من احتجاز تشي غيفارا بالرباط إلى زيارة محمد السادس لهافانا

المعطي منجب

Apr 27, 2018

وجه الملك محمد السادس برقية تهنئة ودية لرئيس جمهورية كوبا الجديد عبر فيها عن طموح الرباط في «فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية». كما كان الملك قد زار السنة الماضية، بشكل فاجأ الجميع، الجزيرة الكاريبية التي كان قد قطع المغرب العلاقات معها سنة 1980 بسبب قضية الصحراء.
إن تاريخ العلاقات المغربية الكوبية تاريخ معقد ومليء بالمتناقضات. ولكن يغلب عليه التوتر والعداء منذ اعتلاء العرش من لدن الحسن الثاني وطيلة عهد القائد الثوري فيديل كاسترو. ولما أتحدث عن العداء فإني أخص بالذكر العلاقات بين النظامين السياسيين، فأحدهما يساري بل وثوروي إلى أقصى حد، يناهض السيطرة الغربية عموما والأمريكية على وجه الخصوص والآخر ـ أي المغرب ـ ملكية محافظة قريبة من الغرب وتعتبر أمريكا زعيمة للعالم الحر أما الماركسية فهي بالنسبة إليها أيديولوجيا غريبة عن تقاليد البلاد ومعادية للدين والأخلاق. بل إن الحزب الشيوعي المغربي كان أول حزب وطني يتم حله «قضائيا» بالاعتماد على تصريح للملك أمير المؤمنين ضد الإيديولوجيات المادية. لكن أسباب العداء الحقيقية بين النظامين لم تكن فكرية أو قيمية بل أساسا سياسية. فالحسن الثاني وكان لازال آنذاك وليا للعهد استغل فرصة تواجد وفد رسمي كوبي يترأسه أشهر ثوريي القرن العشرين ليضع رهن الاعتقال تشي غيفارا بكل هامته وقامته ورغم الحماية الديبلوماسية التي يوفرها له القانون الدولي. لقد منع الأمن المغربي الوزير الكوبي من مغادرة فندق باليما. أما عبد الله إبراهيم رئيس مجلس الحكومة (1958 ـ 1960) فقد استشاط غضبا لما أُخبر وبشكل متأخر بأن ضيفه الرسمي تحت الإقامة الجبرية بأمر أميري. لا شك أن الحسن الثاني كان يبتغي من وراء ذلك، إظهار وده لأمريكا والغرب من جهة، والتعبير عن معارضته لحكومة عبد الله إبراهيم وبأن الديبلوماسية مجال محفوظ للقصر من جهة أخرى. ولكن كيف تعرف عبد الله إبراهيم على الزعيم الثائر حتى تمكن من دعوته للمغرب؟ إنها قصة شيقة ولكننا لن ندخل في تفاصيلها هنا نظرا لضيق الحيز المتوفر. يحكي الكاتب محمد لومة أن سفارة المغرب بالقاهرة جمعت الرجلين أثناء حفل رسمي بمصر الناصرية وان عبد الله إبراهيم دعا بهاته المناسبة التشي لزيارة المغرب. كما قام ابراهيم بنفس المناسبة بتقديم غيفارا ـ أسطورة حرب الغوار بجبال سييرا مايسترا ـ إلى رجل ومحارب ـ أسطورة آخر هو عبد الكريم الخطابي. كان القائد الشاب يعرف حق المعرفة عبد الكريم ويقدر أيما تقدير شخصية أسد الريف الذائع الصيت. فبالإضافة إلى أنه قارئ نهم فإنه تعرف على تكتيكات الخطابي أثناء إشرافه وهو وفيديل كاسترو، في أواسط الخمسينيات على التدريبات العسكرية لجيشهم الثوري بالمكسيك، أقول تعرف غيفارا على «مناير» (طرُق) المحارب المغربي الكبير بفضل أحد المدربين وهو عقيد جمهوري إسباني لا جئ ببلاد زاباطا. كان هذا الضابط قد شارك وهو شاب في حرب الريف واستخلص منها بعض الدروس. ولحسن حظ الزعيمين أن كليهما يتكلم الإسبانية فتبادلا كلاما طويلا وديا وشيقا حول كل شيء ولا شيء… وحول تجاربهما وذكرياتهما السياسية والعسكرية. أسر غيفارا للمحارب المغربي أنه أثناء رحلته بالطائرة في اتجاه القاهرة قد تفرس في سلسلة جبال الريف من الأعلى فألفاها مناسِبة جدا لحروب التحرير الشعبية. تحدث الرجلان كذلك حول خططهما للمستقبل وأملهما في نهاية عالم ظالم وبناء عالم تسوده الحرية والإخاء بين الشعوب. عالم تلقى فيه حتفها غطرسة الأقوياء ويكون فيه للقارات الثلاث المستضعفة الكلمة الفصل في شؤون البشرية. وعلى ذكر القارات الثلاث، فإن رفيق عبد الله إبراهيم، المهدي بن بركة هو من سيترأس في السنوات التالية اللجنة التحضيرية لأول مؤتمر للقارات الثلاث (لاتريكونتينونتال) بتنسيق مع فيديل كاسترو مادام أن اللقاء سيتم بهافانا. بن بركة الذي تعرف كذلك على غيفارا بالجزائر مباشرة بعد استقلال هذه الأخيرة لم يكن يعلم أنه بمثل هذه العلاقات كان يمشي بخطوات واسعة نحو مصيره المحتوم حيث سيختطف ويقتل في باريس ثلاثة أشهر بالكاد قبل ترؤسه الشرفي لأول مؤتمر للمعارضة على المستوى الكوني.
لنعد الآن إلى الملك الحسن الثاني وعلاقته بكوبا الثورة: مباشرة بعد إقامة العلاقات الديبلوماسية الرسمية بين البلدين سنة 1962 اندلعت أزمة الصواريخ بين الولايات المتحدة والجزيرة الكاريبية. وقف المغرب إلى جانب واشنطن رغم أن الغالبية العظمى من بلدان العالم الثالث ومنهم الجزائر أيدوا هافانا. هاته الأخيرة ستنتقم من المغرب في السنة التالية وذلك بإرسال سبعمائة جندي كوبي لدعم الجزائر أثناء حرب الرمال الحدودية مع المغرب. واشنطن ستضغط بقوة على الرباط حتى تضع هذه الأخيرة حدا لتبادل الفوسفات والسكر بين البلدين رغم أن هذا الاتفاق الذي وقعه تشي غيفارا مع حكومة عبد الله إبراهيم كان مربحا وحيويا جدا لكلي المتعاقدين. ستستمر العلاقات إذن باردة وبها صعود وهبوط لمدة تقارب العقدين. وقع ما يشبه الأزمة بين العاصمتين عقب اغتيال المهدي بن بركة سنة 1965 كما وقعت أزمة حقيقية بين البلدين لما وقفت كوبا إلى جانب البوليساريو أواسط السبعينيات. ومن الأمور الغريبة أنه كان هناك انجذاب بيِّن من طرف الحسن الثاني لشخصية فيديل كاسترو القوية فقد كان يربط بينهما رابط السلطوية والحكم الفردي والانبهار بوسائل الإعلام. وهكذا فإنه حدث مرة خلال السبعينيات ـ لا أتذكر السنة ـ أن اضطر فيديل كاسترو للتوقف بالمغرب بين طائرتين، فما كان من الملك الراحل، وهو الذي يعشق أيما عشق النقاش مع الكبار، إلا أن التحق بالمطار بشكل مستعجل لتحية الزعيم الثوري العالمي. لقد كانت خيبته كبيرة لما استمر فيديل في لوْك سيجاره الكوبي وكأن شيئا لم يكن بل وكأنه يضجر بلقاء الملك.

