فرِيدَا كَاهْلُو رُوحُ المِكسيك العَميقة: صلابتها كالصبّار يشقّ طريقه بين نتوءات الصّخور

محمّد محمّد خطّابي

Apr 28, 2018

مدريد ـ «القدس العربي»: عاد الحديث في مختلف الأوساط الفنية العالمية عن الفنانة التشكيلية المكسيكية الذائعة الصّيت فريدا كاهلو، بعد أن أخرجت شركة اللّعَب العالمية «Mattel» دمية لها ضمن سلسلة دُمى» باربي» الشّهيرة، فبالإضافة إلى عائلتها التي عبّرت عن احتجاجها، كانت الفنانة السينمائية المكسيكية سلمى حايك (من أصل لبناني) سبّاقة كذلك للتعبير عن استيائها الشديد من هذا الصّنيع، وطالبت بوقف هذه المهزلة التي لا تليق بفنانة كبيرة وقالت: «إنني أكاد لا أصدّق ما أقدموا عليه خاصّة وأن فريدا لم يكن يروقها أن تشبه أحداً وهي شديدة الاعتزاز بأصالتها»، وصرّحت ممثلة الشركة بياتريث ألفارادو، أنّ أحد أقارب فريدا كاهلو كانت قد منحتهم حقوق استعمال صورتها منذ بضع سنوات، وما زالت هذه القضيّة قيد الدّرس، والمساءلة.
وكان قد أقيم في لوس أنجلس معرض لصور فريدا كاهلو، ضم 130 نسخة من لوحاتها وإبداعاتها الفنية، ونظراً للنجاح الباهر الذي حققه تمّ افتتاحه من جديد في محطة الحرية في مدينة سان دييغو، ويقول المشرفون عليه «أن الإقبال على أعمالها كان منقطع النظير، وقدم المعرض عدداً من الصور الفوتوغرافية للرسّامة، إلى جانب مجموعة من أثاثها، ومقتنياتها، وممتلكاتها الخاصة. كما تمّ عرض نسخ من بعض أعمالها الفنية التي تحظى بشهرة عالمية والتي لم يكن يُسمح بعرضها من قبل خارج بلدها».
لقّبها المكسيكيّون بـ»روح المكسيك العميقة» وما انفكّت هذه الفنانة منذ رحيلها تحيّر العالم. معارض عديدة، وتظاهرات عالمية نظّمت حولها وحول إبداعاتها، التي حقّقت بها نجاحات منقطعة النظير. هذه المرأة أصبحت من أغرب الظواهر الفنيّة في تاريخ الإبداع التشكيلي في المكسيك، ومن أشهر نسائه في القرن العشرين، بل وفي مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية.
يقول الكاتب الإيطالي بينو كاكوشي عنها وعن أحلامها، ومعاناتها، وهوسها الإبداعي: «كانت مثل الصبّار المكسيكي، القويّ الصّبور، المتفجّر من أعماق الرّمال، والذي يشقّ طريقه بين وعورة التضاريس، ونتوءات الصّخور البركانية، والمستشيط غضباً بالأشواك في وجه الغرباء، إلاّ أنه في آخر المطاف يظهر بقلب وديع وعذب. كانت فريدا سجينة ذاتها، لكنّ تعلقها وتشبّثها الشديديْن بالحياة نفخا فيها شحناتٍ عاطفيةً كبرى، وطاقاتٍ إبداعيةً مثيرة».
لم ينقطع الحديث عن الفنّانة الغريبة الأطوار، قصائد عصماء، تُكتب عنها، أفلام تُنجز حول حياتها الغامضة والمتقلبة، أعمال مسرحية تُقدّم على خشبات العواصم الكبرى حول غرامياتها، وعن زواجها من عبقريّ للفنون التشكيلية في المكسيك دييغو ريفيرا، لوحاتها تحفل بالغرائبية، والحزن العميق، والتساؤل المفرط، والحيرة والقلق والمكابدة. كانت رمزاً للنساء المتحرّرات المدافعات عن بنات جنسها، صورتها واسمها أصبحا يُرَصَّعان على المُجوهرات، والخواتم، والأساور، ويظهران في المُلصقات والأقمشة، والقمصان، والقبّعات.

