«البروج المشيدة»: مسلسل تلفزيوني هوليوودي يتناول العرب والمسلمين بصورة مختلفة

حسام عاصي

Apr 26, 2018

لوس أنجليس – «القدس العربي» : للمرة الأولى، يطرح مسلسل تلفزيوني هوليوودي وهو «البروج المشيدة» أو «ذي لومينغ تاورس» شخصية عربية، مسلمة بطولية، ليست إرهابية أو ضحية وهي شخصية عميل مكتب التحقيقات الفدرالية (أف بي آي) اللبناني – الأصل، علي صوفان، الذي يؤدي دوره النجم الفرنسي – الجزائري الأصل طاهر رحيم.
«البروج المشيدةُ» يتابعُ الأحداثَ التي سبقت هجمات الحادي عشرَ من أيلول/ سبتمر عام الفين وواحد في الولايات المتحدة. ويكشفُ عن صراعاتٍ داخلِ وحدةِ مكافحةِ الإرهاب «اليك» بين عملاءِ وكالةِ المخابراتِ الأمريكية، «سي آي إيه»، وعملاءِ مكتبِ التحقيقاتِ الفدرالي.
المثير في المسلسل هو أن شخصية صوفان تتحلى بأخلاقيات أرفع من شخصيات البيض، التي عادة تقدم في الأعمال الهوليوودية أرقى أخلاقيا وأكثر حنكة وذكاء من الشخصيات غير البيضاء.
فبينما كان صوفان مخلصا لحبيبته كان المسؤول عنه، الضابط جون أونيل، يخون زوجته مع نساء أخريات، وبينما كان صوفان يلاحق عناصر «القاعدة» حول العالم كان عملاء «سي آي إيه» يخفون معلومات مهمة عنه كانت قد تساعده في ايقاف هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر.

«أينما تكونوا يدرككم الموت
ولو كنتم في بروج مشيدة»

مسلسل «البروج المشيدة» مقتبس من كتاب الصحافي والمؤلف وكاتب السيناريوهات لورنس رايت، الذي استهلم اسم الكتاب من الآية القرآنية «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة». بينما ثمانون في المئة من الكتاب يسبر نهضة الحركات الإسلامية ثم الجهادية في الشرق الاوسط منذ بداية القرن العشرين، ويتناول شخصيات قيادييها على غرار المفكر الاسلامي المصري سيد قطب وزعماء تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. يركز المسلسل على الجزء الآخير منه وهو ملاحقة أجهزة الأمن الأمريكية لتنظيم القاعدة وعناصرها وعلى رأسهم ضابطا «أف بي آي»، جون أونيل وعلي صوفان.
وفي مقابلة مع صوفان في مكتبه في نيويورك، أخبرني بأنه كان أيضا يريد أن يطرح مسلسلا تلفزيونيا عن الموضوع نفسه ويكون مقتبسا عن كتابه «تحليل الإرهاب»، ولكن عندما اتصل به رايت واقترح عليه التعاون في انتاج مسلسل «البروج المشيدة»، وافق واشترك في المشروع كمنتج ومستشار.
خلافا للأعمال الهوليوودية الأخرى، الشخصيات العربية، وحتى الإرهابية منها، في «البروج المشيدة» لا تبدو بشعة ووحشية وأحادية البعد بل يطرحون كشخصيات محنكة وملتزمة بمبادئها ومخلصة لقياداتها وذات مشاعر إنسانية ولها روابط عائلية، كما يسبر المسلسل الأسباب التي أثارت كراهيتهم تجاه الولايات المتحدة والمحفزات التي دفعتهم لاستخدام الإرهاب في حربهم ضدها من خلال عرض مشاهد ضربات صواريخ أمريكية تقصف مخيماتهم وتقتل أطفالهم الأبرياء. أما الشخصيات الأمريكية فهي أنانية، منهمكة بمشاجرات من أجل مصالح شخصية.
«هذا العرض متجذر في الواقع»، يقول صوفان «عندما نتكلم عن الإرهابيين وما وراء أعمالهم، هناك بعض الأفكار، منها دينية وأيضا سياسية لهذا هو مستعد أن يموت ويقتل الآخرين معه من أجل معتقداته. أما ما تراه على أرض الواقع من الصراعات الداخلية بين أجهزة الأمن الأمريكية هي كانت شخصية داخلية وهذه الخلافات أدّت الى هجمات سبتمبر /أيلول.
ولو عملنا مع بعضنا البعض في هذه المؤسسات لما حدثت هذه الهجمات. فهي كانت بلا شك نتيجة ضعف في أجهزة الأمن الأمريكية».

