الباحثة التونسية في قضايا الفكر والإسلام منية العلمي: التّعاطي الجامد مع الموروث السّبب المباشر للتطرّف الدينيّ

روعة قاسم

Apr 28, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: الباحثة التونسية في قضايا الفكر والإسلام د. مــنيـة الـعلـمي هي أستاذة محاضرة في المعهد العالي لأصول الدين، جامعة الزيتونة في تونس. مختصّة في علوم القرآن والتفسير، ومهتمّة بالفكر الإسلاميّ المعاصر وقضايا المرأة، وهي عضو لجنة انتداب الأساتذة في اختصاصها، وكذلك عضو مخبر دراسات «الفكر الإسلامي وتحوّلاته وبناء الدولة الوطنيّة». لها عدد من المؤلّفات المنشورة مثل: ولو جئنا بمثله مددا- في العلاقة بين السياق وعلوم القرآن، تفنيد التّفنيد: في الردّ على القرآنيّين ومنكري النّسخ، وكتب أخرى في الاختصاص، وهي بصدد طبع كتابها «أزمة المقدّس النسويّ بين التّفاسير والكتابات المعاصرة». تعتبر الباحثة ان ليس هناك مدى محدّد لإعادة قراءة تاريخنا، فتلك مسألة طبيعيّة في سيرورة الإنسان وبناء الحضارة، والمسلمون اليوم مطالبون بالانخراط في ذلك المسار الطبيعيّ لحركة التّاريخ. وترى ان التّعاطي الجامد مع الموروث يعتبر السّبب المباشر للتطرّف الدينيّ الذي نبحث له اليوم عن حلول. وتشير إلى ان كلّ حركات الإصلاح الدينيّ ستبقى قاصرة ما لم تنطلق من مراجعات تاريخيّة للموروث الإسلاميّ وما لم تفّعل دور العقل في إطار مفهوم الختم «ختم الرّسالة المحمديّة».
○ إلى أيّ مدى نحتاج إلى إعادة قراءة تاريخنا وموروثنا أو هل نحن في حاجة إلى حركة إصلاحية دينية جديدة؟
• ليس هناك مدى محدّد لإعادة قراءة تاريخنا، فتلك مسألة طبيعيّة في سيرورة الإنسان وبناء الحضارة. والمسلمون اليوم مطالبون بالانخراط في ذلك التمّشي الطبيعيّ لحركة التّاريخ، بتنقية ذلك الموروث وغربلته وتحريره من القداسة الموهومة على اعتباره جهدا بشريّا تفاعل مع واقعه في لحظة من لحظات التاريخ، فالفكر الإسلاميّ بتقديسه لذلك الموروث يغلق على نفسه منافذ الإبداع، ويعطّل فعل القراءة للمقدّس الأصل: القرآن الكريم، ويتوّرط في مغالطة تاريخيّة تمّسك بها طلبا لنجدة، ودفعا لكلّ «خطر» وافد، لا يحمل علامة الجودة المقدّسة في نظره.
غير أنّ هذه المراجعات لا تعني بتاتا الانفصال عن ذلك الموروث، بقدر ما تعني عدم الوقوف على أعتابه ومحاولة استرجاعه منهجيّا ومعرفيّا، فلا يمكن في اعتقادنا التّأسيس لإصلاح دينيّ مؤكدّ وضروريّ، دون تحديد العلاقة مع ذلك الموروث، ودون إنتاج أدوات معرفة متساوقة مع واقع متحرّك، فالمنظومة الأصوليّة الفقهيّة مثلا في حاجة للتّجديد والإثراء والمراجعة، ونحن لا نتفهّم هذا الحرص على تسييجها بمغلقات أبديّة.
ويجب أن نعي أنّ هذا التّعاطي الجامد مع الموروث يعتبر السّبب المباشر للتطرّف الدينيّ الذي نبحث له اليوم عن حلول. وكلّ حركات الإصلاح الدينيّ ستبقى قاصرة ما لم تنطلق من مراجعات تاريخيّة للموروث الإسلاميّ، وما لم تفّعل دور العقل في إطار مفهوم الختم «ختم الرّسالة المحمديّة» وما لم تجدّد مناهجها المعرفيّة وتنفتح على الحديثة منها وخصوصا المنهج الاستقرائيّ التحليليّ المقارن.
