فلسطين و«فرع فلسطين»

الياس خوري

Apr 24, 2018

محمد أيوب، 15 سنة، ملقى في العراء، دمه النازف يغسل حجراً قرب رأسه الدامي، عيناه مفتوحتان، وجسده يتلاشى فوق أرض لا ترتوي.
ترتسم فلسطين في عيني هذا الفتى الغزاوي المفتوحتين على الموت خريطةً للألم، ففي الحصار، وأمام جدران العنصرية الإسرائيلية، لم يتبق للفلسطينيات والفلسطينيين من خيار سوى أن يفتحوا عيونهم على… الموت!
وحكاية فلسطين مع الاشتباك اليومي لها عشرات المداخل، فاليوم نشهد مقتلة غزة، مثلما شهدنا بالأمس مقتلة القدس، ومجزرة الخليل وجنين… وغداً سوف نشهد مآسي أخرى في مسلسل نكبتنا المستمرة، ومحاولات الفلسطينيين البقاء كتعبير عن مقاومتهم لهذا المسار النكبوي.
لكن فلسطين امتدت إلى خارج حدودها الجغرافية مع قوافل اللاجئين المطرودين من بلادهم، والذين تاهوا ولا يزالون تائهين في بلادهم وفي المنافي.
أحد أكثر الظواهر استفزازاً هو إصرار الأنظمة العربية على مد يدها إلى ما تبقى من أرض فلسطين وضمها من أجل تكبير أحجام الدويلات والدول، أو من أجل تأكيد النفوذ السياسي الإقليمي.
ومَن لم يضم أرضاً فلسطينية، تمت خسارتها على أي حال في حرب الأيام الستة، قرر أن يصادر القضية ويجعلها في خدمته وخدمة سلطته. هكذا، ومع انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة نشأت منظمات تابعة لبعض الدول العربية، وجرت محاولات لمصادرة قضية فلسطين، لم تنته فصولها.
ولعل التعبير الأبرز عن نزعة المصادرة هذه، هو أحد فروع المخابرات العسكرية السورية، الفرع 253 أو «فرع فلسطين».
فالنظام الاستبدادي السوري، لم يكتف بإنشاء منظمته الفدائية الخاصة، التي اشتهر قائدها زهير محسن بلقب زهير العجمي (نسبة إلى السجاد العجمي)، لأن منظمته كانت رائدة ظاهرة النهب في الحرب اللبنانية، وهي الظاهرة التي ستعم المدن والبلدات السورية تحت اسم التعفيش. لم يكتف النظام بمنظمته، بل لعب دوراً أساسياً في محاولة شق حركة فتح، كما أسهم بشكل فاعل في إسقاط مخيم تل الزعتر، قبل أن يقرر احتضان إيلي حبيقة، الذي عرف بصفته أحد أبطال مذبحة شاتيلا وصبرا.
كل هذا لا يقارن بالإنجاز الكبير الذي إسمه «فرع فلسطين|»، وهو أحد أكثر فروع المخابرات العسكرية ترهيباً، في دهاليزه اختفى مئات الفدائيين الفلسطينيين، وفي أقبيته عاش ألوف السوريين موتهم تعذيباً وقهراً.
ولأن أيديولوجية النظام «القومي» جعلته لا يميز بين السوريين والفلسطينيين، فقد قام بتحويل هذا الفرع إلى نموذج للمساواة بين الشعبين في امتهان الأجساد والأرواح. إنه المعتقل الذي يصير فيه عواء الإنسان هو الوسيلة الوحيدة للتعبير، كما كتب مالك دغستاني في مقاله «عواء الرجل الأوروبي في فرع فلسطين» (الجمهورية 5 أيلول/سبتمبر 2017).
كي نفهم مأساة مخيم اليرموك، التي تشكل الفصل الأخير من مأساة الغوطة، علينا أن نقرأ في كتاب الجريمة الذي صنعه الفرع 253.
يتألف «فرع فلسطين» من ثلاث طبقات، ويقع على طريق المطار مقابل حي القزاز، وهو فرع نشأ أساساً لملاحقة الفلسطينيين، بحجة متابعة أنشطة العدو الإسرائيلي! لكن نشاطاته عرفت توسعاً كبيراً، فصار مختصاً بملاحقة المعارضين السوريين، ولعب دوراً أساسياً في احتفالات التعذيب التي أقامها النظام للناشطين السوريين منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية عام 2011.
المسألة التي تَميّز بها هذا الفرع، الذي تأسس قي عهد حافظ الأسد، هو أنه كان رائد نوع من التعذيب هو التعذيب الجنسي، من دون أن يهمل أشكال التعذيب الأخرى.
وصار مجرد ذكر إسم الفرع يثير الرعب في النفوس.
ما العلاقة بين مأساة اليرموك وأنشطة الفرع 253؟
يأتي اليوم من يقول أن ماساة اليرموك هي جزء من ضريبة الموت والتهجير التي دفعتها المدن السورية ثمناً لثورة الحرية التي اجتمع على قتلها جميع بغاة الأرض، ولم تستطع أن تصنع قيادة وطنية تجنبها السقوط في شراك أنظمة البؤس النفطية العربية.
وهذا صحيح، ومن هنا تأتي العلاقة بالفرع 253.
فكما لم يُميّز الفرع بين سوري وفلسطيني، فإن النظام في تدميره المنهجي للمخيم لم يميز بينه وبين مدن الغوطة وبلداتها.
كل شيء يجب أن يُدمر، كي يتعلم سكان سوريا بلاغة درس العبودية.
لا أريد أن أسأل عن دور فصائل منظمة التحرير، لأن الجواب بديهي، فالمنظمة والفصائل الفلسطينية المختلفة لا تملك في سوريا من أمرها شيئاً، وخصوصاً بعد التخلي شبه الرسمي عن الشتات، ركضاً وراء وهم السلام.
ولن نسأل عن داعش، وكيف استطاعت إختراق المخيم والدوس عليه، ولماذا لا تزال داعش هنا، ومن سمح لها بالدخول، فهو سؤال مرتبط بكل هذه الفقاعة الإسلامية المسلحة التي تناوبت مع النظام على تدمير إرادة الشعب السوري وحلمه بالحرية.
أريد أن أقرأ مأساة اليرموك بصفتها جزءاً من النكبة الفلسطينية المستمرة من جهة، ووجهاً آخر لنكبة المشرق العربي بأنظمة الاستبداد، التي أعادته إلى ما قبل الاستقلال، من جهة ثانية.
فلسطين محتلة، لكن المشرق العربي بأسره بات أيضاً تحت الاحتلال من العراق إلى سوريا، تجول الجيوش الأجنبية في بلادنا وتقتل وتدمر كما تشاء، بينما يجلس الديكتاتور على شرفة قصره كي يتباهى ببطولات «فرع فلسطين».
«فرع فلسطين» افترس فلسطين وسوريا، وسلّم البلاد للمحتلين، ولم يترك خلفه سوى صدفة فارغة اسمها نظام الاستبداد.

