الشوفينية الغربية وتأثيرها على إسرائيل

د. فايز رشيد

Apr 26, 2018

يلاحظ مؤخرا ارتفاع أسهم الأحزاب اليمينية في العديد من الدول الأوروبية وتحقيقها نتائج متقدمة في الانتخابات البرلمانية، كما بدأت الإرهاصات لحركات تدعو إلى انفصال بعض المحافظات/ المقاطعات/الولايات عن دولها، بما في ذلك بعض الولايات الأمريكية.
مرد ذلك، يعود في جزء منه إلى عوامل اقتصادية اجتماعية، متمثلة في زيادة حدة الأزمة الاقتصادية والمالية، ومضاعفاتها السلبية على الصعيد الاجتماعي في العديد من الدول، على خلفية اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي حدثت سابقا عام 2008 والتي تكمن أسبابها في الاستنزاف الذي تسببت فيه الحرب الأمريكية الغربية في العراق وأفغانستان، واشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية، وتراجع حصة الدول الغربية من الناتج العالمي، وما أدت إليه الأزمة من ازدياد في نسب البطالة والتفاوت الاجتماعي، وتدهور مستوى المعيشة، وإقدام الشركات الرأسمالية على استجلاب اليد العاملة الرخيصة من دول أوروبا الشرقية ودول العالم النامي (الثالث)، ما أدى إلى احتدام عوامل الصراع الاجتماعي فيها، بدليل أن الكثير من الدول أوقفت الهجرة إليها، أو حددّت أعدادها، وقامت فيها حركات ضد المهاجرين.
هذه التطورات ولّدت شعوراً بالقلق والخوف لدى الطبقات الوسطى والعمالية في العديد من الدول، والخشية من التأثر بهذه الأزمات، خصوصاً إذا ما تسربت اليد العاملة الرخيصة من أوروبا الشرقية إلى الدول الأخرى، وهو أمر سهل ولا عوائق تحول دونه، هذا حتى في ظل إطار الاتحاد الأوروبي.
العامل الثاني، تصاعد النزعات القومية، ومثل هذه النزعة لا تقتصر على دولة دون غيرها، بل تطال إلى حدّ ما الولايات المتحدة، كما تؤثر على غالبية دول الاتحاد الأوروبي، فقد تنامت كثيراً بعد ازدياد أعداد المهاجرين من الشرق الأوسط وإفريقيا إلى الدول الأوروبية، ما أدى إلى تقوية التيار القومي المتطرف في معظم هذه الدول، وفي الولايات المتحدة أيضا، الأمر الذي يؤدي إلى أن شرائح مجتمعية كثيرة في تلك الدول، ترى في المهاجرين عبئاً ثقيلاً على شعوب أوروبا، وقد بدأت تئن من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومن البطالة. ويمكن القول إن هذين العاملين هما اللذان أسهما في صعود اليمين في فرنسا وإيطاليا، وقبل ذلك في النمسا وهولندا وإسبانيا وألمانيا وغيرها من الدول، ما يؤشر إلى أن ذلك، بات سمة تطبع الحياة السياسية الأوروبية.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الأزمة ليست مؤقتة، بل هي أزمة مقيمة، بفعل المنافسة الاقتصادية العالمية الآخذة بالتصاعد على خلفية تنامي وازدياد القوة التنافسية الاقتصادية للصين والهند وروسيا وغيرها من الدول الصاعدة اقتصادياً، على حساب الدول الغربية.
الحاضر يذكّر بمرحلة بروز القوميات في أوروبا، تبعا للتحولات التي صاحبت المرحلة الانتقالية من الإقطاع إلى الرأسمالية، وما فرضته من تحولات اقتصادية، اجتماعية وسياسية ترجمت مضامينها في خطوات، كانت تحتاج حينها إلى استعمار مباشر للدول الأخرى (يتجدد حاليا بأشكال اقتصادية عديدة)، من أجل إيجاد أسواق جديدة لما يتكدس من بضائع في المخازن، كما إيجاد ثروات جديدة، ما حدا بالمشرّع الماركسي إلى الاستنتاج بأن «الإمبريالية هي آخر مراحل الرأسمالية». بالمعنى الاقتصادي، نعم، استطاعت الرأسمالية تفادي سقوطها الحتمي كحلقة أخيرة في سلَم تطورها، لكنها لم ولن تتجنب مستقبلا هذا السقوط، بالطبع على المدى الطويل غير المنظور، لقد ارتفع الدين العام الأمريكي إلى 21 تريليوناً و13 مليار دولار في عام 2017 وذلك للمرة الأولى، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية. أما العجز الفرنسي وفقاً لـ»فاينانشيال تايمز» فبلغ في العام نفسه نحو 8 مليارات يورو، لذلك عزمت الحكومة على تحقيق توافق بين العجز وقواعد ميزانية الاتحاد الأوروبي لعام 2018، للحفاظ على مصداقية فرنسا. أما إيطاليا فقد أظهرت ميزانية الاتحاد الأوروبي أن الدين العام الإيطالي ارتفع في عام 2017 إلى أعلى مستوى في تاريخ البلاد ليسجل 133.3% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي حدا بمسؤول في الاتحاد الأوروبي إلى القول، بأن المفوضية الأوروبية ستوجه تحذيرا إلى إيطاليا بشأن احتمال تعرضها لإجراء تأديبي أوروبي، لعدم تخفيضها دينها العام الضخم. هذه الأمثلة تنطبق على دول أوروبية عديدة.
يأتي ذلك وسط ظروف يُلمسُ منها، تسارع العودة إلى عصر القوميات، وما ستفرضه من صراعات أيديولوجية في المبارزة القومية. وبما ستحمله الأخيرة من عوامل تفكيكية (لا تجميعية) للإثنيات، التي استطاعت، رغم المتناقضات، بناء الدولة القوية الواحدة. في الواقع الاقتصادي الجديد، تتنامى نزعات الانفصال، نعم كان استفتاء كاتالونيا الحدث الأبرز مع إعلان سلطاته الانفصال كشكل رمزي مع وقف التنفيذ، لفسح المجال أمام الحوار مع الحكومة الإسبانية، التي رفضت انفصال الإقليم وأقرت على لسان وزير خارجيتها الفونسو داستيس عدم قبول نتائج الاستفتاء، لأن دستور البلاد لا يسمح بذلك، وأن جزءاً من الشعب الكاتالوني لا يمكن أن يتخذ قراراً بالنيابة عن إسبانيا كلها، في وقت علّقت فيه الحكومة الإسبانية نظام الحكم الذاتي في الإقليم كخطوة إجرائية لوقف إعلان الانفصال، تتبعها خطوات أخرى تحول دون الانفصال.
بالطبع، لا يغيب البعد الثقافي أو العرقي عن نوازع الانفصال، فالدعوات إليه وإن اختلفت في أشكالها ودوافعها، لكن مضمونها وتداعياتها واحدة، ولم تستطع الحكومات المركزية وضع حد لحركات الانفصال، مع أن إجراءاتها المتخذة للحؤول دونها بقيت دون سقف العكوف عن نزعات الانفصال، وهذا يشير إلى أن استمرار نزعات الانفصال هو في تنامٍ مستمر على الساحة الأوروبية.
بالنسبة للكيان، فلم يكن للحركة الصهيونية أن تتمكن من بناء أساطيرها التضليلية، بادعاء وجود «القومية اليهودية»، لولا مرحلة بروز القوميات في أوروبا آنذاك، لتُلحق بعدها المفهوم بأهمية إيجاد دولته، ولم تلقَ غير فلسطين شماعة تاريخية (باعتبارها أرض نشوء الديانات) تتكئ عليها لبناء الدولة، ولو باختلاق المزيد من الأساطير، والتماهي مع الأهداف الإمبريالية في المنطقة العربية، لكن رغم اقتراب مرور سبعة عقود على إنشاء دولة الكيان قسريا، لم تستطع حل التناقضات الإثنية بين مكوناتها الفسيفسائية، بدليل، أنه حتى اللحظة، فإن إسرائيل لم تتوصل لتعريف محدد لمن هو اليهودي؟ إن بروز عهد صراع الهويات من جديد، سيحمل بين أحشائه (على قاعدة التأثر والتأثير) عوامل تفكيكية (لا تجميعية) للإثنيات في الدولة الصهيونية، الذي سيؤثر حتما في جوهر ومضامين الصراع التاريخي معه، بما سيتمثل في تغييرات بنيوية لمصير ونتاج عموم مشروعه في المنطقة العربية. وللدلالة على صحة ما نقول، ووفقا لمصادر إسرائيلية، فإن الهجرة العكسية ازدادت بصورة كبيرة من إسرائيل في الآونة الأخيرة. وتشير تقارير رسمية ودراسات أكاديمية إلى أن نحو 26 ألف إسرائيلي يغادرون كل عام خلال السنوات الأربع الماضية 
حسب مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل، فإن معظم المغادرين هم من الشباب والأكاديميين، ممن يبحثون عن فرص للتعلم والعمل، في ألمانيا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة. ويبلغ متوسط أعمار الإسرائيليين المغادرين 28 عاما، ويشكل اليهود الروس 40% منهم، إذ يعودون لوطنهم الأم، أو ينتقلون إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، ويبدو أن عدد المهاجرين مرشح للتصاعد في السنوات المقبلة، لعدة أسباب بالطبع، في مقابل انخفاض ملحوظ في وتائر الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تقريبا، هذا منذ هجرة المليون روسي إلى فلسطين المحتلة عام 1990 غداة انهيار الاتحاد السوفييتي.
جملة القول، إن صراع الهويات في العديد من دول العالم، سيضاعف من حدة التناقضات الإثنية في إسرائيل، الأمر الذي سيلعب دورا منظورا في ازدياد حدة عوامل تآكله الداخلي.
كاتب فلسطيني

