الفاشي الزاني

بلال فضل

Apr 24, 2018

حين بلغ الديكتاتور الإيطالي بنيتو موسوليني الرابعة والأربعين من عمره، كتب في يومياته قائلا: «المرأة بالنسبة لي هي جملة اعتراضية في حياتي المليئة بالمشاغل، اليوم ليس لديّ وقت لأضع علامات ترقيم في حياتي أكثر من العمل، ولكن في الماضي، حين كنت حرا لألتقط وأختار أسلوبي في الكتابة، دائما ما وجدت أن الجملة الاعتراضية هي الطريقة السارة للترقيم».
لم يكن ما كتبه الزعيم الفاشيّ دقيقا، لأن نهمه بالنساء تضاعف مع وصوله إلى السلطة، خاصة بعد أن أصبح معبودا حقيقيا لملايين الإيطاليات، اللواتي لم يرين فيه المثل الأعلى والأب القائد، بل رأين فيه فتى الأحلام وفارس الخيالات الجامحة، ولذلك لم يكن يجد موسوليني صعوبة في إقناع النساء اللواتي يحضرن إلى مكتبه لتقديم التماسات، بأن يمارس معهن الجنس على مكتبه أو على مقعده المفضل بجوار النافذة أو أحيانا على الأرض.
في فصل يحمل عنوان (الفاشي الزاني)، يرجح مؤلفو كتاب «الحياة الجنسية الخاصة بالمشاهير» أن سعي موسوليني الأهوج نحو الحرب ورغبته في التوسع وتحالفه المشؤوم مع هتلر، كلها كانت مضاعفات لإصابته بمرض السيفلس الذي التقطه أثناء وجوده في مدينة تولميزو، بعد علاقته بلويجيا صاحبة المنزل الذي كان يقيم فيه، وأنه ربما عانى غما شديدا من إصابته بالمرض، ورغم أن صديقا له أقنعه بصعوبة رؤية طبيب، إلا أنه رغم محاولة العلاج، لم يُشف أبدا من مرضه، وهو ما سبّب له تلفا في المخ، فضلا عن أن تداعيات العلاج فاقمت من شعوره بجنون العظمة والمغالاة في العواطف التي أثّرت على قرارته، ودفعت به وببلاده نحو نفق مظلم.
لا يقدم الكتاب سيرة كاملة لحياة موسوليني، لكنه يكتفي ببعض الإشارات المهمة عن شخصيته، كان موسوليني غريب الأطوار منذ البداية، في طفولته طُرِد من مدرستين ابتدائيتين بعد أن هاجم زملاءه بمطواة، لكنه على مستوى التحصيل الدراسي كان ولدا ذكيا، ولذلك نجح في تحقيق هدفه بأن يكون معلما كوالدته، وحين بلغ الثامنة عشرة عمل معلما في قرية صغيرة قرب بلدته في شمال إيطاليا، إلا أن سمعته كشاب ماجن جعلته يخسر عقده مع المدرسة، مع بلوغه سن السادسة والعشرين كان قد سُجن ست مرات لتحريضه على العنف ضد السلطة، وطُرِد من الحزب الاشتراكي بسبب تأييده للحرب ضد النمسا، وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى تطوع في الجيش وأصيب بشظية قنبلة، فعاد إلى بلدته ثانية وهو يقلد في سيره مشية الوزّة، ليؤسس بعدها الحزب الفاشي لمحاربة الاشتراكية والبلشفية، ويجمع أكثر من 300 ألف نصير مخلص، ومع حلول عام 1922 أصبح الحزب الفاشي قويا لدرجة دفعت الملك فيكتور إيمانويل الثالث إلى تكليف موسوليني برئاسة الوزراء، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، ليصبح أصغر رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا.
رغم كل ما أسبغه عليه أنصاره من قوى أسطورية، كان موسوليني يرتعب من رؤية المظلات المفتوحة، ويشعر بالإغماء من رائحة البخور، ويصيبه منظر الجثث بالغثيان، ورغم كل خطبه المشجعة على القتال والغزو، كان يرتعب إذا رأى أي أعرج أو أحدب، ولم يكن يجرؤ على الذهاب إلى أي مكان بدون أن يحمل في جيبه تمثالا صغيرا للقديس سانت أنطونيو بارئ المرضى، وكان نادرا ما يغتسل أو يغير قميصه، وقد أزعج ملكة إيطاليا إيلينا مرة حين حضر استقبالا وذقنه غير حليق منذ يومين، وكان في الوقت نفسه معجبا بلوريل وهاردي ويشاهد أفلامهما كل ليلة. أدخلته عاهرة إلى عالم الجنس حين كان في السادسة عشرة، في الثامنة عشرة طعن امرأة بمطواة كان يحملها دائما لأنها ضحكت خلال علاقتهما الحميمة، وحين أصبحت لديه سلطة تجعله قادرا على إكراه النساء بقضاء الليل إلى جانبه، كنّ يخشين من الضحك على منظر قميص نومه، لكي لا يتعرضن للضرب، كان ينظر إلى النساء كغنائم، ولم يكن لديه طلبات خاصة فيهن سوى أن يكنّ ممتلئات، وألا يتعطّرن، وكان تحقيق طلبيه متاحا بسهولة بين فتيات الريف الإيطاليات.