المنزل الأزرق

ولدت فريدا كاهلو في السادس من تموز/يوليو عام 1907 في مكسيكو، في المنزل الذي عرف رحيلها عن عمر 47 سنة. حياة قصيرة، ولكنّها حافلة بالمرارة، والأحلام، والآمال، والآلام. كان منزلها يسمّى «المنزل الأزرق» وكأنّها كانت على موعد مع هذا اللون الحالم منذ لحظة قدومها إلى هذا العالم الذي خبّأ لها غيرَ قليل من المفاجآت القاسية من كلّ نوع. هذا اللون استعملته في رسوماتها على الرّغم من أنّ فضاء حياتها كان ملبّداً شحّت فيه البّسمات. والدها غيّيرمُو كاهلو، كان مهاجراً قدم من مدينة بادن بادن الألمانية ولم يكن يحمل معه وقتها سوى متاع يسير ينحصر في معارف قليلة حول فنّ التصوير، وهيام كبير بالتشكيل، إلاّ أنه لمس في ابنته شيئاً غريباً منذ نعومة أظافرها، فقد كانت تجسيداً حيّاً لطموحاته الشخصية التي أخفق في تحقيقها. كان يرافقها من مكان إلى آخر، ويساعدها على حمل الريشة ليضعها بين أناملها الواهنة، ويقدّم لها النّصح لترخي لعبقريتها العنان، كان يلقنها كذلك كيف تواجه الصّعاب، وكيف تتعلّم تحمّل الآلام الجسدية المبرحة التي هيأتها لها الأقدار. ليس بالتأوّه أو النحيب، بل بالإنتاج والعطاء المتواصل. أمها ماتيلدي كالدرو، كانت امرأة مفرطة في التديّن والانغماس في الغيبيّات، عارضت زواج ابنتها من أحد عباقرة عصرها دييغو ريفيرا الذي كان يصفها بأنّها «امرأة قاسية وأميّة».
عندما وقعت فريدا فريسة مرض عُضال ألزمها الفراش كانت تسهر وتشعر بوحشة قاتلة، ولم تكن تجد من سلوى سوى الانغماس في عالم الرّسم، والإبداع وهو معولها الوحيد الهشّ لقهر عزلتها، ثمّ اهتدت إلى حيلة لملء فراغها القاتل، فطلبت بوضع مرآة كبيرة على سقف حجرتها فوق موضع سريرها، وكانت تقضي السّاعات والأيام إلى جانب فريدا! ومن هنا يأتي سرّ العدد الهائل من اللوحات الشخصية أو الذاتية التي رسمتها. وفي السادسة من عمرها أصيبت بمرض شلل الأطفال، وظلّت حبيسة منزلها لمدّة تقارب الحوْل، وعندما ذهبت إلى المدرسة فيما بعد لقبتها زميلاتها «فريدا ذات القدم الخشبية» لشدّة نحافة إحدى قدميها التي كانت تحشوها بجوارب سميكة ليتساوى حجمها مع الأخرى. كانت فريدا تقول: «هناك حادثان غيّرَا مجرىّ حياتي، وهما عندما تحطّم عمودي الفقري، وعندما رماني الهوىَ في أحضان دييغو».
كانت قبل أن تتعرّف على هذا الفنّان تعاكسه بطرائق شيطانية، فقد كانت تضع الصّابون على السلّم الذي يصعده لرسم جدارياته الشهيرة فتنزلق قدماه ويقع! وكانت تخفي سلّة غذائه فيتضوّر جوعاً فلا يقوى على العمل! وعندما تعرّفت عليه كانت تسبّب له غيرة قاتلة، وكانت كلّ أمانيها في الحياة أن ترزق بطفلٍ منه، إلاّ أنّ الطبيعة وقفت لهما بالمرصاد.

إعجاب المشاهير بها

وحسب بعض المجلات الأمريكية فإنّ فريدا تقف في مصافّ 60 أعظم شخصية أثّرت في تاريخ المكسيك المعاصر، وعندما انتشرت شهرتها في العالم اعتبرت أعمالها الفنية «تراثاً ثقافيّاً وطنيا» ممّا زاد في أهمية وقيمة أعمالها، وقد حُضّرت في العديد من الجامعات الأمريكية، والأوروبية رسائل وأطروحات دكتوراه حول حياتها وأعمالها الفنية.
ولم تنظّم الفنّانة خلال حياتها القصيرة سوى معرضين إثنين، وجلّ أعمالها اقتنيت من طرف أصدقائها، وسرعان ما بدأت لوحاتها تجوبُ العالم، واحتلّت مكانة خاصّة في الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، وحقّقت لوحاتها في هذا البلد أعلى المداخيل التي أدركها الفنّ التشكيلي في تاريخ أمريكا اللاّتينية.