الشوفينية الغربية وتأثيرها على إسرائيل

د. فايز رشيد

- -

1 COMMENT

  1. مقال اليوم للدكتور فايز رشيد يزيل الكرب ويبّشر بالخير بقضية العرب الأساسية. ان الهجرة العكسية من دويلة الكيان كانت في بدايتها مقتصرة الى حد كبير على اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية بتشجيع من القوات الغربية التي كانت تسيطر على بلادنا في ذلك الزمن وذلك بعد ان اكتشوا حقيقة هذا الكيان. وفي السنوات الأخيرة ان ازدياد الهجرة العكسية كما اشار كاتبنا الفاضل هو لأسباب اقتصادية، وانني اتوقع بان تستمر هذه الهجرة العكسية وبنسب تفوق النسب الحالية بسبب تفاقم الوضع الأقتصادي الغربي من ناحية واحتمال توقف الولايات المتحدة عن دعمها ألمالي للكيان بعد فترة قصيرة عند تحتل الصين المركز الأقتصادي الأول في العالم ويحتل اليوان الصيني الكامل التغطية بالذهب مكان الدولار الأمريكي الفاقد التغطية. وهنا يجب بأن لا ننسى بان السياسة مرتبطة بالأقتصاد، واسواق البلاد العربية تفوق باضعاف واضعاف سوق الكيان وهذا أمر هام لأمبراطورية الصين الجديدة، وسيكون له نتائج ايجابية بالتأكيد.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left