كانت شريكته الأولى الثابتة أنجيليكا بالابانوف، وهي ناشطة اشتراكية روسية تكبره بأربع عشرة سنة، لكنها فقدت الاهتمام بالشاب المغرور ذي التسعة عشر عاما، حين شكّت في إخلاصه للاشتراكية، وحين عمل معلما في بلدة تولميزو، أقام علاقة مع صاحبة المنزل المتزوجة، التي كانت غيورة لدرجة أنها أحرقت صفحات من دفتر ملاحظات كتب فيها أسماء النساء اللواتي قرأ عنهن في كتب التاريخ، وفي عام 1909 وقع في غرام تلميذة له كانت تعمل ساقية في بار والده، اسمها راشيل غويدي، ولأنه كان يكره الزواج، اقترح عليها أن يعيشا معا بدون زواج، وحين رفضت والدتها أخرج مسدسا وقال لها: «هل ترين هذا المسدس سنيورا غويدي؟ إن فيه ست رصاصات، إذا رفضتني راشيل، ستكون واحدة لراشيل وخمس رصاصات لي، لك أن تختاري»، فوافقت الأم على العلاقة، لم يتزوج راشيل إلا بعد مرور سنوات على الحرب العالمية الأولى، ولأسباب عملية، لأن واحدة من عشيقاته تدعى آيدا داسلر أنجبت منه طفلا، وراحت تدعو نفسها علنا سينيورا موسوليني، وتراكمت فواتيرها التي استخدمت فيها ذلك الاسم، لذلك كان زواج الزعيم براشيل مهما لفصل نفسه عن تلك العشيقة المثيرة للمشاكل، والتي توفيت في مصحة للأمراض العقلية عام 1937، بينما قُتل ابنها بينيتو ألينو في الحرب العالمية الثانية.
كان موسوليني متعودا على ممارسة العنف مع نسائه، تكتب الصحافية الفرنسية ماغدا فونتان أن أول فعل من أفعال التودد التي لجأ إليها موسوليني هو خنقها بوشاح على سبيل المزاح، كان يضرب زوجته أحيانا، ويرمي الأشياء في وجه ابنته إدا المحببة إلى قلبه، وظلت راشيل تتحمله حتى عاد مرة إلى منزله ثملا وبدأ بتحطيم بعض قطع الأثاث، فحذرته راشيل من أنه لو جاء ثانية في هذه الحالة سوف تقتله، فتوقف بعدها عن السُّكر، لأنه أدرك أنها كانت تعني ما تقوله، كانت راشيل تسمع أخبار علاقات الدوتشي الغرامية وتغض الطرف، لكنها لم تشعر بالضيق إلا من علاقته الطويلة بعشيقته المفضلة كلارا بياتشي، السمراء الجميلة التي دامت علاقته بها عشر سنوات، ورغم أنه أحبها بشغف، إلا أنه التزم بالبقاء مع راشيل وعائلته، وهو ما تقبلته كلارا التي صبّرت نفسها بالشقق الفاخرة والحياة المترفة التي وفرّها لها موسوليني، لتشهد واحدة من أعشاش حبهما مواجهة بين راشيل وكلارا، سخرت فيها راشيل من الرفاهية التي أنعم بها زوجها على عاهرته، قبل أن تقول لها في نوبة غضب «ذات يوم سيأخذونك إلى بيزال لوريتو»، إشارة إلى منطقة تتقاعد فيها المومسات العاجزات بعد خروجهن من المهنة.
لم تكن راشيل تدرك أن ما قالته كان نبوءة دقيقة، لأن بيزال لوريتو كان المكان الذي تم فيه تعليق جسد كلارا والدوتشي بعد إعدامهما، وكان العشيقان قد أمضيا ليلتهما الأخيرة في بيت ريفي، ورغم أنها كانت تملك فرصة للنجاة، إلا أنها أصرت على الموت مع حبيبها، بل ألقت نفسها أمامه في لحظة إطلاق الرصاص عليها، ليكون ذلك مشهدهما الغرامي الأخير.

ـ «الحياة الجنسية الخاصة بالمشاهير» ـ إيرفنغ والاس وآخرين ـ ترجمة محمد حنانا ـ الدار العربية للعلوم

٭ كاتب مصري

الفاشي الزاني

بلال فضل

- -

1 COMMENT

  1. لقد حاول هذ المخلوق ان يقلد
    أباطرة الروم في الهوس والتوسع
    لاكن الوقت والزمان مختلفين
    الم يكن يعرف ان الدنيا توسعت
    وبلدان أخرى كبيرة في الوزن والحجم ضهرت،
    لاكن كما في سياق الكاتب أنه أصيب
    بمرض السفلس وكذا امبراطوره،القديم
    لاكن الشي المحير انه لا زال الكثير من وامثاله كثير

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left