مجموعة الشاعر العماني سماء عيسى «استيقظي أيتها الحديقة»: طعم جديد للموت والحبّ والأسى

المثنى الشيخ عطية

May 05, 2018

مثل «فراشات توقظ الموتى برفيف أجنحتها الهامس»، وهي «تمر على الأرض عابرة إلى مدافنها بين الأشجار»، يوقظ الشاعر العماني سماء عيسى بمجموعته الشعرية الجديدة: «استيقظي أيتها الحديقة»، حديقةَ الشعر الغنية بحكمة كفاف يومها:
«في الفجر
رنا الطفل
إلى الحديقة المهجورة
حزيناً.
قال:
استيقظي
أيتها الحديقة
من نومك الطوي».
وكما يفعل عادة، منذ كتابته قصيدةَ النثر المغايرة لأنماط الشعر السائد في ثمانينات القرن الماضي، والتي كان أحد روادها ومعلميها في عُمان؛ يثري سماء عيسى في هذه المجموعة المميزة، أشجار حديقته بما تميز به من ثيمات، تبدو نفسها في الظاهر، لكنها غيرها في الحقيقة بما لبست من ثياب النضج والحكمة والابتكار. حيث سيرى قراؤه غالباً مسحةَ الأسى التي تدور بصمتِ غيماتٍ شاردة، في سماء هذه الحديقة التي نفضت من عيونها النوم لتوها؛ وربما ستلمع أمامهم في غبش هذا الشروق البهي ثمرة الموت التي أشار جميع نقاد شعر سماء إلى أساسيتها كحجر صلب في معظم قصائده. لكنهم، وفي جميع حالات عيش جمالياتها، سيتأملونها بعيون جديدة، تنعكس في مراياها حكمةٌ ودودةٌ تنبض بطاقة تجدد الروح وتدفعها للاحتفاء بالحياة، وربما للمشاركة أيضاً في وقاية الحياة مما يبددها؛ مع متعة اكتشاف طعم جديد لثمار الحديقة التي تعطي أكثر من نفسها، ببساطةِ وكرمِ ما عرف عن هذا الشاعر في حياته وأعماله.
في هذه المجموعة الصغيرة، التي تخفي جبالُ حجمها ما لديها من قدرة على التكاثر داخل نفس القارئ، تتشكل قصائد النثر ببساطة، داخل بنيةٍ بسيطةٍ لا تُظهِر وجود رابط بين القصائد غير تسلسل أرقامها. كما يعمق ظاهرية عدم ترابطها تنوّعُ أساليب صياغتها، بين الشعر الذي يجري بأسلوب الأبيات القصيرة، والشعر الذي يجري بأسلوب القصة الساخرة؛ لكنها تفصح في الحقيقة، عند التوغل في قراءتها، عن وحدة عميقة منتظمة، تتشكل فيها كما عقد خرافي لا تلمع أحجاره إلا بتطويقه لجيد القراءة الطقسية النقية. وربما استطعنا في برهة هذا اللمعان الذي يتيحه لنا الزمن البخيل عادة، أن نلتقط ارتباط حجر الموت بحجر الحرية، وحجر الحب، وحجر الزمن، وربما اندفعنا في فرحة التقاطنا هذا إلى أن نتصور حجراً جديداً خاصاً بنا لتمجيد الحياة.
في ثيمة الموت التي تكاد أن تتوسط عِقد وحدة القصائد، وأن تبعث فينا الخوف بتناولها (الطفلة التي أتت بها الريح: «لتموت معنا/ في مقبرة القرية الحنون.»، والطفل الذي يبكي، والمرأة الراعية التي ماتت ملتحمة بجثة النمر الذي صرعته، وعنق الرجل الذي قال كلمته بصدق، تحت ظل حبل المشنقة)؛ لا ينسى سماء عيسى أن يبدد الخوف الذي تشكل في دواخلنا، عبر ارتباطين طالما ميزا توق الإنسان وكفاحه من أجل الحياة، هما: أولاً الحرية، في رؤية الشاعر الذي بلغ السن الدافعة للتفكر، والحكمة، والاستعادة المبتكرة لتجارب شعراء سابقين، مثل لوركا، وصهرها في تجربته الخاصة لبلورة هذه الرؤية حيث:
«سيكون موتي غامضاً غموض فكرة اسمها الحرية
فجأة أنا في الستين من العمر، بيني والموت لربما فرسخ واحد فقط
بيني والحريّة طرق مجهولة وأزمنة لا نهاية لها
كلما سرت بحثا عنها تبعتني وحوش وتراصت أمامي
جثث وخنادق وأحقاد بغيضة مرّة، أتى بها الإنسان إلى الأرض
بعد أن هجر وإلى الأبد طفولته الأولى».
وثانياً الحب، الذي يأتي من الحرية الصادحة في غناء أبناء الطبيعة الطلقاء، حيث التساؤل:
«إلى أين سيحملني الغناء العذب
للغجر القادمين
مع الريح؟
إلى الحب
الذي يشق
