رواية المغربية سلمى بوصوف «امرأة على أجنحة الرغبة»: صعوبة تحقيق الذات بعيداً عن سلطة المجتمع

محمد معتصم

May 05, 2018

تكاد الكتابة النسوية تتشابه في موضوعاتها، وإن اختلفت في صيغها الخطابية، بين رواية متعددة الأصوات والتركيب، وبين محكيات ومرويات بصوت واحد، وبين أشكال من الاعتراف تقوم على تقديم نماذج من التجارب الواقعية والمعيشة بضمير المتكلم، ومعظمها تندرج ضمن «كتابة الذات»، والتحلق حول الذات أو الأنا واحد من أسس الكتابة النسوية، أولا لأن التعبير عن القضايا والأفكار النسوية العفوية أو الأيديولوجية يبدأ من تكسير «رهاب الأنا» الذي رافق بواكير الكتابة عند المرأة العربية والعالمية، فاضطرت كثير من الكاتبات التخفي وراء أسماء مستعارة حينا أو الدخول في مواجهات مريرة ضد التصورات والأحكام الذكورية. ثانيا، لأن الكتابة بضمير المتكلم تقرب المسافة بين الكاتب والقارئ، وإذا كان القارئ من الجنس ذاته ومن مناصري القضايا ذاتها فإنه ينخرط كليا في القول السردي ويصبح مشاركا فاعلا في إنتاجه.
في رواية «امرأة على أجنحة الرغبة» تتناول الكاتبة المغربية سلمى بوصوف تجربة امرأتين، صديقتين، لكل واحدة معاناتها الخاصة والشخصية، الأولى شخصية مريم: التي تروي تجربتين متعلقتين بها، والثانية شخصية هيام: التي تسرد الأسباب وراء انتحارها. الملاحظة الثانية التي تربط بين هذه الرواية والكتابة النسوية، كتابة الاسم العلم، فاسم مريم واسم هيام لا ينتهيان بعلامات التأنيث في الأسماء العلم المفردة (ة- ا- ى- اء)، وهو رفض ضمني للخضوع لنمط العلاقات السائدة داخل المجتمعات الأبوية. تقول مريم: «كنت أحارب على عدة جبهات.. أحارب تمزق ذاتي.. أحارب عائلتي.. أحارب نظرات مجتمع متجهمة تشير إلي بأصابع الاتهام. لم أكن يوما مع الجماعة بكلي، بل لطالما كان نصفي الآخر يرفض الأوهام. يوما بعد آخر أبتعد عن الناس المحيطين بي لأنهم في النهاية روبوتات متشابهة تسيرها يد صانعيها. يوما بعد آخر تتمزق الخيوط التي تربطني بالمتشابه والمألوف والمعتاد».
لا ترفض النسوية المجتمع دون مبرر، وتكره الرجل جملة وتفصيلا، إنها تستند على التجربة الحية والمعيشة لشخصيات نسائية وقفن على أشكال الحيف الاجتماعية والعنف الأسري بمختلف أنواعه؛ الكلامي والجسدي والنفسي، والتنقيص والتحقير النوعي، وسلب الحقوق حتى من قبل القضاء الذي يضع العراقيل أمام تحقيق المرأة ذاتها في المجتمع والوسط الضيق والخاص الذي تقيم فيه. تقول مريم: «تجربتي في الزواج والطلاق فتحت عيني على أمور عدة، أولها: الحيف الذي يمارس باسم القانون على المرأة بصفة عامة والمرأة المطلقة خصوصا، مما جعلني أتساءل طوال هذا الوقت الذي قضيته متلحفة همومي: لماذا تسقط الحضانة عن الأم إن هي تزوجت، في حين أنها لا تسقط عن الزوج رغم زواجه؟ لماذا على المرأة المطلقة أخذ موافقة زوجها للسفر خارج الوطن؟ لماذا؟.. لماذا…؟».
هذا النص يحتاج طبعا إلى تصحيح وإعادة صياغة، أولا في حال الطلق يصبح الحديث عن المرأة المطلَّقة والرجل المطلِّق، لانفراط عقد الزوجية بينهما؛ ثانيا، المرأة المطلقة لا تأخذ موافقة زوجها لأنها حل من الزواج. والمقصود في النص: لماذا تسقط الحضانة عن الأم في حال زواجها من آخر؟ ولماذا لا تسافر المرأة المتزوجة بعد إذن من زوجها؟ ولماذا لا تسقط الحضانة عن الزوج في حال زواجه من أخرى؟
