خطة المعارضة التركية في مواجهة الانتخابات المباغتة

بكر صدقي

Apr 26, 2018

فاجأ حزب الشعب الجمهوري ـ أكبر أحزاب المعارضة ـ الرأي العام، بالإعلان عن انتقال خمسة عشر نائباً من نوابه في البرلمان إلى «الحزب الخيّر» الذي تأسس العام الماضي. السابقة الوحيدة لهذه الخطوة تعود إلى العام 1977، حين انتقل نواب من حزب العدالة إلى حزب الشعب الجمهوري ليتسنى لهذا الأخير أن يشكل الحكومة بمفرده. وقد استعاد أركان الحزب الحاكم والإعلام الموالي هذه الواقعة المشينة في هجومهم على المعارضة التي «خانت» في رأيهم ثقة الناخب الذي أوصل أولئك النواب إلى البرلمان.
الواقع أن ما حدث كان الطريقة الوحيدة لإفشال «كمين» نصبه الحليفان أردوغان وبهجلي لضمان إبعاد الحزب الخير حديث النشأة من الانتخابات، بما يضعف الصف المعارض ويضمن فوز الرئيس وحزبه في الانتخابات الرئاسية والنيابية الوشيكة. فالحزب الجديد بقيادة مرال آكشنر الذي انشق عن حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي أظهر، في أدائه، طموحاً كبيراً عززته استطلاعات الرأي بأنه لن يلاقي صعوبة في تخطي حاجز العشرة في المئة لإدخال نوابه إلى البرلمان. ومن المتوقع أن يقضم هذا الحزب قسماً كبيراً من جمهور الحركة القومية بعدما دخل بهجلي تحت إبط الرئيس أردوغان بصورة كاملة. الحيلة التي لجأ إليها الثنائي أردوغان ـ بهجلي هي في اختيار موعد للانتخابات المبكرة لا يتيح للحزب الجديد، قانوناً، المشاركة في الانتخابات، أو هذا ما ظناه. وكان من المتوقع أن يصدر قرار من الهيئة العليا للانتخابات يستثني الحزب الخير من المشاركة. لكن التكتيك المفاجئ الذي لجأ إليه حزب المعارضة الرئيسي بنقل عدد من نوابه إلى الحزب الخيّر المهدد بالاستبعاد، أفشل «الكمين» فبات بوسع الأخير أن يشارك في الانتخابات النيابية وأن يرشح رئيسته مرال آكشنر إلى الانتخابات الرئاسية معاً.
لكن التحديات التي تواجهها أحزاب المعارضة التركية لا تقتصر على تجاوز كمائن الحكومة أو حال الطوارئ المستمرة منذ تموز 2016، وتم تمديدها ثلاثة أشهر إضافية بالتزامن مع الإعلان عن موعد الانتخابات المبكرة، أو شعبيه الحزب الحاكم ورئيسه التي نجحت في إبقائهما في الحكم طوال السنوات الخمس عشرة الماضية. فالتحدي الأكبر أمامها يتمثل في قابلية أحزاب المعارضة على التوافق معاً على برنامج واحد من شأنه أن ينهي العهد المديد للحزب الحاكم. لذلك شهدت كواليس السياسة التركية، في الأيام الأخيرة، نشاطاً لافتاً بسبب ضيق الفترة المتبقية لموعد الانتخابات.
ويلعب حزب الشعب الجمهوري برئاسة كمال كلجدار أوغلو دوراً مركزياً للتقريب بين وجهات نظر مختلف أحزاب المعارضة، فهو من جهة أولى ينسق خطواته مع الحزب الخير ذي التوجه القومي، ومن جهة ثانية مع حزب السعادة الإسلامي بقيادة تمل قرة مولا أوغلو الذي برز بمواقفه الجامعة في الفترة الأخيرة، ويراهن عليه في استقطاب قسم من القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. بل أكثر من ذلك، ثمة مزاعم حول انتقال محتمل لنحو خمسين نائباً، من النواب الحاليين، من حزب العدالة والتنمية إلى حزب السعادة.
