تيزي وزو مدينة زادها الفن وفي جيناتها الثورة والتمرد

كمال زايت

May 05, 2018

الجزائر ـ «القدس العربي»: تعتبر مدينة تيزي وزو الواقعة في منطقة القبائل من أشهر المدن الجزائرية، رغم أنها ليست لا الأكبر مساحة ولا الأكثر ثراء، ولا الأوفر حظا من حيث الموقع الجغرافي، ولا الظروف المناخية، لكنها احتلت وما تزال موقعا مهما في الخريطة الجزائرية تاريخا وحاضرا والأكيد أنها ستكون في المستقبل كذلك.
تقع تيزي وزو على بعد 120 كيلومترا عن العاصمة الجزائرية، فهي على بعد ساعة بالسيارة من عاصمة البلاد، لكن هذه المدينة الصغيرة تسمى القبائل الكبرى، في حين أن بجاية التي تبدو الأكبر تسمى القبائل الصغرى، صحيح أن وسط المدينة أصغر، لكنها مترامية الأطراف في أعالي وسفوح جبال جرجرة والتي تعلوها قمة لالة خديجة، الموجودة على ارتفاع 2308 أمتار، وهي أكثر مدينة ترمز إلى منطقة القبائل والأمازيغ، رغم أن هؤلاء يتوزعون على عدة مدن ومناطق.
يقول الكثير من المؤرخين إن تسمية تيزي وزو تعود إلى شجيرات شوكية ورودها صفراء تنتشر بكثرة في هذه المنطقة. وتوجد في المدينة حوالي 1400 قرية، ويبلغ تعداد سكانها حوالي مليون ونصف مليون نسمة، ورغم طبيعتها الجبلية، إلا أنها تتميز بغطاء نباتي شاسع، بالإضافة إلى الثروة الحيوانية التي تتمتع بها، إذ يمكن العثور على أصناف نادرة من الحيوانات، مثل قردة الماغو والطيور الكاسرة مثل النسور، وأنواع مختلفة من الثعابين والثعالب والذئاب والخنازير البرية، فضلا عن أصناف انقرضت منذ سنوات مثل الأسود والدب الأبيض والفهد، والقطط المتوحشة، والضبع، وقد أنشأت الحظيرة الوطنية لجرجرة سنة 1983 والتي تقدر مساحتها 18550هكتارا بغرض حماية هذه الثروة من الاندثار .

تاريخ عريق

يعود تاريخ مدينة تيزي وزو إلى فترة ما قبل التاريخ، بدليل وجود آثار تدل على ذلك في منطقتي تيقزيرت وأزفون، فضلا عن منطقة ذراع الميزان بتضاريسها الجبلية الوعرة، وكان الرومان الذين غزوا منطقة شمال افريقيا قد أطلقوا عليها اسم مونت فيراتوس، والمقصود به جبل من حديد، وقد مرت الكثير من الحضارات على المنطقة، وذلك في إطار الغزو الذي تعرضت له الجزائر، مثل الفينيقيين الذين دخلوها في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد، ومارسوا التجارة والإبحار انطلاقا من سواحلها، كما أنشأوا مراكز لممارسة نشاطهم التجاري.
ودخلها الرومان خلال القرن الأول ما قبل الميلاد إلى غاية القرن الرابع بعد الميلاد، وقاموا بتشييد مدن عسكرية وحضرية على طول ساحل تيقزيرت، اطلق عليها اسم لومنيو، فيما أطلق اسم روزاسوس على مدينة ازفون، أما البيزنطيون فقد أعادوا بناء الأحياء والمدن المدمرة من طرف الونداليين في القرن الخامس، وقامت كونفدراليات في تيزي وزو خلال مرحلة العصور الوسطى، وتولت قيادة المدينة في القرن الرابع عشر امرأة تسمى شيمسي، من عائلة عبد الصمد وذلك من 1330 إلى 1340.
وفي الفترة التي حكم فيها الأتراك الجزائر أي ما بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر، تم تأسيس مملكة كوكو سنة1510على يد عائلة آيت القادي، لصد الغزاة من مختلف الأجناس، وقد تم تشييد عدة أبراج في أماكن مختلفة مثل تازغارت وسيباو وبوغني وبرجتيزي وزو، وذلك لمراقبة السهول والمناطق المحيطة بها.
عندما دخل الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر سنة 1830 قاومت المنطقة على غرار الكثير من المناطق الأخرى، وكانت المعركة التي قادتها لالة فاطمة نسومر ضد قوات الاستعمار الفرنسي الغازية، خير دليل على المقاومة الشرسة التي واجهتها القوات الاستعمارية، وقد ولدت فاطمة نسومر حوالي عام 1830 في قرية ورجة القريبة من دائرة عين الحمام، واسمها الحقيقي هو فاطمة سيد أحمد وتنتسب إلى فرع الشرفاء المنحدرين من الأدارسة (المرابطين).
عرفت لالة فاطمة بالزهد وتفضيلها التعبد بعيدا عن الناس، وظهرت لديها ميول للانشغال بالسياسة والشأن العام مبكرا، الأمر الذي مكنها من فرض نفسها بين مرشدي الزاوية فـصبحت كلمتها مسموعة، الأمر الذي جعل الهاشمي سي محمد يتصل بها سنة 1849 لتنظيم مقاومة ضد القوات الغازية التي كانت تريد فرض السيطرة على المنطقة، علما أن سي محمد هو أحد زعماء مقاومة بومعزة، وتعرض إلى الاعتقال قبل أن ينجح في الفرار، ليعمل مع لالة فاطمة على تنظيم مقاومة مسلحة في القبائل العليا (جبال جرجرة) لإنقاذ المناطق الساحلية والسهلية التي دخلت إليها القوات الفرنسية سنة 1842 وأخضعت بعضا منها مثل: يسر، دلس وبرج منايل. ولما اندلعت ثورة بوبغلة سنة 1850 سارعت لالة فاطمة إلى مساندتها، وظلت تخوض المعارك ضد القوات الاستعمارية، ونجحت في صد الكثير منها وحققت انتصارات أصابت القادة العسكريين الفرنسيين بالجنون، وذلك إلى غاية القبض عليها في 11 تموز/يوليو 1857 وبقيت رهن الاعتقال إلى أن وافتها المنية وهي لم تتجاوز الـ33 سنة.

