العراق: «شخابيط» على هامش السقوط الأخلاقي

لبيد الصميدعي

Apr 27, 2018

في 9 نيسان/ابريل 2003 كانت الصدمة أكبر من أن توصف، ليس بسبب سقوط بغداد، وإنما بسبب سقوطها بسرعة قياسية. عشرون يوما فقط كانت الفترة من بداية العدوان حتى ظهور دبابة أمريكية فوق جسر الجمهـورية معلنـةً عن انهـيار كل شـيء.
حتى الفرق العسكرية التي كانت تتموضع على بعد مئات الكيلومترات في الشمال والتي لم تشترك على نحو يذكر في المعارك انهارت وتركت أسلحتها غنيمة للأحزاب الكردية.

1 – زعيم قبيلة

مرت سنوات عديدة حتى تعلمت قراءة التاريخ فأدركت أن الصدمة التي أصابتني وأصابت كثيرين غيري لم يكن لها لزوم لأن بغداد عبر التاريخ أكثر عواصم الدنيا اعتياداً على السقوط السريع.
تاريخياً بغداد لم تصمد بوجه الغزاة وسرعان ما كانت تستسلم.
دخلها المغول والخروف الأسود والخروف الأبيض والجلائريون والصفويون والعثمانيون كما لو أنهم كانوا في نزهة.
وقد سبق لزعيم قبيلة كردي اسمه ذو الفقار أن استولى على بغداد وأخضعها لحكم قبيلته 6 أعوام قبل أن ينتزعها منه طهماسب الصفوي.
يُداري بعض العراقيين خجلهم فيقولون: «بغداد لم تسقط بل دخلها الساقطون». للأسف هذا الكلام غير موزون من الناحية الواقعية، فقد برهن الزمن أن الساقطين الذين جاءوا خلف الدبابة الأمريكية أقل عدداً من ساقطي الداخل الذين التحقوا ومازالوا يلتحقون أفواجاً بهم.
لا أعتقد أن ثمة ما يدعو للخجل، فالعراقيون رغم كل ما جرى ويجري، عندهم الكثير مما يفخرون به. بغداد حالة شاذة إذا ما قورنت بمدن أخرى كالفلوجة التي صمدت نحو ستة أشهر والموصل التي صمدت نحو عام كامل بوجه تحالف دولي ضمّ أكثر من ستين دولة.
بغداد غصباً عن كل مغولها وغوغائها والساقطين ستُفتح وتنهض. ولسوف تستعصي على كل الغزاة إذا ما ترسّخ صرحها الحضاري على ركيزتي الإسلام والعروبة.

2 – وحيدة خليل

اتصل بي صديق وأخبرني بأن منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في السويد أقامت حفلةً مساء يوم 16 نيسان/ابريل.
وما المناسبة؟
قال 7 نيسان!
اتصلت بصديق بعثي «أمون» عليه وسألته: «ليش تأخرتو هلكد»؟
قال: «مو تعرف هذي حفلة فرح ولازم نبتعد كم يوم عن 9 نيسان/إبريل!
والله وفيكم الخير ما قصرتو!!»
طبعاً من حق البعثيين أن يحتفلوا في السويد ويمارسوا حرياتهم السياسية والثقافية إلى جانب حرياتهم الشخصية، لسببين: أولاً لأن منظمة الحزب في السويد أصبحت أكبر منظمة للحزب في العالم! وذلك بسبب التدفق الهائل للبعثيين على دول اللجوء بعد السقوط.
ثانياً لأن الحريات التي مرّ ذكرها هي من الحقوق الطبيعية للبشر، إذا حُرم البشر منها لفترة طويلة، غالبا ما يتحولون إلى قرود نفاق!
لكن، نتمنى صادقين أن يتعاطى البعثيون مع أجواء الحرية هذه ويهضموها ويتفاعلوا معها حتى يغيروا ما بأنفسهم على النحو الذي يجعلهم ينبذون تلك المبادئ الخشبية التي شبّوا وشابوا عليها. لا سيما مبدأ الحزب الواحد والحزب القائد، ونفذ ثم ناقش!
ونتمنى أيضا أن يتخلّوا عن رواسب العنجهية التي اصطحبوها معهم إلى بلدان اللجوء… فقد أثبتت الدراسات أن الإنسان أجمل بلا عنجهية!
على ذكر «بلدان اللجوء» كثير من هؤلاء البعثيين كانوا قبل سقوط النظام يعتبرون كل من ترك العراق ولجأ إلى بلدان اللجوء، وخاصة السويد، عميلاً، خائناً، جاسوساً، متخاذلاً، وهلم جرا.
وكانت المطربة وحيدة خليل قبلهم بنصف قرن قد قالت: «سبحان الجمعنا بغير ميعاد!»

3- الشاعر المغدور

عدنان القيسي مصارع عاد من أمريكا إلى العراق في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. نصب واحتال على العراق شعباً وحكومة ورئيساً، واستولى على قلوبنا قبل أن يتبين أنه مصارع «فالصو»، يستجلب إلى العراق مصارعين نصابين مثله ويتفاهم معهم فيصرعهم لتطير عقول العراقيين إعجاباً وفخراً به.
قال الشاعر:
بينما كنت ماشياً في شارع الرشيد
فإذا بالجماهير التي صفقت بالأمسِ
لعبد الإله ونوري السعيد
تصفق اليوم لعدنان القيسي
بعد أيام قليلة عُثر على جثة الشاعر ملقاة على شاطئ دجلة جنوبي بغداد.
الأمن العراقي أدرك أن المقصود بالبيت الأخير ليس عدنان القيسي!