○ لقد حاول عدد من المفكرين العرب «نقد العقل الإسلامي» من أجل إيجاد وخلق وعي جديد للإسلام فما تقييمك لتجاربهم، ونذكر بالخصوص الفيلسوف محمد اركون الذي دعا لإعادة قراءة القرآن وتفسيره وفق مناهج النّقد الأدبي الحديث؟
• نعتقد أوّلا أنّ النّقد يكون للفكر وليس للعقل، لأنّ العقل واحد -على رأي عليّ حرب في نقده للجابريّ – والفكر هو الذي يكتسب التنّوع، ومن الطبيعيّ أن نتوّقف عند تجارب متعدّدة في نقد «العقل» الإسلاميّ، وهي كلّها تجارب ردّ فعليّة، عميقة أحيانا، إزاء الوضع السياسيّ والثقافي والاجتماعي للمجتمعات المسلمة اليوم، وهو وضع شبيه بزمن الحواشي والنّقول، بمعنى قرون الجمود وغلق باب الاجتهاد، وكانت أولى تلك التّجارب مع الأفغانيّ ومحمد عبده في نسخة العودة إلى «الصّفاء الأوّل» – وإن اختلفت المناهج والسّياقات – ثمّ بعدها نتوّقف عند مشروع الجابريّ في نقده للعقل العربيّ وما يتّسم به من إغراق في القضايا الميتافيزيقية، مرّكزا منهجه الإصلاحيّ على ضرورة القطع المعرفيّ مع المرحلة اللاّهوتيّة، غير أنّ مؤاخذتي على تلك التّجارب ترتكز بالأساس على علاقتها بالنصّ المتعالي، فهي تقريبا تنسفه كرؤية للعالم وللوجود، نتيجة استخدامها للمنهج التاريخيّ النقديّ، وهو منهج إلى جانب كونه استشراقيّا، فهو أيضا منهج غير منصف في قراءة الموروث لأنّه يقرأه من الخارج بعيون الحداثة، ممّا أوقع تلك التّجارب في إشكال التاريخيّة، بمعنى انتهاك العلاقة الروحيّة بين المسلمين وبين كتابهم، والتّفاعل معه كـ»منتج بشريّ» متناسية بعده الإلهيّ المقدّس.
وبالمثل يقع الفكر الإسلاميّ في خطأ مماثل باستنساخه المنهجيّ والمعرفيّ للفهوم الأولى وإصراره على التّقوقع داخل تلك الفهوم ورفض عمليّة تواصل الفهم التّي دشّنها الأولّون ومن دورنا وواجبنا عدم قطعها، فإن قطعناها تخبّطنا فيما نتخبّط فيه اليوم!! نحن ندعو لإنتاج مناهج جديدة تنسجم مع السّياقات الحديثة، ومع الوضع المتردّي الذي عليه الأمّة الإسلاميّة اليوم، وهذا لا يعني تسليط مناهج غريبة عن ثقافتنا وواقعنا، فذلك سوف يؤزّم ذلك العقل أكثر فأكثر، لذا لا بدّ من استنباط مناهجيّ ومعرفيّ متماه مع أساسيّات النصّ: الفكر المقاصديّ وجوهر الدّين.
فنحن نطالب بإصلاح في الخلفيّة المنتجة لفهوم النصّ، وفق تجديد آليّات ومناهج الفهم لننزع عن المدّونات السّابقة طابع القداسة الذي استقرّ في الوعي الجمعيّ للمسلمين، وهذا لا يتمّ بالقطع مع تلك المدّونات التّي نعتبرها مؤسّسة لذلك الفكر، فنحن بحاجة لإحداث وعي جديد بالدّين بمنأى عن تقديس الفكر الدينيّ، فأركون في نقده للعقل الإسلاميّ يعتبره غير قادر على التحرّر من سلطة «الرّسالة» وهو يقصد الفهوم الأولى التّي نُسجت حولها أصوليّا وفقهيّا، لذلك هو يدفع ذلك العقل نحو أخذ مسافة نقديّة مع «الرّسالة نفسها» ونحن ندعو لتثوير «الفهم» لتلك الرّسالة عبر الالتفات لجوهرها وأبعادها الشموليّة الكونيّة، بمعنى التّمييز بين الشّريعة والتّشريع، لأنّ التّشريع جزئيّ مرحليّ يتنّزل في سياقه السوسيوتاريخيّ، والشّريعة باقية في قيمها التّي تتمثل المشترك الإنسانيّ كما يتمثّلها.