الولاية الثالثة

ولما اندلعت الثورة الجزائرية في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954 تم تقسيم البلاد إلى عدة ولايات (مناطق) عسكرية وقد حملت منطقة القبائل اسم الولاية الثالثة، وتولى قيادتها كريم بلقاسم، الذي ولد في آث يحيى موسى، في منطقة ذراع الميزان، ورغم أنه كان ينتمي إلى أسرة ميسورة الحال، إلا أنه اتجه إلى العمل السياسي مبكرا، وآمن بفكرة الاستقلال، وكان أحد مفجري الثورة، بدليل أنه ينتمي إلى مجموعة الستة التي قررت ساعة الصفر، وكان وراء فكرة جعل منطقة القبائل ولاية قائمة بذاتها لأن لديها مقومات كبيرة، وقاد بنفسه أولى العمليات العسكرية ضد المصالح العسكرية الفرنسية في المنطقة، عند انطلاق الثورة التحريرية، بل وكانت له جولات مع القادة الفرنسيين، مثل ما حدث في عملية العصفور الأزرق، التي أراد الحاكم الفرنسي من خلالها تكوين قوة عسكرية من سكان المنطقة القبائل لمحاربة الثوار، وذلك بتسليحهم وتزويدهم بالمال. ولما علم كريم بلقاسم بالأمر، فضل ترك العملية تجري وتحويلها لصالح الثورة، بدل التخلص ممن اعتمدت عليهم الإدارة الاستعمارية، وبالتالي وفر كريم رجالا لهذه القوة العسكرية التي سلحتها فرنسا، وبدل أن تصطاد هذه القوة الثوار، كانت تتخلص من أعداء الثورة ومن المخربين، وبحذاقته أمر كريم بلقاسم أن تقدم جثث هؤلاء إلى القادة العسكريين الفرنسيين الذين طربوا لنجاح خطتهم، في الأخير تم دمج تلك القوة في الثورة، وأرسل كريم إلى القائد الفرنسي سوستيل رسالة ساخرة يشكره فيها على السلاح وعلى المال!
وتولى كريم بعد ذلك منصب وزير في الحكومة المؤقتة، وكان عضوا في الثلاثي الشهير المعروف باسم الباءات الثلاث: بلقاسم كريم وبن طوبال الأخضر وبو الصوف عبد الحفيظ، الذي كان مركز الثقل داخل الثورة، ولعب كريم دورا بارزا خلال مفاوضات إيفيان التي أدت إلى استقلال الجزائر بعد ثورة دامت سبع سنوات ونصف واستشهد فيها مليون ونصف مليون شهيد، ولكنه أصبح معارضا للنظام بعد الاستقلال، وانتهى به الأمر مقتولا في فندق في ألمانيا، في عملية اغتيال سياسي واضحة المعالم لكن شفرتها لم تحل حتى يومنا هذا .
مدينة تيزي وزو أنجبت شخصيات ثورية عديدة مثل عبان رمضان الذي ولد بالقرب من لربعاء ناثي راثن أعالي المدينة، والذي يعتبر مهندس الثورة، ومن بين القلائل ممن جمعوا بين صفتي السياسي والعسكري، كما أنه كان يتمتع بقدرة تنظيمية كبيرة، بدليل أنه كان مهندس مؤتمر الصومام سنة 1956 الذي عقد بعد أقل من سنتين على اندلاع الثورة، بغرض وضع الأطر التنظيمية ورسم خط سيرها، وهو المؤتمر الذي كان سببا في تصفيته على أيدي رفقاء السلاح سنة 1957 بعد أن تم استدراجه إلى المغرب، وهو اغتيال ما زال لغزا لم يتم حله بشكل دقيق، حتى وإن كان الجميع يعتبر أن الباءات الثلاث هم من أمر ونفذ عملية الاغتيال ضد عبان الذي فرض في مؤتمر الصومام أولوية السياسي على العسكري وأولوية الداخل على الخارج.
وفي القائمة أسماء أخرى مثل والعقيد عميروش آيت حمودة، ومحند أولحاج وعمر أوعمران الذي قاد الولاية التاريخية الرابعة خلفا لرابح بيطاط.