صوفان و «أف بي آي»

ولد صوفان في بيروت وهاجر الى الولايات المتحدة في بداية الثمانينيات إبان الحرب الأهلية في لبنان. وبعد تخرجه من جامعة مانسفيلد في بنسلفانيا، راهن زملاؤه أن «أف بي آي» لن يقبله للعمل لكونه عربيا ومسلما، ولكنه خسر الرهن عندما قبله «أف بي آي» عام 1995 ليصبح ثامن عميل عربي في المكتب من أصل عشرة آلاف عميل، وكان العربي الوحيد في فرع المكتب في نيويورك وسرعان ما جنده مدير وحدة مكافحة الإرهاب جون أونيل وجعله المحقق الرئيسي في مطاردة عناصر تنظيم «القاعدة» وزعيمها أسامة بن لادن.
« مئة ألف شخص قدموا طلبا للعمل في «أف بي آي» في ذلك الوقت وألف قبلوا»، يقول صوفان «أنا لا أعرف إذا كان كوني عربيا ساهم في قبولي، ولكن الواقع هو أن الولايات المتحدة كانت تواجه خطر الإرهاب ولم يكن هناك من يتكلم العربية في وحدة مكافحة الارهاب».
في أحد المشاهد في الفيلم، يرافق صوفان عميلا من المخابرات البريطانية الى محل اتصالات في لندن، كان يستخدمه الجهاديون لتحويل الأموال، ليحقق مع صاحب المحل المسلم وعندما ينكر صاحب المحل معرفته بهوية زبائنه الجهاديين، يثور صوفان غضبا ويهاجمه بشدة. وعند عودتهم الى المكتب، يقول العميل لصوفان إنه ليس بحاجة للتظاهر أمامه ليثبث أنه عربي من نوع آخر، فيرد عليه صوفان غاضبا: أنا لست قردك المسلم يقوم باستعراضات لك.
«هذه دراما ولم تحدث في الواقع»، يضحك صوفان «الحقيقة هي أنني لم أشعر بذلك أبدا لا في أمريكا ولا في بريطانيا. إسمي علي ومعروف بفخري بعروبتي وباسلاميتي ولا أخفي شيئا. ولم أشعر بذلك من قبل لا من قبل زملائي في «أف بي آي» أو زملائي في «سي آي إيه». وهذا ما جعلني أبقى واستمر وأضحي من أجل ما أؤمن به من الأفكار والمبادىء الموجودة إن كان في القانون الأمريكي أو التشريعات الأمريكية.»

صوفان: أشعر بصراع داخلي كوني مسلما

ويؤكد صوفان أنه لم يشعر بصراع داخلي كونه مسلما يعمل لحساب مخابرات أجنبية لملاحقة مسلمين آخرين «عندما تتكلم مع شخص ويبدأ يتحدث عن الدين وهو لا يعرف عن الدين شيئا، وما هو حافظ بالدين إلا اقتلوهم واذبحوهم وحفوا شواربكم وقصروا ثوبكم. أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من ذلك بكثير. أنت تشعر بنوع من الغضب الداخلي لأنه هذا هو دينك وينسب الأحاديث، التي يقولها لنبيك والأكاذيب والفتاوى، التي ليس لها من سلطان، تنعكس عليك وعلى أخلاقك وعلى تراثك وعلى حضارتك.»
بلا شك أن الكثير من المسلمين يوافقون مع صوفان عما يقوله عن الجهادين، الذي عاثوا خرابا في بلادهم وشوهوا صورة إسلامهم من خلال الجرائم، التي ارتكبوها بحق الأبرياء وبثها للعالم باسم الإسلام، ولكن الكثير من المسلمين أيضا يشعرون أن الولايات المتحدة عدائية تجاه الإسلام والمسلمين بشكل عام وخاصة بعد ضربات سبتمبر/أيلول، وهذا العداء تجسد مؤخرا بانتخاب رئيس ينادي بمنع دخول مسلمين من سبع دول الى الولايات المتحدة. ولكن صوفان ينكر وجود هذا النوع من العداء تجاه المسلمين.
«عليك أن تميّز بما يقوله ترامب وما يحدث داخل الأجهزة الأمريكية وخاصة في داخل «أف بي آي»، يقول صوفان «الإرهاب هو شيء حقيقي والتفجيرات في الولايات المتحدة هي حقيقية و»أف بي آي» يحارب كل من يحاول أن يعتدي على أمن الولايات المتحدة. وبما أن «القاعدة» مكونة من مسلمين فمن الطبيعي أن «أف بي أي» يوجه أنظاره تجاه المسلمين وليس اليهود والمسيحيين.» صوفان لا ينكر أن ترامب عنصري تجاه المسلمين، ولكنه يذّكر بأنه معاد لـ»أف بي آي». «ترامب يضر مكافحة الارهاب أكثر من «داعش» و»القاعدة». أنا لا أدافع عن هذه الأمور ولكن أنا رأيتها من داخل أجهزة الأمن وأعرف أنه يمنعني أن أكون عربيا أو مسلما وأدلي برأيي وعندما وقفت ضد التعذيب وضد الممارسات، التي كانت تمارس باسم مكافحة الارهاب لم يقولوا هو يقول هذا الشيء لأنه مسلم، طبعا هناك المتطرفون العنصريون الذين يقولون هذا الشيء بغض النظر. أنت مذنب لأن اسمك علي وحسب.»

