تحديات التغيير السكاني في سوريا

باسل أبو حمدة

Apr 26, 2018

بات التغيير الديموغرافي القسري أحد أكبر التحديات التي يواجهها المجتمع السوري إثر تمكن النظام السوري وحلفاؤه من إحداث سلسلة من الاختراقات على هذا الصعيد لصالح مكون سكاني سوري على حساب مكون سكاني سوري آخر. اختراقات ترمي بظلال قاتمة على سائر مكونات المجتمع على المدى البعيد وتطال تبعاتها، بداهة، مجمل النسيج الاجتماعي السوري وتخلخله، مستدعية أثمانا باهظة ربما غير متخيلة حاليا تهدد استدامة المنظومة الاجتماعية برمتها في سوريا بعد أن تضع الحرب أوزارها في بلد أصبح أكثر من نصف سكانه في عداد النازحين أو اللاجئين.
إذا كان التغيير الديموغرافي الطبيعي يعد عملية بطيئة وتدريجية وتصاعدية تتطلب مقاربة جمعية يشارك فيها سائر اللاعبين في الحقلين الاجتماعي والاقتصادي، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه كلما تمادى التغيير الديموغرافي زمانيا ومكانيا، تقلصت فرص الحلول القابلة للتطبيق بشكل دراماتيكي، هذا في حالة التطور الاجتماعي الطبيعي، فكيف يكون الحال اذا جاء هذا التغيير بفعل القمع والحرب والتهجير الجماعي القسري للسكان. الأمر الذي يستدعي دق ناقوس الخطر والتحرك العاجل قبل فوات الأوان على هذا الصعيد.
بالتوازي مع محاولات القوى الإقليمية والدولية تأطير مخرجات الحرب في سوريا وعليها، وما أفرزته من معطيات جديدة يندرج جميعها في إطار سياسة فرض الأمر الواقع وتجلياته على الجغرافيا السياسية السورية، يبذل النظام السوري وحلفاؤه جهدا محموما في سبيل ضبط وتثبيت نتائج سلسلة لامتناهية من التغييرات السكانية القسرية، التي طالما تصدى لها واعتبرها هدفا استراتيجيا له طوال فترة حكمه عموما، وبعيد اندلاع شرارة الثورة السورية المعاصرة على وجه الخصوص.
آخر تلك الاجراءات وأوسعها انتشارا وتأثيرا أتت على جناحي المرسوم الرئاسي رقم 10 سيئ الصيت والمتحول، بطبيعة الحال، إلى قانون والمتعلق بممتلكات السوريين وملكياتهم العقارية، والمتماهي حد التطابق مع قانون أملاك الغائبين في فلسطين المحتلة، الذي سنته حراب الدولة العبرية، ونهبت من خلاله ما تبقى من أراض وعقارات تعود ملكيتها لأصحابها الشرعيين من المواطنين الفلسطينيين.
في كلا الحالتين، ترتسم صيغة واحدة تتجلى في مقولة: ما لا يؤخذ بحديد الحرب ونارها يؤخذ بعسف قوانين ومراسيم، من شأنها استكمال دائرة العدوان على حقوق الآخرين، من خلال عملية ترسيم مزيفة مكرسة بذلك حالة جديدة من حالات النهب والسلب التي يحفل تاريخ البشرية، بوجهه البربري، بمثيلات كثيرة لها كان من الصعب تخيل نتائجها وهي في حالة السيولة، لكنها ما لبثت، مع مرور الوقت وتبدل الظروف، أن تحولت إلى حقائق دامغة في لحظة تاريخية لاحقة. هنا يلاحظ مكمن رهانات القوى السياسية المارقة على عامل الوقت، والقدرة على الثبات فيه ما يلزم، حتى يستكمل المشهد السياسي العام عناصره المارقة، ويشق طريقه إلى حيز الاعتراف، ومن ثم ترسيمه كعنصر طبيعي في معادلات المستقبل السياسية. رهان الحق ينازعه رهان القوة، لكن إلى حين.
