رحلة «المحمل المصري» طقس ديني واحتفال شعبي ونفوذ سياسي

محمد عبد الرحيم

May 05, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: «احتفل في ديوان محافظة مصر احتفالاً جليلاً دعي إليه العلماء والأمراء وأرباب الطرق وكثير من الوجهاء والأعيان وانتظم الموكب مركباً من فوق العساكر الخيالة والمشاة والمدفعية يتقدمهم رياض باشا نائباً عن الحضرة الخديوية» (عبد الله النديم، مجلة الأستاذ في 9 مايو 1893).
لم تكن رحلة «المحمل المصري» الذي كان يحمل كسوة الكعبة من القلعة مقر الحاكم في مصر إلى مكة بأرض الحجاز إلا تعبيراً عن عدة أمور متباينة، بدايتها الاحتفاء بالمقدس في نفوس المصريين، وتحويل أي ديانة إلى طقس احتفالي مستمد من وعيه الديني القديم، إضافة إلى سمة تعد الأهم وهي بسط النفوذ السياسي لمصر على تلك الأراضي البعيدة، والتي اتخذت بالمصادفة صفة قداسة ما. هذه الرحلة التي لم تتوقف إلا خلال الحرب العالمية الأولي، والمرّة الثانية عند الأزمة التي نشبت بين مصر والسعودية عام 1926 إلى أن توقف إرسال المحمل نهائياً عام 1961. لذلك كان المحمل الشريف الذي يحمل الكسوة المشرفة يعد مناسبة لا تضاهيها مناسبة، لم تزل في وعي المصريين حتى الآن، يتذكرونها ويقسمون بها.

المحمل

المحمل عبارة عن إطار مربع من الخشب هرمي القمة مغطى بستار من الديباج الأحمر أو الأخضر، وغالباً ما يزدان بزخارف نباتية وأشرطة كتابية مطرزة بخيوط من الذهب، وينتهي من الأسفل بشراشيب. وللمحمل أربع قمم من الفضة المطلية بالذهب في الزوايا الأربع، ويوضع داخل المحمل مصحفان صغيران داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقين في القمة إضافة إلى الكسوة الشريفة، ويوضع المحمل على جمل ضخم يسمى (جمل المحامل) ويتمتع هذا الجمل باعفائه من العمل بقية أيام السنة.

الكسوة الشريفة

كانت تكلفة كسوة الكعبة مرتفعة للغاية، لذا أمر السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون حاكم مصر بوقف خراج قريتين بالقليوبية هي قرى باسوس وأبو الغيط، لهذا الشأن ولكن العائد لم يعد يكفي بعده بسنوات طويلة، لكن السلطان سليمان القانوني سلطان الدولة العثمانية التي انتزعت مصر من المماليك، أمر في أثناء زيارته لمصر بوقف خراج 7 قرى أخرى إلى جانب القريتين ومع ذلك لم يكف العائد فتم رفع الضرائب على أهالي تلك القرى، إلى أن آل الحكم في مصر للوالي محمد علي باشا الذي أمر أن تخرج نفقة تصنيع كسوة الكعبة من خزينة الدولة التي آلت إليها كل الأوقاف وتأسست لهذا الشأن دار الخرنفش في حي باب الشعرية في القاهرة لتصنيع الكسوة، والكسوة يبلغ ارتفاعها 14 مترا، ويحليها في الثلث الأعلى منها حزام يعرف بحزام الكعبة المطرز بالأسلاك المصنوعة من الفضة المحلاة بالذهب ونقش عليها، «لا إله إلا الله محمد رسول الله» و«الله جل جلاله» و«سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» و«يا حنان يا منان» وتحتها مباشرة سورة الإخلاص داخل مربعات مطرزة بالطريقة نفسها. كما كانت تشمل العتبة والطراز والقائم الصغير والقائم الكبير والوصلة، ثم كسوة مقام إبراهيم عليه السلام، وستارة باب مقصورة إبراهيم عليه السلام، وستارة باب التوبة، وستارة باب منبر الحرم المكي، ثم كيس مفتاح الكعبة المشرفة، بالإضافة إلى كسوة الحجرة النبوية الشريفة وستارة المنبر النبوي.