فلسطين و«فرع فلسطين»

الياس خوري

- -

8 تعليقات

  1. زرت دمشق قبل 22 سنة وكنت مطالب بإحضار ورقة للجوازات من مخابرات فرع فلسطين للموافقة على سفري بالرغم من أنني لست سورياً أو فلسطينياً! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. سيدي العزير وصاحب القلم الحر الذي ينبع من المأساة العربية من القدس مروراً بيروت الي دمشق الإسلام ولن اقول عنها أنها دمشق العروبة فبغداد العز الذي ذهب بذهاب اهل الكرامه والأخلاق الحميدة واستوطنها المجرمين الطائفين كشقيقتها دمشق فهولاء القابعين في دمشق قتلوا الفلسطينيون باسم فلسطين وكان ذلك الانهم لا يريدونها بل ضحكوا على البسطاء من أجل أن يقول عنهم الناس أنهم دافعوا عن فلسطين وساعدوا المقاوله والممانعة من أجل اهداف خبيثة وهي الحكم والتحكم في العباد والبلاد فالتحية كل التحيه لك والقدس ولدمشق الاسلام عاصمة بني أمية والسلام

  3. انها الخدعة الكبرى التي اخترعها المقبور المجرم الأكبر حافظ الاسد والتي انطلت على العرب: ” جبهة الصمود والتصدي” و” الممانعة” لقد قام هذا المجرم بارتكاب اكبر الجرائم في حق الشعبين السوري والفلسطيني: مجزرة سجن تدمر، مجزرة حماة الكبرى، مجزرة حلب، .. ثم مجزرة تل الزعتر، وله ضلع في مجزرة صبرا وشاتيلا لان الجيش السوري كان يشهد المجزرة كالجيش الاسرائيلي دون ان يحرك ساكنا اي انه يوافق ضمنيا ثم ورث آلة القتل والتعذيب لوريثه المجرم ابن المجرم بشار الكيماوي ليكون اكثر اجراما وخيانة من أبيه. فهو الذي سمح لداعش الدخول الى مخيم اليرموك بعد أن اخرجهم من السجون. هذا الخائن الاكبر لسورية ولشعب سورية جلب كل زناة الارض ليغتصبوا سورية

  4. من قتل أكثر من الفلسطينيين … أسرائيل أم حافظ كوهين الأسد؟

  5. لقد قابلت كثير من الفلسطنيين السورين وجميعهم اجمع انا سوريا لم تشعرهم انهم ليس من اَهلها الأفضل التحدث عن دول الخليج والكويت ما فعلت

    • أخي حمود الفاخري, لاجريمة تلغي أخرى! وفي المقال حديث واضح عن جميع أنظمة الاستبداد العربية, فماهو المقصود بتعليقك.

  6. شكراً أخي الياس. وتستمر جرائم نظام الاسد وهو اليوم ينافس اسرائيل في طريقة تهجيرها للفلسطينيين.

    • في الثاني من إبريل ، أصدر النظام السوري القانون رقم 10. يخول القانون تشكيل وحدات إدارية محلية جديدة (محافظات ، مدن ، بلدات) يكلف بها تسجيل ملكية العقارات ضمن نطاق اختصاصها. بعد ذلك يُمنح مالكي الممتلكات الخاصة ثلاثين يومًا للتسجيل وتقديم إثبات الملكية. سيؤدي عدم القيام بذلك إلى مصادرة مكان الإقامة من قبل الدولة بدون تعويض.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left