والقضية الأساسية التي تتكرر ليس في الخطاب الروائي والمتخيل السردي النسائي والنسوي خاصة، متعلقة بسقوط حضانة الأبناء عن المطلقة في حال إقدامها على الزواج من رجل آخر. والاحتمالات متعددة بين رفض الزوج الثاني لتربية وتبني الربيب، وقد ينتج عنه سوء المعاملة والتشريد. وهو الحل الذي ورد ضمنيا في الرواية عندما تملص عماد من الزواج من مريم ليس لأنه لا يحبها، ولكن لأنها مطلقة وأم لابن غيره. تقول مريم، موجهة الخطاب لعشقها الأول أيام الدراسة عماد: «كما قلتَ علاقتنا ضرب من المستحيل ليس فقط لأنك على وشك الزواج، بل لأنني امرأة مطلقة وأم لطفل، وأنتَ لا يمكنك أن تربي طفلا ليس من دمك. قلها، هيا قلها ولا تخجل. ليس الخطأ خطأك بل خطأي أنا.. أنا التي حلمت بأحلام أكبر مني».
لقد وقفت العادات والتقاليد والتركيبة الذهنية والنفسية صامدة صماء أمام الحب عامة والحب المدرسي خاصة. هنا أيضا تقع اللائمة على المرأة، هكذا هو المجتمع المنافق والمتناقض كما تراه مريم في سكان القرية التي تدرٍّسُ فيها، وفي قريتها الأصل: «رغم الحداثة الظاهرية وموجة التكنولوجيا التي كست القرية بعد دخول الكهرباء، إلا أن العقلية لم تتغير كأن قشورهم هي التي تبدلت بينما ظل الجوهر نمطيا. كان يستفزني تدينهم السطحي وأنا أراهم يهرولون للصلاة في المسجد يوم الجمعة دون سائر الأيام، ومع ذلك يكذبون ويزنون ويغتابون.. كانوا يتقنون اللعب بمفاهيم الفضيلة والشرف ويرتدون أقنعة كرنفالية حسب الفصول والمواسم بينما يخفون الرذيلة والفجور في أعماقهم».
يتأسس محكي مريم من فصلين، الأول بعنوان «طبول الذاكرة» تسرد فيه كيف تزوجت من عدنان زواجا تقليديا، تحول إلى جحيم بارد وخال من أي علاقة إنسانية وحميمة، لكنه مليء بالتنقيص والتحقير والتعنيف اللفظي والنفسي والجسدي، مما اضطرها إلى الهروب من بيت الزوجية رفقة ابنها طه، ثم طلب الطلاق من أجل استرداد الذات لحريتها. إلا أن المجتمع لا يرحم المرأة، فيسلط عليها المرأة ذاتها (الأم والجارات) والرجل (تحرش زميلها بها بعد طلاقها)، استفزاز طليقها لها واختطافه لابنهما منها، ويسلط عليها جور القوانين المجحفة والعراقيل الإدارية. وبذلك يكون الحصول على الطلاق ليس نهاية المحن، بل هو بدايتها. والفصل الثاني يحمل عنوان «مرافئ النسيان»، وفيه تبحث مريم عن ملاذ في الماضي، وتأمل في إحياء وبعث الحب المدرسي من رماده، وتكتب رسالة إلكترونية إلى عماد، تفرح بجوابه الطافح بتعابير الحب والشوقِ، وبعد لقاءات قصيرة ومكالمات طويلة عبر الهاتف، يتملص منها بالكشف عن خطوبته لامرأة أخرى. تتألم وتنكسر، لكن الإرادة القوية للحياة تنتصر دائما على الإحباط مسنودة بالنسيان وبتدخل صوت العقل والتحليل للوضع في لحظات الوعي واليقظة. لذلك ستقاوم حالة الهبوط وتواجه صلابة المعتقد الاجتماعي وترسب التقاليد والأعراف بخلق جمعية مدنية تدافع عن المرأة وحقوقها المدنية والسياسية. ستسميها «جمعية هيام للنساء ضحايا العنف».