البعثة

كان اختيار أمير الحج يتم بعناية فائقة من بين الشخصيات التي اشتهرت بالتقوى والصلاح، وعرف عنها القوة والشجاعة والقدرة على حسن التصرف. وفـي ليلة الاحتفال بالمولد النبوي، كان السلطان يجتمع بالدوادار الكبير والقضاة الأربعة والعلماء والأمراء من كبار رجال الدولة في (الحوش السلطاني) بالقلعة وكان يوماً مشهوداً يبدأ بتلاوة القرآن وقصائد وابتهالات في مولد النبي ويمد (سماط حافل) وتقدم المشروبات المحلاة بالسكر وماء الورد وعصير اللوز إلى السلطان وضيوفه، فكان السلطان يشرب بعضاً من قدح شرابه، محتفظاً بالباقي إلى مَن اختاره ليكون أميراً للحج، وعند تقديم القدح للأمير المختار، يتقدم من فوره لتقبيل يد السلطان، ويقوم شهود الحفل جميعهم بتقديم التهنئة إلى أمير الحج ، ويقدم إليه السلطان (الخلعة) زي التشريفة، كما يخلع على الحاضرين الخلع ويفرق الصرر، وينزل أمير الحج من القلعة في موكب حافل يشق شوارع القاهرة، حيث يبدأ على الفور الإعداد للرحلة المقدسة، وترتيب موظفي الهيئات الإدارية والقضائية والمالية والعسكرية والخدمات المعاونة. وكان بصحبة أمير الحجاج بعثة مكونة من سكرتير خاص وقاض شرعي وجمل لحمل الأمتعة وطعام لبغلته وأربعة أرغفة في كل وجبة و14 كيلو كعك و5 رؤوس سكر، ومن بين المرافقين شاهدان وكاتب ديوان الحج ومفتش الدواب وخوليان لمراقبة الجمالين ومخزنجي للقوت وقباني ورئيس مطبخ وسقايين على 1600 قربة على 220 جملاً واستادار صحي ومقدم هجانة للسهر على الجمال والحبوب، ومندوبو علاقات عامة مع البدو ومأذون وميقاتي لتحديد أوقات الصلاة وطبيب وجراح وطبيب عيون وأدوية لتقديم خدمة طبية مجانية وتشتخان للعناية بالأواني النحاسية والشربخان المسؤول على الطباخين والخبازين وشاعران وعازف موسيقي. ولأمير الحج سلطة مطلقة على القافلة، وذلك الشعب السائر في الصحراء، ولذا فقد كان يتمتع بصلاحية حاكم حتى إذا أخذوا قراراً بالإعدام في الحال وهي سلطة تقابل سلطة والي مصر، كما أنه يرث أموال الذي يموتون أثناء الرحلة إذا لم يكن لهم وريث.

الرحلة

يذكر أن أول موكب للمحمل كان في فترة شجرة الدر، في عهد المماليك، والمحمل نفسه هو عبارة عن هودج فارغ يقال إنه كان هودج شجرة الدر، أما الكسوة فكانت توضع في صناديق مغلقة وتحملها الجمال، ثم يتجه نحو أرض الحجاز، إلا ان الاحتفال بشكله المميز كان في عهد الظاهر بيبرس، حيث كان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بخدام الحرمين الشريفين. وكان المحمل يطوف القاهرة يصاحبه الطبل والزمر، والعديد من مظاهر الاحتفالات كتزيين المحلات التجارية والرقص بالخيول، وكان الوالي أو نائب عنه يحضر خروج المحمل بنفسه، وكان المحمل يطوف في القاهرة نحو ثلاثة أيام، وموكبه عبارة عن جمل يحمل كسوة الكعبة وخلفه الجمال التي تحمل المياه وأمتعة الحجاج وخلفه الجند الذين يحرسون الموكب حتى الحجاز ومن ورائهم رجال الطرق الصوفية الذين يدقون الطبل ويرفعون الرايات، وبصحبتهم مهرجون يسمون (عفاريت المحمل). وبعد الحج يعود المحمل حاملا الكسوة القديمة للكعبة بعد إبدالها بالجديدة وتقطع إلى قطع وتوزع على النبلاء والأمراء، وما زالت هذه القطع موجودة في متحف كسوة الكعبة، وبعضها في قبور العائلة الملكية في مصر حيث زينوا بها أضرحتهم كنوع من التبرك. ويلاحظ أن المحمل المصري لم يكن الوحيد الذي يخرج للحج في العالم الإسلامي، بل كان هناك المحمل الشامي، والعراقي واليمني، لكن ما كان يميز المصري هو خروج الكسوة معه.