4 – دود الخل

– في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2002 خرج العراقيون عن بكرة أبيهم ليبايعوا الرئيس الراحل صدام حسين على الولاء المطلق له.
- في منتصف نيسان/ابريل 2003 زحف ملايين العراقيين نحو كربلاء. المناسبة المعلنة كانت ذكرى أربعينية الإمام الحسين بن علي، لكن في حقيقتها البائنة على وجوه الزاحفين كانت احتفالية بسقوط نظام صدام حسين الذي بايعوه قبل 6 شهور فقط!
- لم يبق إلا أسابيع قليلة تفصلنا عن الانتخابات. وسوف نرى زحوف الناخبين زرافات تتهافت على الصناديق كي يبايعوا من يسمونهم فاسدين ومجرمين وسراق و»ساقطين جاءوا من الخارج خلف الدبابة الأمريكية!».
ثم بعد حين سنسمع الضوضاء نفسها: «يا ريتني كصيت إصبعي وما وسّخته بالبنفسجي وانتخبتكم!»
هناك مثل يقول: دود الخل منّه وبيه!
مختصر قد يفيد وقد لا يفيد: السقوط الحقيقي سقوط الأخلاق!

كاتب عراقي

العراق: «شخابيط» على هامش السقوط الأخلاقي

لبيد الصميدعي

- -

4 تعليقات

  1. أجمل ما قرأت ! سأنتظر مقالتك كل إسبوع – ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مقال و اسلوب رائع ، يذكرني بإسلوب السخرية المبطنة و الكوميديا السوداء لعمالقة العمود الساخر ، داود الفرحان و حسن العاني !
    .
    بإنتظار المزيد و على بركة الله.
    .
    قلوب العراقيين يبدو كانت دوماً مع الحسين و سيوفهم مع يزيد !
    .
    كيف ستبنى بغداد على الركيزتين المذكورتين ، و التمنيات مستمرة بقطع الاصابع بعد كل مناسبة انتخابات يظن الشعب انها الغاية و المنتهى ؟!
    .
    و اذا المصاب هو مصاب الأخلاق ، وهو كذلك فعلاً ، فما علينا الا الاستمرار باقامة المآتم و العويل كما نصحنا شوقي منذ عقود ، علماً انها بالفعل مقامة على امتداد سنوات العراقيين الأخيرة و لكن لإسباب اخرى مختلفة تماماً !

  3. كتابة ، بإسلوب
    غير أن عندي بعض الملاحظات :
    من وصفتهم يستقطب الداخل ، و كنت أتمنى لو لم تستعمل هذا المصطلح ، كانوا مخنوقين و غرقى نتيجة الحروب و الحصار التي كان على النظام السابق تفاديها . أغلبية هؤلاء أناس بسطاء كان كل يومٍ و لسنوات طويلة صراع دائم من أجل البقاء ، و كثير منهم في أحزان دائمة . لذا ليس من الإنصاف التعامل معهم وفق القول : ألقاه في اليمِ مكتوفاً به و قال له إياك إياك أن تبتل بالماء !
    بل وفق : إن أردت أن تطاع ، فَمِر بما يستطاع

    أما ساقطي الخارج ، و الأغلبية منهم يفترض فيهم متعلمين، و مرتاحين مادياً، و لا يعيشوا تحت سطوة النظام ، فهم اللذين لا عذر و مبرر لهم ، في الدعوة و التبرير و الترحيب و التهليل بالغزو و الإحتلال ، ثم الهرولة خلف دبابات الغزاة ، لتلميع أحدية الأخيرين .

    كل يومٍ هو في شأن ، لذا نرجو الوفاق و الوئام و عودة العقل و المنطق و ترسيخ دولة المواطنة و القانون
    مع التقدير

  4. أحسنت .. مقال سياسي ساخر فخم
    قيمته الأدبية تبرز في دورها بإيصال الرسالة التي ترنو إليها .. وقيمته المعنوية تكمن في أنك تصف المشهد (التآمر التأريخي على بغداد وسرعة إنهياراتها) بعين قلبك حيث محل الإرادة والتفقه والتدبر .
    أحببت حسن تخلصك ( الزبدة أصلية بلدي).
    مراجعة النفس وتطور بانوراما تقييمك للأحداث من وجدانية إلى صائبة إلى ثاقبة وتضمين مقالك كل تلك المقاصد والربط بين مساحات ذاكرة التأريخ تلك تحفزنا للإعجاب أولاً ثم التمعّن بقراءة الأحداث من حول كل الرعايا التائهين الذين يبحثون عن وطن إغتصبه مصاصوا دماء ويطلبون فديته من كل مواطن على حده والحائرين في أمر المضي في تحقيق أحلامهم خوفاً عليها من الموت قبل أن ترى النور ..
    وسلب منهم الحد الأدنى من حق تقرير المصير وغيره من الحقوق التي هي هبة من الله تعالى للبشر .. وبات الوطن مع الأسف حظيرة على مستويين ، بهائم السلطة الخاضعين للشيطان و لمن هب ودب من المستعمرين والمحتلين الطامعين ومستوى مسحوق من بهائم الشعب عديمي المروءة و الكرامة إلا مارحم ربي .
    كنت في قمة الرقي الأخلاقي إذ إنتقدت الواقع بذكاء ونبوغ مبيناً العلة آخذا بأيدينا إلى الحل دون تجريح ! فكنت عالغصن الأخضر المتين المرن الذي لن يجد مغرضا فيه نقطة ضعف لكسره .
    أجمل مافي كتاباتك أنها دليلي في كل مرة ﻷستوعب الأمور أكثر .
    لا أظنني أبالغ إذا قلت عن مقالك #خرسانة .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left