استقلال صعب

عندما بدأ فجر الاستقلال ينبلج، ظهرت الصراعات وطفت التناقضات إلى السطح، وانطلق صراع محموم على السلطة، واستطاع جيش الحدود بقيادة العقيد هواري بومدين أن يفرض قبضته على الدولة الفتية، بقوة السلاح والرجال، وبعد صفقة عقدها مع أحمد بن بلة، الذي كان ضمن الزعماء الخمسة الذين كانت تحتجزهم فرنسا، وهكذا بدأت الجزائر المستقلة أولى خطواتها بعثرة، وتمرد حسين آيت أحمد الذي ولد بمنطقة عين الحمام بتيزي وزو على السلطة القائمة، وأسس حزب جبهة القوى الاشتراكية، وقرر أن يرفع السلاح ضد سلطة بن بلة وبومدين، ولكن بعد الاعتداء المغربي سنة 1963 على الجزائر فيما عرف بحرب الرمال، قرر أن يوقف تمرده وأن يقف في صف بلده.
وبعد أن وضعت هذه الحرب أوزارها، غادر الجزائر مضطرا وعاش في المهجر إلى غاية نهاية الثمانينيات، ثم عاد بعد أن هبت رياح التعددية، وأدخل حزبه جبهة القوى الاشتراكية ساحة العمل السياسي رسميا، وشارك في الانتخابات المحلية التي جرت في 1990، ثم في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 1991 والتي فاز بها الإسلاميون، ورغم أن آيت أحمد دعا إلى التظاهر ضد الإسلاميين بعد ظهور نتائج الدور الأول من الانتخابات، إلا أنه كان ضد انقلاب الجيش على تلك النتائج، مؤكدا أن هناك طريقا ثالثا بينهما، وظل آيت أحمد يناضل من أجل جزائر ديمقراطية وتعددية إلى أن وافته المنية سنة 2014 في المهجر الذي عاد إليه سنة 1999، بعد انسحابه من السباق الانتخابي رفقة خمسة مرشحين آخرين فاسحين المجال أمام مرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة ليخوض لوحده تلك الانتخـابات الرئاسية ويحصل على الأغلبية مثلما أراد.
النظام الجزائري الذي قام بعد الاستقلال استبعد الهوية الأمازيغية من حساباته ونظرته إلى طريقة بناء الدولة، رغم أن أغلبية رجال النظام ما قبل الاستقلال وبعده ينحدرون من منطقة القبائل، وهذه الطريقة في التعاطي مع المكون الأمازيغي، خلقت شعورا بالإقصاء والغبن، واندلعت الشرارة الأولى سنة 1980، فيما عرف بعد ذلك بالربيع الأمازيغي، بعد أن قررت السلطات منع محاضرة كان الأديب مولود معمري سيلقيها عن الشعر الأمازيغي، وكانت هذه شرارة أول انتفاضة شعبية، والتي تعرضت أيضا إلى قمع كبير من طرف قوات الأمن، وظلت منطقة القبائل عصية على السلطة، ففي سنة 2001 اندلعت ما عرف بعد ذلك بأحداث الربيع الأسود، عقب مقتل الشاب ماسينيسا قرماح في ظروف غامضة في أحد مراكز الدرك، الأمر الذي فتح شلالا من الغضب في المنطقة، وبدل أن تسارع السلطة إلى تهدئة الشارع، لجأت إلى القمع، مع أن القمع، خاصة في منطقة القبائل، لا يولد سوى مزيد من الغضب، وتحولت شوارع تيزي وزو إلى ساحات مواجهة بين الشباب وبين قوات الأمن والدرك على مدار أسابيع وأشهر، وسقط أكثر من 100 ضحية في هذه الأحداث الدامية، واضطرت السلطة إلى التفاوض مع ممثلي العروش من أجل إيجاد حل لهذه الأزمة.