الاحتفال

«أتي المحمل من مقره في وزارة المالية، ونقل داخل صناديق على عجلة إلى وكالة الست بالجمالية، حسب المعتاد منذ القدم، ونقل جزء من كسوة الكعبة مع أحزمتها الحريرية المزركشة بالقصب من مصنعها بالخرنفش إلى المصطبة بميدان صلاح الدين المعروف بميدان القلعة، وكان نقل الكسوة على أكتاف الحمالين، يحيط بها رجال الشرطة ويتقدمها قسم من الجيش ما بين راجل وراكب، معهم الموسيقى تصدح بالأنغام المطربة، ويصحبه أرباب المزمار البلدي المعينون للسفر بصحبة المحمل، وكذلك تقدم الكسوة مديرو مصنعها ــ مأمور الكسوة ــ ممتطياً جواده مرتدياً لباسه الرسمي وعلى يديه كيس مفتاح الكعبة، وسار الموكب من المصنع إلى سبيل كتخدا، حيث التقى به المحمل بكسوته الخضراء المعتادة آتياً من (وكالة الست) بالجمالية على ظهر جمل، وسار الموكب كله إلى النحاسين فالغورية، فباب زويلة، فالدرب الأحمر، فالتبانة، فالمحجر، فميدان (القلعة)، حيث أقيم الاحتفال هناك، فوضع المحمل مع الكسوة في مقابل ردهة الاستقبال حتى الصباح. (من تقرير إبراهيم رفعت باشا رئيس بعثة الحج عام 1908).
يبدأ الاحتفال بالرحلة من مدرسة الخرنفش إلى القلعة حيث يقام سرادق كبير يستقبل فيه السلطان الكسوة ويقام استعراض عسكري واحتفال ديني ويودع فيه السلطان أو الملك رئيس بعثة الحج. وكان الجنود يصطفون ويطلقون نيران المدافع والطبول وتعزف الموسيقى بالأبواق وترفع الأعلام والرايات. ويشارك في الاحتفال أيضا الطرق الصوفية والحرفيون ويجتمع الوجهاء والأمراء والتجار ورجال الدين وعلى رأسهم شيخ الأزهر. يتحرك الموكب من القلعة عبر وكالة الغوري إلى شارع المعز ومن خلف القلعة إلى طريق السويس. ويكون مع المحمل مجموعة من العساكر الحماة الذين يصطحبون الموكب وأيضا أطباء ومسؤولي الجمالة حيث كان هناك أكثر من جمل تتبادل حمل الكسوة. ولها صفات خاصة للتحمل والقوة، تصحبها مجموعة من العلافين والسقاة لإطعامها. ومن القلعة إلى طريق السويس حتى يصل الموكب منطقة عجرود وهي قلعة مشهورة في منتصف الطريق غرب السويس، ويتجمع في هذه القلعة كل الحجاج المصريين وينضم إليهم الحجاج المغاربة والتونسيون، ثم يتحرك الموكب من عجرود إلى العقبة ويمر بمناطق تزود بالمياه، وكانت على هذا الطريق قلاع أخرى أقامها السلطان الغوري والسلطان بيبرس. وكان هناك قائد وحامية وبعض العربان لكل قلعة لحماية القافلة والموكب من قطاع الطرق والعربان الذين يهددون القافلة، التي كانت تحمل هدايا وأقمشة ونقوداً ذهبية تقدم للبدو حتى لا يعترضون طريقها عبر الصحراء.

