزات داخل الجسد الطلابي مما منح النظام فرصة لاستقطاب مؤيدين له من داخل الحركة الطلابية.

كاتب مصري

الحركة الطلابية المصرية والتحول الديمقراطي بين الملكية والجمهورية

د. محمد عبد الرحمن عريف

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left