٭ كاتب من المغرب

من احتجاز تشي غيفارا بالرباط إلى زيارة محمد السادس لهافانا

المعطي منجب

- -

3 تعليقات

  1. ليس غريبا ان يعتبر الكثيرون ان المغرب قد عرف مرة واحدة حكومة بالمعنى
    -
    الصحيح و كانت برئاسة المناضل عبد الله ابراهيم رحمه الله فقط اتساءل أليس
    -
    حزب التقدم و الاشتراكية هو امتداد للحزب الشيوعي المغربي او اعادة مغربته ?
    -
    شكرا للسيد منجب على سرده لهذه الاحداث

  2. وتبين في اخر المطاف ان الحسن الثاني كان على حق رحمه الله ولولا قامة مثله على هرم السلطة لكان المغرب في خبر .وكان سدا منيعا لكثيرمن تهور وصبيانية وعدم حكمة كثير ممن ادعوا الزعامة السياسية انذاك.والاسف كل الاسف ان هناك قليل من يستفيد من التجارب الماضية وهو ما نراه عند من يدعي التنظير السياسي من ديناصورات القرن الماضي.فحليمة مازالت على حالها وقد تبدلت الارض غير الارض.ولله في خلقه شؤون. ولله الامر من قبل ومن بعد

  3. شكرا للأخ منجب, فأنت مؤرخ والتاريخ ميدانك, لو بالإمكان الإستمرار على المنوال سنكون لك من الشاكرين.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left