دوران المحمل

في عهد الأسرة العلوية كان يحتفل بـ (دوران المحمل) عادة في شهر رجب، وكان الغرض من تدوير المحمل هو إعلام من يرغب بالحج للتأهب والاستعداد لرحلة العمر، وإعلام الناس عامة أن طريق الحج آمن. وكانت نظارة (وزارة) الداخلية ترسل إلى نظارة المالية: إشعاراً بتعيين أمير الحج وأمين الصرة، ثم ترسل المالية إلى كليهما خطاباً محددة فيه واجباتهما، وكشفا بعدد الموظفين والأطباء والعكامة والمشاعلية وغيرهم من الضباط والجنود والخدم وعدد الخيام والجمال وسائر المستلزمات. وكتقليد متبع في كل عام، وبالتحديد في شهر ذي القعدة، كانت نظارة الداخلية ونظارة المالية يتفقان على اليوم المحدد النقل الكسوة من دار الكسوة الشريفة (مصلحة الكسوة/ ورشة الخرنفش) التي أمر ببنائها محمد علي باشا عام 1232 هـ، إلى مسجد الإمام الحسين، ويصدق الخديوي على تعيين ذلك اليوم، ويصدر الأمر من رئيس مجلس النظار بتعطيل الدواوين والمصالح الحكومية، وينشر ذلك في الجريدة الرسمية، وتخطر نظارة الداخلية نظارة الحربية ومحافظة العاصمة ليكون الجميع ضباطا وجنودا على أهبة الاستعداد، كما تقوم المحافظة بإرسال الدعوات إلى العلماء وكبار رجال الدولة لحضور الاحتفال، الذي يبدأ غالبا في الساعة التاسعة صباحا، قبل أن يحين الموعد بنحو الساعة. وفي ميدان القلعة تجاه (مصطبة المحمل) يصطف الجنود حاملين أسلحتهم، ويبدأ توافد المدعوين فيستقبلهم وكيل المحافظة ومندوبوها، ويجلس العلماء في الميمنة، خلفهم المندوب العثماني والنظار والأمراء والأميرات وكبار الأعيان والتجار، وفي الميسرة يجلس كبار موظفي الديوان الخديوي، خلفهم قادة الجيش والجميع بملابس التشريفة في انتظار (الجناب العالي) الذي يحضر في عربة تجرها أربعة جياد، وبجواره رئيس النظار، ثم عربات كبار رجال الياوران والمعية، يحيط بالجميع 148 من فرسان الحرس الخديوي، وتؤدى للخديو مراسم الاستقبال الرسمي باطلاق 21 طلقة مدفعية ثم السلام الخديوي، وبعد أن يحيي الجميع يجلس في مكانه المخصص وبعدها يأخذ (مأمور تشغيل الكسوة) بزمام جمل المحمل ويدور به ثلاث مرات ثم يتوجه نحو الخديو الذي ينزل إلى أول درجة من المصطبة، فيتقدم إليه مأمور الكسوة بكيس (مفتاح الكعبة) مبسوطا على كفيه، فيتناوله سموه ويقبله ثم يتلوه قاضي القضاة، ثم يتلو (دعاء المحمل) وتقدم الهدايا إلى أربابها، ثم يعتلي أمير الحج جواده وخلفه المحمل وتعرض قطع الكسوة على المشاهدين في حراسة أورطة من الجنود، ويستعرض الخديو قوات رمزية من الجيش ومن سلاح الفرسان وحامية ركب الحج المصري، وعقب انتهاء الحفل، يدور ركب المحمل في شارع محمد علي ثم شارع سوق السلاح فالدرب الأحمر إلى باب زويله ثم الغورية فالسكة الجديدة حتى يتخذ طريقه إلى المشهد الحسيني، حيث أمير الحج وأمين الصرة في استقبال الكسوة وعقب دخولها يزوران مع السدنة ضريح الحسين، وفي موعد محدد في المسجد الحسيني وبحضور ناظر المالية وقاضي القضاة وأمير الحج وأمين الصرة يحرر إشهاد شرعي بتسليم الكسوة، ثم توضع في صناديق مخصصه لذلك.

