أكثر الأسئلة إحراجا في الأردن

بسام البدارين

Apr 25, 2018

يمكن تسجيل قدر من الإشفاق على الذات بسبب حجم ونوعية الأسئلة التي أمطرني بها نخبة من المواطنين الأردنيين على هامش نقاش حواري في ندوة مغلقة.
يعلم الجميع بأن هوية السؤال عند المواطن الأردني في الندوات والحوارات والنقاشات العامة قومية وإقليمية وفي بعض الأحيان عالمية. هكذا كانت النقاشات وعلى هذا الأساس تطرح التساؤلات في الماضي ليس فقط لأن المجتمع الأردني شغوف بالمسألة القومية ومتابع هوسي للمسألة الإقليمية. ولكن أيضا لأن الحاجة لم تكن ملحة بالماضي للغرق في استفسارات وتساؤلات وطنية أو محلية، فنعمة الأمن والاستقرار كان يشعر بها الجميع والثقة بالدولة والمؤسسات كبيرة وعناوين الشرعية غير قابلة للاحتمالات، والإحساس مرتفع بالمسؤولية عند النخب قبل المواطن والثقة نسبيا متوفرة بطبقة من ممثلي شرائح المجتمع ورجال الدولة المحترفين القادرين على المناورة والمبادرة.
بكل حال تغيرت الأحوال اليوم والتعامل ولو بمنهجية رصدية بسيطة مع نوعية نحو 30 سؤالا وجهت إلي شخصيا خلال الصالون السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض يثبت بأن المواطن الأردني بدأ يكثر من طرح الأسئلة المحلية والوطنية.
يحدث ذلك لسبب فقد أقر رئيس مجلس النواب عاطف طراونة أمامي بأن ثقة المواطن الأردني مهتزة اليوم بجميع المؤسسات وهو أمر ليس سرا القول بأنه خارج مألوف الأردنيين حكومة وشعبا.
الأكثر حساسية هو ما يلي:
يقر كل المسؤولين الذين أقابلهم، بحكم المهنة، بأن طبقة الاستراتيجيين في الإدارة تختفي وتتلاشى لصالح طبقة نافذة من الموظفين التنفيذيين الذين لا يجدون بحكم الإيقاع السريع لمتطلبات الوظيفة الوقت أصلا للتحليل والتفكير وحتى التعمق. ذلك كان يحدث أحيانا في الماضي ولم يكن يشمل المعنيين من نخب التكنوقراط.
لكنه اليوم يشملهم فلا أحد يعرف بصورة محددة لماذا تنهار مهنية الخدمة العامة اليوم ولماذا يتراجع الأداء بكل الاتجاهات وهو مشهد حمال أوجه لأن غياب التركيز على الصورة الإيجابية لصالح السلبية أصبح مهمة يشارك في احتفالاتها الجميع.
صعب جدا الاعتماد على استنتاج يقول بنكران المنجزات في الحالة الداخلية الأردنية حيث العبثية والسلبية والتركيز الشديد على النصف الفارغ من الكأس ونخب مرتبكة تدير الأمور وتحترف إنتاج المزيد من المساحات السلبية.
تلك مهمة أخلاقية ووطنية لا تتعلق بالسلطة والحكومة فقط بقدر ما تتعلق بجميع الأردنيين وتراجع اتجاهات الانتماء والقلق العام جراء الأزمة الاقتصادية والمالية وغياب المطبخ على المنجز الحقيقي وعلى الهوية الوطنية الأردنية.
لا يكل الأردني من التذمر والضجر ويشتكي المسؤولون من تسليط الإعلام المحلي للأضواء على السلبية فقط فيما يمكنني القول مسترخيا بأن ما ينتجه الإعلام هو محصلة لكسل أدوات النخب واستثمارها لتداول المعطيات والمعلومات في إطار الشخصنة والشللية التي تجتاح الإدارة العامة.
ليس من السهل إطلاقا التوصل إلى استنتاج صارم وحاسم لتحديد خارطة المشكلات أو الأسباب التي أدت لانهزام الثقة بين المواطن الأردني وحكومته. أما إنكار وجود أزمة ثقة فهو الخيار الأسهل لموظفين يريدون الاسترسال في منافع الوظيفة في بعدها الشخصي أو المناطقي أو الجهوي فقط، ويفترضون بأن الأسهل من الإجابة المنطقية على التساؤلات المعلقة هو اللجوء إلى الإنكار والتخويف من المصارحة بالمشكلات. الأهم هو كمين السؤال الذي يتجول ويتحول إلى كائن حي ينمو ويتوسع ويزدهر. بمعنى ترك السؤال على مستوى الإدارة المحلية معلقا ينقله إلى مستويات أعمق وتجاهل الحكومة للإجابة بوضوح على المعطيات والاستفسارات ينقل المواطن السائل إلى توجيه الخطاب لمؤسسات أعمق في الإدارة .
تلك متتالية هندسية لم يعد من المنطقي ولا من الممكن تجاهلها لأن الأسئلة تتراكم وتتحول إلى أزمة وطنية عند الإصرار على تجاهلها.
أي قراءة سريعة في الـ 30 سؤالا المشار إليها التي طرحت ونتج عنها شعوري بالإشفاق على السائل والمسؤول تدلل على أزمة وكمين السؤال المقصودة .
في الندوة المشار إليها مع شريحة مواطنين قررت الانضمام إلى حزب معارض كانت الأسئلة موجعة وكبيرة جدا.
مثلا هل «نظامنا» مهدد؟ سؤال كبير كنت قد تمنيت أن لا يطرح أصلا لا أمامي ولا أمام غيري وهو سؤال أجبت عليه بالنفي وبقناعة حيث لا أعتقد بوجود مخاطر استراتيجية عميقة. لكن الأهم هو أن طرح مثل هذا السؤال أصلا على صحافي يتحدث مؤشر عميق ينبغي أن تتوقف عنده الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها. ومعناه البسيط أن الأردني العادي اليوم قلق على دولته وخائف عليها. وهذه مسالة ليس من الوطنية ولا الولاء ولا الانتماء تجاهلها.
ثمة أسئلة أخرى على شكل سلسلة من الكمائن التي تنتهي بمطبات عند الإجابة: كيف يتم إفراز النخبة؟ هل انقلبت مؤسسات العمق الإسرائيلي على الأردن؟ هل للأمير محمد بن سلمان دور في الداخل الأردني ؟ لماذا لا تستخدم الدولة الأردنية أوراق القوة التي لديها؟
في الأفق نفسه وفي جلسة لا تزيد عن ساعة ونصف زمنيا طرحت أسئلة أخرى لتدليل على نمو السؤال ككائن حي في ذهن المواطن الأردني: أيهما أقوى إذا ما أصبحت الأمور سيئة أكثر الدولة أم الفوضى؟ ماهي صلة مدينة العقبة بمشروعات البحر الأحمر؟ ما الذي يحول دون تشكيل كومة حقيقية؟ ما الذي تغير في الاستراتيجية الصهيونية تجاه الأردن؟ هل الخيار الأمني فقط هو الذي يدير كل شيء؟
من الصعب طبعا التعليق على الإجابات لكن المقصود هنا هو لفت النظر إلى حجم تلك الأسئلة وقراءة «الممحي» أما خلاصة الأسئلة فهو: هل يوجد من يقرأ «الممحي» أصلا في النخبة الحالية التي تدير الأمور؟