○ هناك جدل كبير اليوم في تونس حول الإرث ومسألة المساواة في الإرث بين الرّجل والمرأة، فما رؤيتك لهذه المسألة الهامة؟ وما تقييمكم لدور المرأة التونسية وهذه الثورة «النسويّة» الجديدة إلى أين تسير؟
• »الثّورة النسويّة» كما تسّمينها، ليست جديدة في تونس، فهي كانت وما زالت مرتبطة بمعارك التحرّر الإنسانيّ عموما وليست بمنأى عنها، فلقد خاضت المرأة التونسيّة عديد المعارك والنّضالات عبر تاريخها الطويل منذ الكاهنة البربريّة إلى معركة التّحرير من المستعمر الفرنسيّ، وصولا إلى إسهامها في الثورة التونسيّة، وصمودها بعد ذلك للمحافظة على مكاسبها في مجلة الأحوال الشخصيّة التّي هدّدتها بعض مخرجات الثّورة، وصولا إلى فرضها كفصول قانونيّة في دستور 2014 حيث أكّد في الفصل 46 منه على أنّ «الدّولة تلزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها» فيما نصّ الفصل 21 منه على أنّ «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز». وعليه فإنّ المرأة التونسيّة في ثورة مجتمعيّة متواصلة وليست في ثورة نساء بالمعنى النسويّ، فالمطالبة بتعزيز منظومة حقوق المرأة يتنزّل ضمن سياق تاريخيّ لنضالات يوميّة للمرأة التونسيّة، أمّا عن الفكر النسائيّ التونسيّ في علاقته بالمفاهيم الدينيّة – وليس بالدّين- فلقد دشّنته أروى القيروانيّة التّي اشترطت على زوجها عدم الزّواج بثانية وعدم التسّري بملك اليمين وإلاّ فكّت منه عصمتها. لذلك فإنّ الجدل القائم حول المساواة في الميراث بين الجنسين هو جدل طبيعيّ بالنسبة للمرأة التونسيّة في مسيرة نضالها الطويلة نظرا لما عاينته من مظالم كثيرة تُسّلط على المرأة باسم الدّين وهو منها براء، وخصوصا المرأة الريفيّة التّي تُحرم حقّها في الميراث وتُذّنبها العائلة إذا ما طالبت به بل وتذهب في بعض الأسر للتبرّؤ منها، ذلك أنّ المجتمعات العربيّة الإسلاميّة ما زالت مجتمعات أبويّة بالصيغة المشّوهة، بمعنى تنتج المرأة فيها وتسهم في نماء ثروة العائلة وأحيانا كثيرة تكون هي العائل الوحيد لها، لكن عندما يتعلّق الأمر بالميراث تستحضر مجتمعاتنا التّرسانة الدينيّة والفقهّية والعرفيّة لتحرم المرأة حقّها.