الإتاوات

كان الحجاج يجمعون في أحيان كثيرة بين الفريضة والأعمال التجارية، فكان التجار منهم عند عودتهم إلى مصر يخضعون للتفتيش الجمركي في العقبة، حيث كانت القافلة تتوقف 3 أيام، وكان موظف الجمار يضع قائمة للبضائع حتى إذا ما وصلت القافلة إلى خان العادل بالقرب من القاهرة يتم تحصيل 10٪ رسوماً، وكان سلاطين المماليك في غاية السخاء مع شريف مكة ففي عام 1269 / 167هـ وأرسل بيبرس 200 ألف درهم إعانة من مصر إلى الحجاز، إلا أن ذلك لم يمنع من أن الحجاج كانوا خاضعين لعدة إتاوات من جانب شرفاء مكة، وطلب التجار الحماية من الحكومة المصرية، فوعد شرفاء مكة عدة مرات بإلغاء تلك الإتاوات في مقابل الحصول على مبلغ إعانة من مصر، وفي عام 1319 خصص السلطان قلاوون إيراد بعض القرى المصرية والسورية لصالح شريف مكة. وفي عام 1365 تمكن السلطان الملك الأشرف من إلغاء الإتاوات في مقابل إرسال مبلغ سنوي قدره 160 ألف درهم لشريف مكة، هذا بخلاف ما كان يوزعه أمير الحج على الشريف وعلى كبار رجال الحجاز من المنح.

النفوذ المصري

كانت قافلة الحج المصري أضحم قافلة للحج وأوفرها نظاماً وحماية وأعظمها ثراء وأبهة، وكثيراً ما كان سلطان مصر يخرج على رأس ركب الحج، فينشر هيبة دولته، وحسب مصر في عزها القديم أن كثيراً من ملوك العالم الإسلامي كانوا يستأذنون سلطان مصر قبل أن يخرجوا من بلادهم للحج ليكونوا في حمايته، كما فرضت طبيعة موقع مصر أن تكون مركزاً لجمع نسبة ضخمة من حجاج العالم الإسلامي، خصوصا شمال وغرب افريقيا وجزر البحر المتوسط. ومع بداية الخلافة الفاطمية كانت الكسوة بيضاء اللون، هكذا أصر الخليفة الفاطمي العزيز بالله في عام 381هجرية، فقد ارتبط إصرار الفاطميين والمماليك من بعدهم بكسوة الكعبة لأسباب سياسية تتعلق ببسط النفوذ والسيطرة الذي يضمنهما وقوع الحرمين تحت سلطتهم، وقد برز ذلك في مواصلة مصر على إرسال الكسوة طوال عهد المماليك، إلا أن الكثيرين حاولوا منازعة مصر هذه السلطة، مثل «المجاهد» ملك اليمن الذي أرسل محمل حج لكسوة يمنية للكعبة فأخبر أمير مكة الذي يتم تعيينه من القاهرة السلطة التابع لها في مصر، فتم القبض على «المجاهد» وأوتي به مغلولا إلى القاهرة لاجترائه على هذه الفعلة.