رهانان غير متكافئين في كلا الحالتين السورية والفلسطينية على السواء. رهانان الغلبة بينهما غالبا ما تذهب للثاني على حساب الاول مهما امتلك الاخير من مرتكزات وحقائق وحقوق تاريخية دامغة، فمسار مرسوم النهب الذي سنه النظام السوري أخيرا لن يؤدي، إن لم يجد من يضع له حد، إلى أي نتيجة مغايرة لمفاعيل القانون الاسرائيلي أو غيره من هذا النوع من القوانين التي سنتها دول وإمبراطوريات عبر التاريخ، في مشهد ينم عن حالة من العدوى التي تنتشر سريعا بين قوى العدوان، سواء كان هذا العدوان خارجيا، كما هو حاصل في الحالة الفلسطينية، أو داخليا كما هو حاصل في الحالة السورية، مثلما يشي بحالة غير مسبوقة من تناقل التجارب الشريرة، وتوالدها بين حين وآخر، أو كلما سنحت الظروف لتلك القوى الظلامية بإحداث اختراق على جبهة، تعلم جيدا أنها تؤمن لها استمرار الهيمنة، مثل جبهة العامل السكاني والعبث بمكوناته، على نحو يقلب معادلات الصراع رأسا على عقب، عندما يتعلق الأمر باعتماد سياسة الهندسة السكانية القسرية كمنهج وأداة، باتا يشكلان أحد أهم الركائز التي تقوم عليها مشاريع تلك القوى المارقة.
ثلاث هي أدوات التغيير السكاني وازاحة كتل بشرية كاملة، التي اتبعها النظام السوري وحلفاؤه ونجحوا في ذلك الى حد كبير، أولها وربما أخطرها يكمن في اتباع سياسة الفصل الساحق بين مكونات المجتمع السوري الواحد على أساس مذهبي وطائفي وعرقي، مع ميل واضح باتجاه إعطاء فرصة الانتشار والتمدد لطائفة على حساب طائفة أخرى، مع التأكيد على أن ولادة هذا التوجه ليست مرتبطة باندلاع الثورة السورية المعاصرة، وما أعقبها من أحداث، بل إن جذوره ممتدة إلى مرحلة مبكرة سابقة من عمر نظام الاستبداد في سوريا. مرحلة بدأت معالمها تظهر للعيان منذ أن ألف المواطن السوري رؤية المراكز الثقافية والدينية والصحية الايرانية تنتشر في قلب العاصمة دمشق وغيرها من المدن، وحتى القرى والبلدات السورية، ومنذ أن اعتادت عيناه على رؤية أفواج هواة السياحة الدينية القادمين من ايران.
في المقام الثاني، وجد النظام السوري في الحرب المندلعة منذ سبع سنوات فرصة ذهبية لتكثيف سياسة التغيير الديموغرافي القسري، مستخدما في سبيل تحقيق هذه الغاية أبخس الوسائل وأكثرها وحشية، بدءا من القصف العشوائي للمدن والأرياف بكافة أنواع الأسلحة، بما فيها المحرمة دوليا مثل السلاح الكيماوي الذي يتساوى في قدرته على الفتك بالناس مع الأسلحة التقليدية الأخرى، مرورا بعمليات الابادة الجماعية والتدمير الممنهج والحصار والتجويع بهدف التركيع، متوجا كل ذلك بعمليات التهجير القسري التي باتت مشهدا مألوفا في سوريا الأسد.
أما الأداة الثالثة، التي لا تقل خطورة عن سابقتيها فتتمثل في سن قوانين ترمي إلى ترسيم نتائج كل ما سبق وتحول دون عودة النازحين والمهجرين والمعارضين إلى ديارهم وتفسح المجال أمام إحلال مكونات سكانية سورية أو غير سورية أخرى مكانهم. وبذلك يكون قد أصبح للسوريين حق في العودة إلى ديارهم السليبة يحلمون به أسوة بأشقائهم الفلسطينيين الذين مضى عليهم سبعون عاما وهم يحلمون بالحق ذاته ويطالبون بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بلا طائل.
كاتب فلسطيني

تحديات التغيير السكاني في سوريا

باسل أبو حمدة

- -

2 تعليقات

  1. اصعب شيء على الإنسان أن يفقد الارض التي ولد وعاش فيها فحنينه أبدا لأول منزل وما قامت به اسرائيل هو أكبر جريمة دولية بحق شعب فلسطين الذي استلبت أرضه ووطنه قسرا وتنكيلا وقتلا وتعذيبا، واليوم يعاني الشعب السوري الثائر ضد الظلم والاستبداد الحالة ذاتها باستلاب ارضه وممتلكاته وطرده من وطنه من قبل نظام مجرم خائن عميل وهذا التغيير الديمغرافي لا بد وأن يولد انفجارات اخرى وحروبا قادمة

  2. شكراَ أخي باسل أبو حمدة. أصبحت إسرائيل هي المثال الذي تحتذي أنظمة القمع والإستبداد! ولاحول ولاقوة إلا بالله.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left