ولا يجب أن ننكر وجود قراءات جديدة لآية الميراث، تنطلق من عدم اعتبار مسألة الميراث مسألة عباديّة بل هي من فقه المعاملات الذي اختلف حوله الصّحابة (ابن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم) وأنّ الآية على ذلك ليست قطعيّة الدّلالة، بمعنى يحرّم تحريك الأنصبة فيها بالزّيادة في حظّ المرأة وخصوصا بالنّسبة للأخت مقارنة بأخيها، ويعتبر أصحاب تلك القراءة، أنّ قطعيّة تلك الآية تتمثّل في عدم حرمان المرأة من حظّها الأدنى في الميراث، وهو ما حدّده الشّرع الحكيم في الآية والذي لا يجب النّزول دونه، فهو الفريضة المذكورة في آخر الآيات «فريضة من الله» فعناية الله عزّ وجلّ لم تكن لتتّجه نحو تحديد أنصبة لا يقع تجاوزها، وإنّما حكمته تعالى أرادت حفظ حقّ المستضعفين من اليتامى والنّساء، كما جاء في أوّل سورة النّساء، فآيات المواريث – بالنسبة لأصحاب تلك القراءة – هي تفصيل ربانيّ للمغزى الأصليّ الذي تضمّنته أولى آيات سورة النّساء، ولا تحمل قراءة منتهية في الأنصبة والمنابات، وإلاّ لما اجتهد فيها الصّحابة ولما وقع الاجتهاد بتوريث بعض الأقارب كما ورد في آية الوصيّة، اجتهاد اقتصر على الأحفاد للابن ولم يشمل الأحفاد للبنت في قراءة فقهيّة ذكوريّة بامتياز سعت للحفاظ على مقوّمات المجتمع الأبويّ، كما بالنسبة لميراث الأعمام دون العمّات أيضا. فالمنهج القرآنيّ في سياق نزول الآية والذّي اقتضى حينها التّفاوت في مقدار النّصيب، لم يقع فيه اعتبار الفرق بين الأنوثة والذّكورة، بدليل تخلّف تأثيره في صور كثيرة منها قوله تعالى: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ..»، ومن ذلك التّساوي بين الإخوة للأمّ ذكورا وإناثا، وقد ترد أحوال يزيد فيها حظّ الأنثى على الذّكر.
وشخصيّا أنفتح على كلّ القراءات الاجتهاديّة ما دامت معلّلة تعليلا شرعيّا، وفي هذا السّياق تنّزلت اجتهادات عمر رضي الله عنه في آيات واضحة الدّلالة، كما بالنّسبة للمؤلّفة قلوبهم واجتهاده في عدم تطبيق قاعدة الفيء والغنائم على الجنود الفاتحين في تقسيم أرض السّواد، وكذلك اجتهاده عام الرّمادة، لأنّه – رضي الله عنه – كان قارئا جيّدا للأسيقة الاجتماعية والاقتصاديّة وغيرها.
○ كيف تفسرين تفشي الفكر التكفيري المتطرف ولماذا الشباب العربي يقبل على هذه الجماعات الإرهابية؟ وماذا بعد الداعشيّة»؟
• هذا يعود إلى ما ذكرناه في بداية هذا اللقاء، فتنبيهنا لخطورة الجمود على الفهم، وتقديس كلّ الاجتهادات البشريّة، كلّ ذلك يطلق العنان للقراءة الاحاديّة التّي تعتقد في امتلاك الحقيقة، في حين أنّ القرآن الكريم ينبض بالمعنى وبالحياة، ودور الإنسان المستخلف هو عدم التوّقف عن استنطاق النصّ وعن كشف إمكاناته وتفجير طاقاته امتثالا لأمره تعالى وحثّه على التدّبر.
فالفكر التكفيريّ باعتباره فكرا إقصائيّا هو نتيجة طبيعيّة للقراءة الإقصائيّة، التّي أعدمت السياقات جميعها، فهي قراءة متواطئة مع العنف، فما يسّمى بآيات القتال مثلا هي آيات اجتثّت من سياقها التاريخيّ الذي وردت فيه، ووقع التلاعب بمنظومة الناسخ والمنسوخ في سبيل نسخ كلّ آيات حريّة المعتقد والتجادل مع المختلف، والتعايش معه، كقوله تعالى «لا إكراه في الدّين».
أمّا عن أسباب إقبال الشباب العربيّ على هذه الجماعات فهي مختلفة وتتراوح بين الجهل بالدّين وبقيمه وبالرّوح السّمحة للشّريعة، لتصل إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية الهشّة وإلى عوامل نفسّية تجعل من الفاشل في الدّراسة أو في غيرها «أميرا» أو وزيرا أو قائدا لكتيبة.