ضفائر شعرها

عندما بلغت الثامنة عشرة من عمرها كانت قد أجريت لها 35 عملية جراحية على إثر حادثة سير، وكان لهذا الحادث تأثير حاسم على حياتها، حيث أصبحت لا تدع أيّ لحظة من لحظات عمرها دون رصدها أو ترجمتها إلى أعمال فنيّة مشحونة بأرقّ الأحاسيس، ومفعمة بمشاعر الحزن، والأسى، والألم، وهكذا أصبحت لوحاتها عبارة عن مشاهد حيّة ناطقة تعكس مختلف مراحل عمرها وحالاتها النفسية المتقلبة.
لقد وصفها أبو السّوريالية الفرنسي أندري بريتون الذي تعرّف عليها في المكسيك عام 1938 بأنها فنّانة سوريالية من طراز رفيع، وقال أنّها قنبلة موقوتة موثوقة إلى ضفائر شعرها! إذ تنبثق من لوحاتها طاقة غريبة تبدو فيها فريدا وكأنّها تتعلّق بالحياة. لقد كانت تقول: «إنّني أرسم ذاتي لأنني أكثر النّاس معرفةً بها». وتشير الناقدة الأمريكية هايدن هيريري التي وضعت أشهر كتاب حول فريدا إنّ «المئتي لوحة التي رسمتها هذه المرأة في حياتها هي في الواقع حوار مع نفسها وتفجير للطاقات والصّراعات التي كانت تعتمل داخلها». كانت مغرمة بارتداء الأزياء التقليدية الشعبية المكسيكية الزاهية والمزركشة للتّباهي بأصلها، ثمّ لتخفي عيباً أو عاهةً في شكل حدبة في ظهرها بسبب اعوجاج في عمودها الفقري.
كانت فترة الأربعينيّات صعبة جدّا في حياتها، فقد ساءت علاقتها مع دييغو حتّى وصلت حافة الطلاق إلّا أنّ القطيعة بين الرسّامين العبقريين لم تقع، وعندما اشتدّت بها العّلة لم يكن دييغو إلى جانبها، بل صار يقيم علاقة حميمية، وكانت فريدا تمثل روحه الجامحة، وقد فهم دييغو هذا الشعور عندما رسم فريدا فعبّر عن حالاتها المتقلبة ومعاناتها وهو في الواقع كان يعبّر كذلك عن حالاته ومعاناته وتناقضاته.

منحة غوغنهام

عثر الناقد المكسيكي انكريد سوكاير، في بعض الأوراق من مخلّفات فريدا كاهلو التي توجد في خزانة وثائق الدولة المكسيكية على طلب كانت قد تقدّمت به عام 1939 للحصول على منحة دراسية من مؤسّسة غوغنهام، وجاء في الرسالة: «بدأت الرسم منذ اثني عشر سنة، وذلك خلال مكوثي في الفراش لمدّة تقرب من عام على إثر حادثة سير. خلال هذه السنوات عملت بدافع من أحاسيسي ومشاعري، لم أتّبع قطّ أسلوب أيّ مدرسة معيّنة، كما أنني لم أتأثّر بأحد، ولم أنتظر من عملي سوى الانشراح الذي كان يقدّمه لي الرّسم في حدّ ذاته حتى أقول وأعبّر عمّا لم أستطع قوله أو التعبير عنه بطريقة أخرى. رسمت وجوهاً، وتراكيبَ، وصوراً، ومواضيعَ لها صلة بالطبيعة وبحالاتي النفسية وانفعالاتي العميقة وهي صور من داخلي، وهي أصدق ما يمكنني التعبير عنه». وتتحدّث عن معرضها الأوّل في نيويورك عام 1938 حيث عرضت 25 لوحة باعت منها 12 ثم معرضها في باريس الذي أشرف عليه أندريه بريتون، وتختم رسالتها قائلة: «واهتمّ النقد بأعمالي في باريس، واقتنى متحف اللّوفر إحدى لوحاتي». ونقرأ في حاشية الرسالة الملحوظة التالية: «فريدا كاهلو لم تحصل على هذه المنحة قطّ».
الكاتبة المكسيكية إلينا بونياتوسكا تحكي في رواية لها مستقاة من واقع حياة فريدا كاهلو قصّة الحبّ الذي جمعها بدييغو، وجاءت الرّواية على لسان فريدا وهي تخاطب خليلها: «أنظر إلى عيوني لقد أضناهما السّهاد، إنني أكاد لا أنام، إنني أستقبل إشارات لا يشعر بها الآخرون، أنظر إلى أناملي المثقلة بالخواتم، إنني أقبل هذه الأنامل لأنّها وحدها لم تخدعني، إنها تنفّذ ما يأمرها به عقلي ووجداني في حين خانني جسمي كله، إنني حبيسة هذا الجسم اللعين منذ سنوات، هذه الأنامل هي التي ضفرت شعرى الطويل الفاحم، وزرعت فيه الزّهور، هي التي رسمت دييغو، وكلابي، وإجهاضي، والخادم الهندية الأصلية، وأختي، وحاجبيّ المعقودين، بهذه الأنامل رسمت شفتاي، والدوائر الزّرقاء حول عيوني، ولادتي، وأحلامي».

فرِيدَا كَاهْلُو رُوحُ المِكسيك العَميقة: صلابتها كالصبّار يشقّ طريقه بين نتوءات الصّخور

محمّد محمّد خطّابي

- -

1 COMMENT

  1. عودة ميمونة للسيد محمد محمد خطابي ضمن كتاب قدسنا العربي المتألقين
    -
    شخصيا تعرفت على حياة هذه المبدعة الكبيرة من خلال العمل الرائع الذي قدمته
    -
    الممثلة سلمى حايك في الفيلم الذي جسدت فيه شخصيتها بميزة كبيرة
    -
    في بعض ما يشير اليه ذلك الفيلم علاقتها الحميمية بالثوري الشيوعي تروتسكي
    -
    تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left