الجيش «الأكثر أخلاقية» يقطع أحلام الصحافي الشاب أبو حسين

في رثاء زميل استشهد برصاص جنود الاحتلال

وديع عواودة:

Apr 27, 2018

الناصرة – «القدس العربي» : ولد أحمد أبو حسين قبل 24 عاما في أسرة فقيرة داخل مخيم جباليا كانت قد هجرت من قرية نعليا عام 1948. أنهى دراسته الجامعية في كلية الصحافة والإعلام في جامعة الأزهر في غزة، وباشر على الفور في خوض غمار العمل الصحافي الميداني. ويفيد زملاء له اليوم أنه واصل الليل بالنهار بغية تحقيق ثلاثة أحلام، أولها إعالة أسرته الفقيرة بعدما فقد والده قبل 12 عاما، وثانيها الزواج وتكوين أسرة، وثالثها الفوز بفرصة للسفر الى خارج غزة ولو لمرة واحدة.
لكن رصاص «فاتحي المخيمات وسفاحي الطفولة» كان أسرع فأصيب في 13 من إبريل/ نيسان الحالي برصاص خلف جروحا خطيرة في بطنه. وحاول المستشفى الأندونيسي في غزة إسعافه، ولاحقا نقل الى مستشفى في رام الله ومن هناك نقل لمستشفر تل شومير الإسرائيلي بعد تدهور صحته، وأول من أمس غيبه الموت تاركا والدة وشقيقا وشقيقة.
ويوضح زميله رامي الشرافي الذي كان برفقته يوم أصيب خلال تغطيته مسيرة العودة ، لافتا الى أن أبو حسين كان على مسافة بعيدة من الجدار يوم صوب قناص رصاصة متفجرة نحو بطنه أصابت كبده وكليته والبنكرياس بالتهتك.
عمل أبو حسين مراسلا ومصورا لإذاعة صوت الشعب المقربة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي شبكة بيسان الإخبارية. ويؤكد الشرافي أن الصحافي الشهيد أبو حسين امتاز بشجاعته في العمل وتوثيق الأحداث حتى عندما ترتفع ألسن اللهب ويزداد منسوب حقد جنود الاحتلال لحد التوحش.
وفعلا تعكس بعض كتاباته في صفحته في الفيسبوك روحه الجسورة المقيمة داخل طائر يعشق الحرية ويكره القيود. في 23 مارس/ آذار الماضي شكا أحمد من مشاعر الحصار والكبت وتقييد حرية التعبير، فقال إنه يفتح «حسابا احتياطيا» في الفيسبوك في حال تم « إغلاق حسابي لأن الفيس نازل طالع إغلاق لصفحاتنا وحساباتنا عن جنب وطرف».
كتب أحمد ذلك ولم يكن يعرف أن رصاص أفيغدور ليبرمان وزير الأمن الإسرائيلي سيطلق حتى على الصحافيين «عن جنب وطرف» ودون تمييز ودون منحه فرصة لحياة احتياطية. نالت منه رصاصات مسمومة بالكراهية والغطرسة أطلقها جبناء يخشون كاميرا حملها أحمد، وفيها وثق فتوحات الجيش الذي يزعم أنه الأكثر أخلاقية في العالم.
أصيب أحمد في كبده وهو في الأربعة والعشرين ربيعا من شبابه مرتديا سترة الصحافيين وقد كتب عليها صحافة بالعربية والإنكليزية. وارتقى أحمد أمس شهيدا في سبيل الوطن والمهنة الشريفة والحياة الحرة الكريمة. خرج أحمد من غزة كما كان يحلم ولكن هذه المرة لن يكحل عينيه بها. غادر غزة محمولا على سرير الإصابة نازفا، وها هو يستعد للرجوع على سرير خشبي محمول، ولو سئل قبل أن يغمض عينيه لا بد أنه سيناشد العالم بأن يتحقق حلمه المعكوس.. بأن يعود إلى غزة إلى حضنه الأول والأخير.
أغمض أحمد عينيه قبل أمس للمرة الأخيرة بعدما سرق الاحتلال نورهما وسلب نبضات قلبه الكبير بسطو مسلح عسير بدأ قبل 70 عاما وأكثر، ولكنه سينتهي مهما طال الظلم وكبر التكبر وهذه حتمية التاريخ من نيرون إلى فرعون..ولن تقفز عن الفراعنة الجدد.
هي رصاصات مسمومة أوقفت قلب أحمد وستبقى تكوي قلب أم تثكل فلذة كبدها بعد 12 عاما من ثكل زوجها ورفيق دربها. رحل أحمد ودقات قلب أمه الكبير قد زادت أضعافا رغم هزالة جسدها وهي في جوار سريره توصل الصلاة بالصلاة من أجل أن يبقى ويعود معها إلى جباليا.
في منشور آخر وليد نظرة المتأمل في طبيعة الحياة يقول الصحافي الفلسطيني المقدام «في قاموس الغياب لا فرق بين أن انتظر واحتضر» .كما أن منشوراته  تعكس وطنيته الملتهبة وتدلل على حسه الإنساني المرهف، فيقول بلكنة مصرية تميز لهجة أهالي غزة، معبرا عن وجعه لاستشهاد المدنيين من نساء وأطفال في عدوان «الجرف الصامد» على غزة في 2014: «2014 عام أحس فيه أن أبويا توفي تاني».
قصة أحمد العربي الفلسطيني من غزة بتفاصيلها واحدة من مأسي واقع عربي متكرر للأسف ألهمت الشاعر الجميل أمل دنقل وبمثلها صاح «لا تصالح»، فابن جباليا المهجر من نعليا الذي مارس عمله في تلك الجمعة السوداء ولم يكن غازيا ولم يتسلل قرب مضارب الغزاة في التخوم ولم يمد يده لثمار الكروم ولم يصح به قاتله «انتبه». التحق أحمد بزميله ياسر المرتجى وهو الآخر قد قضى نحبه وهو يمارس عمله الشريف دون أن يعتدي على أحد، بل مات ضحية للحصار والعدوان والزعران.

 

الجيش «الأكثر أخلاقية» يقطع أحلام الصحافي الشاب أبو حسين
في رثاء زميل استشهد برصاص جنود الاحتلال
وديع عواودة:
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left