مزامير الشيطان

«اعتدى جمع من البدو مساء أول أمس‏ ــ ‏أي مساء‏21‏ الجاري وهو يوم العيد‏ ــ‏ على ركب المحمل برمي الأحجار والرصاص بجوار‏ (‏منى‏)‏ وقد رددت على الاعتداء بإطلاق بعض طلقات من المدافع والبنادق تسبب منها بعض الخسائر في أرواح المعتدين بعد ما ذهبت مساعي ابن سعود سدى، وجرح الضابط علي أفندي موسى وثلاثة من العساكر جروحا بسيطة من رمي الأحجار وقتل بعض الجمال من الرصاص‏. وقد تبادلنا رسائل رسمية مع ابن سعود نرجو تبليغ وزارة الحربية بما يخصها‏.‏ (برقية بعث بها أمير الحج اللواء محمود عزمي باشا إلى وزارة الداخلية‏ في يوم الخميس ‏24‏ يونيو عام ‏1926‏).
بمجرد أن استتب الأمر للملك عبد العزيز آل سعود في الحجاز بدأ التوتر بينه وبين مصر، فتم العمل على إعاقة المحمل وقتها لدخول الأراضي السعودية، فكانت هذه الواقعة التي تحدث عنها رئيس بعثة الحج وقتها، وقد احتجت الحكومة المصرية لدي وكالة نجد والحجاز بالقاهرة على العبارات التي وردت في البلاغ الذي كان قد أصدره ملك الحجاز وسلطان نجد،‏ والذي يفهم منه أن الجيش فعل ما فعل عن رعونة وبشكل غير مبرر‏،‏ ومنها أيضا أن الأمير فيصل طالب عزمي باشا أن يمنع استعمال الأبواق لأن النجديين يستنكرونها أشد الاستنكار ويسمونها مزامير الشيطان‏، ولما لم تستجب قوات المحمل لهذا المطلب تعرضت للهجوم من هؤلاء‏.‏ إلا أن بعض من هجانة الملك المرافقين للمحمل يقولون إن الإخوان متواعدون الليلة هنا‏،‏ وأن جمعا عظيما من هؤلاء قد أخذوا في رمي المحمل والركب بالحجارة وهم يصيحون يا مشركين يا كفرة يا عباد العود‏! إلا أن حكومة بن سعود كانت قد أرسلت إلى الحكومة المصرية تنصحها بعدم إرسال المحمل خلال ذلك العام‏،‏ وأثارت مع ذلك بعض الشكوك أن يكون أتباع الملك عبد العزيز وراء الواقعة‏.
وسخرت بعض الصحف المصرية مما قيل عن أن سبب اعتداء النجديين على موكب الحجيج المصري أن أصواتا ارتفعت من أبواق حرس المحمل،‏ فلو أن ذلك الحرس كان يعزف بأنغام الموسيقى وألحان اللهو والتطريب لفهمنا العذر‏، أما وهي أصوات عسكرية نظامية‏‏ أو‏ (‏نفير حرب‏)‏ مباح في كل مكان كالذي يسمع في كل معسكر‏ ــ ‏ وفي معسكرات بن سعود أيضا‏ ــ‏ فلا نفهم عذرا ما لتلك الحركة الحمقاء‏.‏ لكن الأمر يرتبط بالنفوذ السياسي، خاصة أن ما كان يحصل عليه أشراف مكة‏ ــ خصوم ابن سعود التقليديين‏ ــ من معونات يحملها لهم أمير الحج‏،‏ ومن ثم لم يكن غريبا ما حدث‏. إلى أن توقف دخول المحمل تماما إلى الأراضي الحجازية، ولتتوقف مصر بدورها عن تصنيع الكسوة عام 1962 في عهد جمال عبد الناصر، حيث ما زالت آخر كسوة للكعبة معروضة في دار الخرنفش، حي باب الشعرية في القاهرة.

رحلة «المحمل المصري» طقس ديني واحتفال شعبي ونفوذ سياسي

محمد عبد الرحيم

- -

1 COMMENT

  1. كم انت عظيمة يا مصر
    تاريخ
    ثقافة
    تراث
    مهما حاول من يتمنون ان تكون مصر دولة
    فاشلة ومريضة
    نقول لهم ان المستقبل العظيم لمصر وشعب مصر
    فى يد المصريين المحبين لبلدهم وسوف يقودون مصر
    الى المرتبه التى تستحقها
    وسوف تظل مصر هى ام الدنيا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left