يجب أن تعلمي أنّ تلك الجماعات تعمل على عزل الشّاب عن محيطه وعن وطنه فتغتال فيه شعور الانتماء لسواها باعتبارها جماعات تجاهد في سبيل الله. هذا العزل يتمّ من خلال تلقينه أصول دينيّة مغلوطة باعتمادها تأويلات منحرفة، فيندفع نحو حاكميّة الله والولاء للأمّة والبراء من كلّ النّظم الوضعيّة التي لا تحكم بغير ما أنزل الله، ويكّفر بعد ذلك كلّ من خالفه ذلك المعتقد.
○ ما هي خصوصيّة المدرسة الزيتونيّة التونسيّة ودورها، ولماذا بقيت عاجزة أمام هبوب تيّار التطرّف الدينيّ وتأثرّ الشباب التونسي به؟
• تميّزت المدرسة التونسيّة الزيتونيّة بكونها مقاصديّة، وليس أدلّ على ذلك من كونها كانت سبّاقة لإلغاء الرقّ في 23 كانون الثاني/يناير سنة 1846 وذلك على يد أحمد باشا باي، عندما قرّره في خطوة جريئة وسابقة بعشرات السّنين لأعتى الديمقراطيّات ولكافة الدّول العربيّة. فللمدرسة التونسيّة المقاصديّة، أسبقيّة معالجة كافة أشكال الظّلم والاستعباد التّي تمارس ضدّ المهمّشين، والمستضعفين، والذين هم في وضعيّات هشّة اجتماعيّا واقتصاديّا. ولقد ساندت هذه المدرسة إلغاء تعدّد الزّوجات المحسوم قانونيّا في بلادنا بموجب الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصيّة، والتّي مثّلت لائحة الشيخ جعيّط مرجعا أساسيّا لها، فلقد وجدت المجلّة جذورها في لائحة الأحكام الشرعيّة المستمدّة من الفقه الإسلامي وتحديدا من المذهبين المالكيّ والحنفيّ، فالمجلّة هي في الواقع، تقنين للفقه الإسلامي.
أمّا استعمالك لمصطلح «العجز» فأجد فيه مبالغة، ذلك أنّ الظاهرة لا تتعلّق بتونس أرض الفكر المقاصديّ وبلد صاحب التّحرير والتنوير الشيخ العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور – رحمه الله – فحسب، فاستقطاب الشّباب وميل فئة منهم لفكر تلك الجماعات والتحاقهم بها، حدث في بلاد الحرمين، كما نجده في باكستان وفي دول إسلاميّة أخرى، ويكفي ذكر أنّ زعيم القاعدة لا يحمل الجنسيّة التونسيّة إلى جانب قيادات كثيرة فيها وفي ما يسّمى بتنظيم «داعش» ثمّ لا تنسي الإمكانات الماليّة واللوجستيّة الرّهيبة لذلك التّنظيم والتّي مكّنته من الاستقطاب عن طريق الإنترنت بل وعن طريق الإغراء المادّي. فواجبنا اليوم وواجب كلّ الدّول الإسلاميّة بالخصوص أن تسعى للتّأسيس لتصحيح المفاهيم حول الإسلام وأن تعمل على دعم القراءة المقصديّة للنصّوص القرآنيّة، وأن تفّعل الآليّة السياقيّة في التعاطي مع تلك النصّوص، حتّى نقي شبابنا خطر تلك الآفة المهدّدة لنا جميعا.
وجامعة الزّيتونة كانت وما زالت الجامعة العلميّة الأكاديميّة التّي تدّرس العلوم الشرعيّة، إلى جانب الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع الدينيّ وموّاد كثيرة أخرى إلى جانب اللغات، وهي تسعى باستمرار نحو الإصلاح والانفتاح على مختلف المناهج والمعارف، فهي اليوم فسيفساء تونسيّة أصيلة من التعدّد والتنّوع الذي يصنع ميزتها الفريدة.