يبدو الآن أن التوافق الثلاثي بين «الشعب الجمهوري» و«الخير» و«السعادة» ناجزاً باستثناء المرشح إلى منصب الرئاسة. ففي حين يتجه الشعب الجمهوري والسعادة إلى ترشيح الرئيس السابق عبد الله غل، يصر الحزب الخير على ترشيح رئيسته مرال آكشنر التي لا حظوظ لها في النجاح في مواجهة أردوغان بتقدير غالبية المراقبين، مقابل قدرة غل على استقطاب مروحة واسعة من أصوات الناخبين بمختلف مشاربهم، بما في ذلك الأصوات الكردية.
يبقى حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) خارج الائتلاف الثلاثي، ومن المرجح أن يرشح رئيسه المعتقل صلاح الدين دمرتاش، من غير أن يشكل ذلك تشويشاً على التحالف المضاد لأردوغان. فالحزب الكردي «يتفهم» حساسية وضعه واحتمال استغلال انضمامه إلى التحالف المعارض، بصورة سلبية، من قبل التحالف الحاكم، كما بسبب رفض الحزب الخير ذي التوجه القومي لأي تحالف مع الحزب الكردي الذي سيوجه ناخبيه للتصويت لعبد الله غل في حال تم اعتماده مرشحاً جامعاً للمعارضة. وفي جميع الأحوال، سيصوت الناخبون الكرد لمرشح المعارضة إذا احتاجت الانتخابات إلى جولة ثانية بعد تصفية المرشحين الهامشيين في الجولة الأولى.
صدمت حركة انتقال النواب الخمسة عشر أركان الحكم، فكانت ردة فعلها شديدة التوتر، ثم نشطت دبلوماسية الكواليس على هذه الضفة أيضاً، على رغم أن التحالف الانتخابي للحكم ناجز منذ عام كامل. صحيح أن شيئاً لم يتسرب من الاجتماع المفاجئ بين أردوغان ورفيق دربه القديم بولنت أرنج المهمش سياسياً منذ وقت طويل، لكن العالمين بالخبايا يجمعون على أن الغاية من هذا الاجتماع الذي تم بناء على دعوة الرئيس، إنما هو أن يتوسط أرنج لدى عبد الله غل على أمل أن يمتنع عن الترشح في مواجهة أردوغان.
كل من السلطة والمعارضة يضفيان أهمية استثنائية على هذه الانتخابات، بسبب الاستقطاب الحاد الذي يقسم الرأي العام بينهما ـ مبدئياً بالمناصفة ـ على شاكلة الانقسام الذي حصل حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية العام الماضي. والحال أن رائز الطرفين إنما هو موضوع النظام السياسي الذي أقر الاستفتاء المذكور تعديله. فبقدر ما يستعجل الحكم تفعيل التعديلات المذكورة بعد الانتصار في الانتخابات القادمة، يأمل الفريق المعارض بالتراجع عن النظام الرئاسي والعودة إلى البرلماني إذا انتصرت المعارضة في هذه الانتخابات.
يعول حزب الشعب الجمهوري على ترشيح عبد الله غل الذي له موقف معلن ضد النظام الرئاسي، إضافة إلى مزاياه الشخصية كرجل دولة لم يتلوث بالسلطة، ويتمتع بشعبية كبيرة سواء في البيئة الإسلامية المحافظة أو في الأوساط القومية، وذلك على رغم أن التيار العلماني الذي يمثله حزب الشعب الجمهوري لن يكون مسروراً ببديل إسلامي جديد عن أردوغان. لكن للضرورات أحكامها كما يقال، والشعب الجمهوري يدرك أن مرشحاً من صفوفه لن ينال غير أصوات قاعدته الضيقة نسبياً بالمقارنة مع القاعدة الاجتماعية المحافظة، إضافة إلى كون كمال كلجدار أوغلو علوي الانتماء.
إذا تمكن التحالف المعارض من تحقيق فوز مزدوج رئاسي وبرلماني، فلن يكون ذلك نهاية المشكلات، بل بدايتها وحسب، بدءاً من توزيع حصص السلطة على الأحزاب المعنية (كيف تتشكل الحكومة) وانتهاء بمواجهة ركام تركة السلطة السابقة في جميع المجالات.

٭ كاتب سوري

خطة المعارضة التركية في مواجهة الانتخابات المباغتة

بكر صدقي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left