الفن والسياسة

ارتبط اسم تيزي وزو أيضا بالفن والفنانين، فقد وهبت للجزائر الكثير من رموز الفن، سواء تعلق الأمر بالموسيقى القبائلية أو حتى موسيقى الشعبي العاصمية، ويكفي للتأكيد على ذلك ذكر اسمين كبيرين في سماء موسيقى الشعبي، وهما الحاج محمد العنقى واسمه الحقيقي محمد إيدير آيت وعراب وأعمر الزاهي واسمه الحقيقي أعمر آيت الزاهي، فالعنقى الذي يعتبر عملاق أغنية الشعبي ولد في العاصمة لكن من عائلة تنحدر أصولها من ولاية تيزي وزو، وقد توفي سنة 1978 مخلفا وراءه روائع في موسيقى الشعبي مثل أغاني «سبحان الله يا لطيف» و «الحمام اللي والفتو» أما أعمر الزاهي الذي ولد في مدينة عين الحمام في تيزي وزو فقد كان ظاهرة فنية وإنسانية، فبالرغم من الشهرة التي كانت لأغانيه لم يعش يوما كغيره من الفنانين، بل بقي أعميمر ابن حي باب الوادي الشعبي محافظا على بساطته ولم يغير مقر إقامته ولا عاداته، ورغم أن الأثرياء ورجال الأعمال كانوا يطلبون أن يغني في أفراحهم وحفلاتهم إلا أنه كان يرفض ذلك، ويغني مجانا في أفراح وحفلات البسطاء والفقراء من معارفه أو معارف معارفه، وبقي على هذه الحال حتى وافته المنية العام الماضي.
أما في الأغنية الأمازيغية فقد أنجبت مدينة تيزي وزو أسماء كبيرة مثل لونيس آيت منقلات الذي ولد في بلدية إيبودرارن في تيزي وزو، ويعتبر من أشهر المطربين، وتتميز أغانيه وكلماتها التي كتب الكثير منها بالطابع الفلسفي، وتعكس ثقافة راقية، وقد ألفت كتب في أغاني آيت منقلات، وفي المقابل نجد المغني الشهير معطوب لوناس الذي كان مناضلا بالكلمة وبالعود وقد خلف تراثا حافلا من الأغاني الملتزمة والعاطفية، ويعتبر رمزا لأجيال كاملة تربت على أغانيه وعلى تمرده، أصيب برصاصات في انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 1988 وتعرض للاختطاف على أيدي جماعة مسلحة عند اندلاع موجة الإرهاب ثم أفلت منها، ولكن في المرة الثانية لم ينج معطوب وقتل على أيدي جماعة إرهابية سنة 1998 في تيزي وزو، ورغم أن الجماعة الإسلامية المسلحة تبنت العملية، إلا أن اغتياله كان وما زال موضوعا للجدل.

تيزي وزو مدينة زادها الفن وفي جيناتها الثورة والتمرد

كمال زايت

- -

3 تعليقات

  1. تيزي وزو ترعب النظام الشمولي منذ1962…ومازال الرعب القبائلي يدكدك كل عظام النظام الشمولي

  2. تيزي وزو زرتها منذ سنين و هي المدينة الوحيدة التي أحسست فيها بالراحة و كذلك الأصالة. في تيزي وزو تحس أنك إنسانا لأن الناس هناك يعاملونك كإنسان و هي جميلة نظيفة و مليئة بالإخضرار. تعجبني أيضا مدينة عنابة الساحرة و سكانها الأصليون الذين يتميزون بالضيافة و الحنان. غير أنّ عنابة غرقت مؤخرا في الفوضى و الأوساخ

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left