تقول مريم:» قررت بتصميم نافذ: تأسيس جمعية للدفاع عن النساء ضحايا العنف وإنشاء مركز للاستماع لهن. قلت بإصرار وفرح: سأناضل ضد العنف والظلم والقهر، سأناضل ضد هذه القوانين الجائرة، وضد كل ما يمكنه أن يحط من قدر وكرامة المرأة». وهذا المتخيل السردي أول خطاب توثيقي لإرادة القوة الناتجة عن تجربة حياتية مريرة تلخص جانبا من جوانب عدة تعاني منا النساء داخل المجتمعات الذكورية وفي ظل الأعراف والتقاليد المتحكمة والمتسلطة القائمة على التمييز النوعي بين الذكور والإناث، والتفسير القاصر للنصوص الشرعية والقانونية. وضمن محكي مريم، في المتخيل السردي في رواية «امرأة على أجنحة الرغبة» وهو عنوان يقول نصف المعنى، لأنه يتحدث عن رغبة في التحرر النفسي والذهني والفكري، يتم التركيز على التربية الأسرية ومرحلة الطفولة ونوع العلاقة الأسرية، ودرجة المسؤولية بين مكوناتها خاصة الأب والأم. لذلك فعلاج كل المشاكل الاجتماعية والاختلالات العاطفية والنفسية والانحرافات الخُلقية والفكرية، كما أراه، يكمن في «التربية السليمة والتعليم الجيد». أما محكي هيام، فهو تكميلي، لأنه يرد في المتن السردي للتدليل على حالة أخرى من الظلم الاجتماعي والنفسي والجسدي الذي يقع على المرأة، وتجد نفسها مرغمة على كتمانه والاكتواء به داخليا وحمله كجرح غائر نازف لأن التقاليد والعادات والأعراف في جميع الحالات تجرٍّمُ المرأة. وهيام صديقة مريم منذ أيام الدراسة، تروي مريم: «عرفت هيام منذ سنوات، كنت قد التقيت بها في ندوة بكلية الآداب بفاس. أحسست إثر لقاءاتنا في الكلية بعد ذلك أن هناك تفاهما يلف شخصيتينا، وتوطدت صداقتنا أكثر إذ جمعتنا عوالم الثقافة والأدب. استمرت علاقتنا بعد التخرج من الجامعة، ودخلنا سويا مركز تكوين الأساتذة، كنت أنا أتابع تكويني في تخصص مادة اللغة العربية، بينما تخصصت هي في مادة الفلسفة».
أما الأسباب المؤدية إلى الانتحار فقد سردتها هيام في مذكرتين: الأولى بعنوان «العري أمام الذات» تكشف فيه عن تعلقها بوالدها الذي مات مبكرا، وعن اغتصابها في الطفولة، وصمتها ومعاناتها وحيدة تحت تهديد المغتصِب. تقول هيام تصريحا: «وراء هذه الكلمات التي كتبتها بدمي: أوجاعي وانكساراتي. هنا جزء من معاناتي، وبعض مما لم أستطع البوح به، هنا انكسارات فتاة منسية على أرصفة العذاب…». والمذكرة الثانية تحمل عنوان «الفن الصعب»، وتفسر هيام معنى ذلك في نهاية مذكرتها، فتقول: «أقول يجب أن تكون لدينا الشجاعة للانسحاب في الوقت المناسب، أن نمارس الفن الصعب – كما قال نيتشه – فن الرحيل عن الدنيا في الوقت المناسب. ليس أمامي إلا أن أمقت عالما لم يهبني سوى القلق، الألم والذكريات المريضة».
إذا كان خطاب هيام مأساويا باختيارها الانتحار غرقا في البحر، والانسحاب في الوقت المناسب كما قدرته معاناتها: الاغتصاب والمرض النفسي القاسي الطويل، فإن خطاب مريم الختامي مال نحو التفاؤل والتفاعل والتعامل الإيجابي مع الحياة وبث روح الإرادة القوية للحياة والبقاء والعمل على تجاوز الصعاب بالتأثير على الواقع والحياة والناس عبر الكتابة والعمل الجمعوي الميداني.
إنها رواية مروي المعاناة والظلم والحيف الذي تعانيه المرأة التواقة نحو آفاق الحرية والاستقلال الذاتي، وهي في الوقت ذاته تدعو إلى التفاؤل وحث الخطى نحو العمل على كسر جدران الصمت بتحقيق الأحلام والطموحات ميدانيا.

سلمى بوصوف: «امرأة على أجنحة الرغبة»
 مؤسسة الرحاب الحديثة، بيروت 2018
126 صفحة.

رواية المغربية سلمى بوصوف «امرأة على أجنحة الرغبة»: صعوبة تحقيق الذات بعيداً عن سلطة المجتمع

محمد معتصم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left