○ في ظل ما يشهده العالم والإقليم من إعادة ترتيب التاريخ والجغرافيا وحتى البشر وفق موازين القوى الدولية، هل يمكن اعتبار ما يحدث هو جزء من صراع الحضارات؟
• سؤالك متضمّن للإجابة، فلقد تفضّلت بالحديث عن موازين قوى دوليّة بمعنى أنّها لعبة الكبار في سعيهم المحموم لامتلاك الثروة والأرض، والثروة لم تعد تعني ذلك المعنى المستهلك، فهي إلى جانب ذلك أصبحت تعني المصلحة أيّا كانت وقد تُقدّر بصوت في مجلس الأمم. فالمصالح الاقتصاديّة والتوازنات الجيوسياسية هي الماسكة بخيوط اللعبة، وقد يقتضي ذلك إعادة ترتيب التاريخ والجغرافيا وإعادة فرمتة البشر، إنّها لعبة قذرة، لعبة السّلطة التي لا يمكن امتلاكها بغير النفوذ الماديّ أيّا كان مصدره وأيّا كانت الوسيلة إليه، ولذا فإنّ كلّ الدّول الكبرى هي متواطئة في تلك القذارة، وحتّى الدّول الإقليميّة فهي ترعى مصالحها في المنطقة. هذا دون الحديث عن البنوك العالميّة والشركات المتعدّدة الجنسيّة ومصانع الأسلحة ومافيا التّهريب التّي لا تنتعش إلاّ في مثل هذه الأوضاع المتأزّمة، فالقضايا الإنسانيّة وكلّ مفردات حقوق الإنسان ليست إلاّ تلك الموسيقى المرتفعة الصّوت التّي يراد بها حجب صراخ الأطفال الذين يموتون كلّ يوم لأجل عيون الصهيونيّة العالميّة.
○ نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، فكل هذا البؤس الحضاري كيف يمكن مواجهته وهل يمكن للشباب العربي أن يحقق خلاصه؟
• قال تعالى:»إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم» فهذا البؤس الحضاريّ الذي تتحدّثين عنه صنعناه بأيدينا،عندما ألغينا دور العقل وابتعدنا عن جوهر الدّين وعن قيمه الكونيّة، وانغلقنا على أنفسنا في حركة استرجاعيّة لماض يختزل كلّ مآسينا، فمنذ لحظة اغتيال الفكر الاعتزاليّ، بدأ العدّ التنازليّ لحركة الوحي ولفعل القراءة كمعطى مؤسّس لذلك الفعل، ومحقّق لدلالة الاستخلاف، وعندها عادت مؤسّسة الكهنوت الجاهلة واحتكرت المعنى وأجهضت كلّ إبداع، فكيف تطلبين أن نؤسّس حضارة في غياب فكر مجدّد يستلهم الماضي ولا يقف متباكيا على أعتابه؟ لماذا تهاجر الأدمغة العربيّة ولماذا يهاجر الشباب العربيّ؟ وأين؟ إلى «ديار الكفر» ديار الغرب، لأنّنا لم نثوّر النصّ بل لم نقرأه حتّى!! المطلوب اليوم التّأسيس لفهم معاصر، فهم أخلاقيّ قيميّ، فهم محرّر مسؤول، فلو غيّرنا ما بأنفسنا لتحوّلنا فعلا إلى حضارة النصّ.
شبابنا اليوم ليست لديه ثقة في حكوماته وفي سياساتها، فهو يحتاج شحنة من الثقة وهذه إذا ضاعت تصعب استعادتها.
وفي ختام هذا اللقاء أدعو الشباب العربيّ المسلم وغيره، إلى طلب العلم وإلى إحياء قيمة العمل كفلسفة وجود وكفلسفة حياة، كما أدعوه إلى صناعة الإبداع، وإلى عدم التخلّي عن حلمه في حياة أفضل هي من حقّه لو استنهض همّته لأجلها، فالعلم والعمل وحدهما سبيله إلى الخلاص.
○ ماهي إنتاجاتك المقبلة؟
• لدينا كتاب جديد سيصدر قريبا، وهو عبارة عن قاموس في المصطلح الإرهابيّ في تونس، اشتركت في تأليفه مع الدّكتورة راضية بن عيّاد والدكتورة إقبال الغربيّ.

الباحثة التونسية في قضايا الفكر والإسلام منية العلمي: التّعاطي الجامد مع الموروث السّبب المباشر للتطرّف الدينيّ

روعة قاسم

- -

1 COMMENT

  1. بارك الله في الأستاذة، و تبقى تونس شمعة تضيء وسط هذا الظلام الدامس في العالم العربي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left