ممارساتِ «سي أي إيه» اللا أخلاقية

استقال صوفان من «أف بي آي» عام ألفينِ وخمسة. وقام لاحقا بالكشفِ عن ممارساتِ «سي أي إيه» اللا أخلاقية وغير القانونية، وخاصةَ تعذيبِ المشبوهين بالإرهاب، في وسائلِ الاعلامِ ولجنةِ التحقيق في هجماتِ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وفي كتابينِ من تأليفه.
«وصلت لمرحلة كان علي أن أقرر أما أن أقود أو أُقاد أو أن أروح على جنب»، يعلق صوفان. «فلم أستطع أن أقود وقت إدارة الرئيس جورج بوش لأني كنت أعتقد أننا كنا على الطريق الخطأ بالنسبة لمكافحة الارهاب، بالنسبة لغزو العراق وبالنسبة للتعذيب ولن أستطيع أن أُقاد في هذه الأمور.»
رغم ذلك، يتهم بعض المسلمين صوفان بخيانة عقيدته وتراثه، ولكنه يرفض ذلك الاتهام، مؤكدا أن ما يقوم به هو خدمة بلده الولايات المتحدة، مثل غيره من مواطنيها من أبناء الطوائف الاخرى». أنا فخور جدا بخدمة بلدي»، يقول صوفان «هناك الكثير من العرب والمسلمين الذين يخدمون في الحكومة، في وزارة الخارجية، في «سي آي إيه» وفي «أف بي آي» وفي الجيش الأمريكي وفي القوات الخاصة ويؤثرون على مجرى الأمور في تلك المؤسسات.»
كما يؤكد أنه ما زال مرتبطا بتراثه ودينه مثل غيره من العرب والمسلمين الأمريكيين «هذا ما هو رائع في أمريكا. هناك الكثير من الفئات والمجموعات أتت من كل أنحاء العالم. يمكنك أن تعيش في أمريكا وتبقى جزءا لا يتجزأ من فئتك وحضارتك وثقافتك. الكثير ينظرون الى أمريكا من خلال سياستها تجاه الشرق الأوسط والعالم العربي، التي للأسف لم تكن جيدة. وهذه صناعة الكراهية في العالم العربي والإسلامي تجاه أمريكا أو في امريكا تجاه العالم العربي والاسلامي. وأتمنى أن يكون «البروج المشيدة» جزءا من نوع التوعية للحقيقة في أمريكا.»
منُذ انطلاقِه عبرَ موقعِ البثِ الالكتروني نهايةَ الشهرِ الماضي، ُقوبلَ «البروج المشيدة» بمدحِ النقادِ وأثارَ إعجابَ الجمهورِ الأمريكي. فهل سيصبحُ نقطةَ تحولٍ في النظرِة الأمريكيةِ السائدةِ تجاهَ العربِ والمسلمين، ويحثُ نجاحُه هوليوود على انتاجِ مشاريعَ أخرى تتمحور أدوارُ البطولةِ فيها حول شخصياتٍ عربيةٍ ومسلمة؟

«البروج المشيدة»: مسلسل تلفزيوني هوليوودي يتناول العرب والمسلمين بصورة مختلفة

حسام عاصي

- -

1 COMMENT

  1. هل هو مسلسل ام فيلم ؟

    على العموم انه خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح وشعاع ضوء وسط كل هذا التشويه والعنصرية ضد الاسلام والمسلمين بسبب داعش والنصرة والنظام النصيري المتوحش

    منصورين بعون الله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left