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

أكثر الأسئلة إحراجا في الأردن

بسام البدارين

- -

2 تعليقات

  1. العقول موجودة و المناهج الفكرية موجودة بل ان كثير من الافكار الاستراتيجية جاهزة و لكن المشكلة هل من مستجيب هل من طالب اصلا للافكار؟ هل من بيئة مفتوحة لتفاعل و تتطور الافكار؟ او بالاحرى اين تصنع الاستراتيجيات و في رأس من ؟؟
    انظر الى عشرات مراكز الدراسات و الابحاث في المجال السياسي و العسكري و الاقتصادي لدى العدو بينما لا تجد الا مركزا او جزء من مركز بالكاد في بلادنا.. لماذا؟ ما الفرق؟ هنا السؤال و الجواب

  2. السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ?
    هل الحكومه الحاليه اومن سيئتي مستعد لمواجهة المصاعب التي تحدث للوطن من الخارج والداخل وهل لديهم سبل للتطوير الذات .
    وكما هو معروف خدام الوطن منه وفيه هل لدينا كودار علا استعداد لمواجهة الحاظر والمستقبل
    انا باعتقادي وباعتقاد كل المثقفين انه بلدنا بكل صدق وبدون مجاملات 0 في احتمالية حتى المواجهه
    ولكن الهم الاكبر هو كيف تستطيع طيقه معينه في الصعود غير مباليه بكل مايحدث
    واذا حدث شي لا سمح الله هم اول من يصعد الطائرات لمغادرة البلد

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left