قلوب الموت ويمنحها الحياة».
وفي هذا الارتباط بين الموت والحرية والحب، على صراط الأسى الذي يقود القارئ إلى جنة احترام الحياة بدلاً من جحيم لعنها، ترتسم حكمة استمرار الحياة بالموت، حيث: «ثمة حياة تبدأ/ عندما يظهر طفل وشيخ/ يسيران معاً/ ثم يفترقان/ عند وصولهما النبع/ يعود الشيخ الأدراج/ إلى جوف الأرض/. تصل إلى حيث الطفل/ أغنام تشرب الماء/ وتملأ المكان بالحياة».
في هذا الارتباط المعبر عن الفهم والاحترام لحركة الكون، يضيف الشاعر في قصائده، ببساطة، ما يغني هذا الفهم، من خلال خلق تقاطعاتٍ، وتأسيساتٍ لبعض القصائد على قصائد شعراء مؤثرين في تاريخ الإنسانية، وحركة واتجاهات الشعر، مثل الشاعر الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا، والأمريكي الصربي الأصل تشارلز سيميك، والفرنسي سان جون بيرس. وهذا مع خلق تقاطعاتٍ وتأسيسات أخرى على حكايا وأساطير وأغانٍ وآثار أدخلتها الشعوب في تقاليدها لتبدد مخاوفها، وتنير طرقها، ولتجد فيها العزاء إن لم تتبدد ظلمات المجاهيل، مثل حكاية الراعية التي قتلت النمر في قصيدة «مجلس الجن»، ومثل غناء التصييف الذي يرافق حصاد القمح في قصيدة «تصييف» ومثل آثار الصبية الميتة، في قصيدة «قبر صبية برأس الحمراء»:
لأتحدث عن الترحال اللانهائي
الذي بدأ قبل أربعة آلاف قرن قبل الميلاد
لأتحدث عنك
أيتها الجميلة النائمة بهدوء
بتلةٍ جبليةٍ تطل على المحيط الشاسع اللانهائي
بعد أن قاد التجوال أسلافك
عبر أحراش افريقيا
وصولا إلينا
ينام معك جمالك الأسمر الأخاذ
جسدك المزين بالأسورة والأقراط الذهبية
جمالك الذي بعد قرون ما زال داكن اللون
كالبلور الصخري الذي حفظ رفاتك
بعيدا عن نحت الزمن وموج البحر».
وفي هذا الارتباط أيضاً يبلور الشاعر رؤيته لحقوق الإنسان في الحرية والعدالة، ويتجلى ذلك بقوة فنية عالية في قصيدة تضامنه المهداة بعنوانها نفسه إلى الكاتب «سليمان المعمري الذي حول حبل المشنقة إلى أرجوحة»، في اعتقال السلطات العمانية له عام 2016، لمجرد أنه عبر عن رأي يخالف هذه السلطات، وذلك بتحويل فعل الموت الذي يفضي إليه الاعتقال، إلى فعل حياة من خلال السخرية، حيث يمكن للإحساس بجمال الحياة أن يجرد الجلاد من رعونته في ارتكاب الموت.
كما يبلور في ارتباطات الموت ثيمته الخاصة في التعامل مع الزمن، وأسلوب هزيمته، بحكمة الشيخ، من خلال قصيدة: «حمامة ميتة في الجَناة»، التي تقاطع عمل الكاتب العماني محمد الحضرمي، «منازل لا تنسى»؛ بحكمةٍ، تشع كأمنيةِ «موت هادئ وعميق، بمشارف الجَناة/ تحت سفح جبل الحوراء».
وبما يخالف أسلوب بعض شعراء الغموض الذين يفضلون إشغال قرائهم أكثر في البحث والتقصي عن مصادر إغناء قصائدهم، يفسر سماء عيسى في ندائه للحديقة أن تستيقظ، هذه التأسيسات والتقاطعات ببساطة هوامش الشرح، ويطلقها كأجنحة حرة تحلق بقصيدته نحو سماء أسلوبها الخاص، في إثراء عالم القارئ، وإشراكه في لعبة إقامة التقاطعات، وإمتاعه في اكتشافات أبعاد تناغمها الثري.
قبل هذه المجموعة، أصدر الشاعر والسينمائي سماء العيسى العديد من المجموعات الشعرية والأعمال السينمائية، منها: «ماء لجسد الخرافة»، 1985؛ «نذير بفجيعة ما»، 1987؛ «مناحة على أرواح عابدات»، 1990، «منفى سلالات الليل»، «دم العاشق»، 1999؛ «درب التبانة»، 2001؛ وسواها.

سماء عيسى: «استيقظي أيتها الحديقة»
مسعى للنشر والتوزيع، أوتاوا، كندا 2018
56 صفحة.

مجموعة الشاعر العماني سماء عيسى «استيقظي أيتها الحديقة»: طعم جديد للموت والحبّ والأسى

المثنى الشيخ عطية

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left