نتالي بورتمان في نسختها العربية

حسين عيسى

May 11, 2018

رفضت الممثلة والمخرجة الأمريكية-الإسرائيلية نتالي بورتمان، حضور حفل توزيع جائزة جينيسيس الإسرائيلية التي كانت أحد الفائزين بها، فكيف تعاملت الصحف العربية مع هذا الحدث.
يمكن القول منذ البداية أن النقاط المشتركة بين كثير من الصحف والمواقع الإلكترونية العربية، في تعاملها مع هذا الحدث، هي :
1. غياب الدقة في نقل الخبر، إضافة إلى خلط الخبر مع موقف الكاتب منه. كما أن تشابه الخبر في صورته غير الدقيقة في هذه الصحف وغيرها، يوحي كما لو أن الجميع قد نسخوه حرفياً من مصدر واحد.
2. التعامل مع الحدث من زاوية عاطفية حماسية أو/ ومن منظور القيم الأخلاقية.
3. غياب المعلومات الإضافية الصحيحة، التي تساعد القارئ في فهم الخبر ضمن سياق أوسع، يمكّنه من تكوين رأي وموقف من هذا الحدث. كما أن افتقار الكاتب ذاته لهذه المعلومات، جعله في الغالب يبني استنتاجات تفتقر إلى الدقة والواقعية.
4. لكل مقال من هذه المقالات الثلاثة، آخرٌ توجه له النقد، وتعلمه كيف ينبغي أن يكون الموقف الصحيح من الحدث.
5. الميل لتقديم النصائح للآخرين، بما يوحي أن كاتب المقال يعرف بدقة دقائق وخفايا الحدث، وهو أمر لم يكن متوفراً في الحقيقة.
6. الترجمة الرديئة، وهي أيضاً تأتي على صورة واحدة، كما لو أن الجميع قد نسخوها من مصدر واحد.
7. تدهور اللغة العربية في المقالات الصحافية والمواقع الإلكترونية العربية !
لنبدأ بتفاصيل الخبر:
أعلنت «منظمة جينيسيس» الإسرائيلية، يوم الخميس 19 أبريل/ نيسان، إلغاء حفل تسليم الجائزة، (قيمتها مليونا مليون دولار)، التي كانت هذه المنظمة قد منحتها للممثلة والمخرجة الإسرائيلية الأمريكية، الحاصلة على جائزة الأوسكار، نتالي بورتمان.
والسبب في ذلك، كما صرحت المنظمة، يعود إلى رفض الممثلة المشاركة في هذا الحفل، على ضوء» الأحداث الأخيرة» في إسرائيل. كما أعلنت المنظمة أن ممثل بورتمان أبلغها « أن الأحداث الأخيرة في إسرائيل، سببت كرباً شديداً لها، ولا يريحها أن تشارك في أي حدث عام في إسرائيل».
ودفعاً لأي التباس، قامت بورتمان بتوضيح موقفها هذا، فكتبت في وقت متأخر من يوم الجمعة 20 أبريل/ نيسان، في حسابها على «إنستغرام» :

نتالي ضد نتنياهو

لقد أسيء فهم ما اتخذته من قرار بعدم حضور حفل استلام الجائزة. دعوني أتحدث عن نفسي، لقد اخترت عدم الحضور لأنني لا أريد أن «أبدو شخصاً مؤيداً لبنيامين نتنياهو، الذي كان من المقرّر أن يلقي كلمة في الحفل. وفي الوقت نفسه، أنا لست جزءاً من حركة مقاطعة إسرائيل DBS، ولا أدعمها.
وانا مثل كل الإسرائيليين واليهود في أرجاء العالم، بوسعنا أن ننتقد القيادة في إسرائيل، دون أن يعني ذلك أننا نريد مقاطعة الأمة باسرها».
وفي البيان نفسه قالت: «أنا أثمن عالياً أسرتي الإسرائيلية وأصدقائي الإسرائيليين والطعام الإسرائيلي والكتب الإسرائيلية والفن الإسرائيلي والرقص الإسرائيلي والسينما الإسرائيلية» وتابعت قائلة:
«لقد تأسست إسرائيل قبل 70 عاماً، لتكون ملاذاً للهاربين من المحرقة النازية (الهولوكوست). ولكن معاملة البشر الذين يعانون من الفظائع اليوم معاملة سيئة، هو ببساطة أمر لا يتناسب مع قيمي اليهودية. ولأنني أهتم بإسرائيل، فأنا أرفض العنف والفساد واللامساواة وسوء استغلال السلطة».
كما أشارت إلى أنها ستتبرّع بالجائزة للأعمال الخيرية التي تدعم قضايا المرأة في دولة الاحتلال. (انتهى الخبر).
هذه هي المعلومات الأولية عن موقف بورتمان من حفل استلام الجائزة، الذي كان مقرراً ان يكون في 28 من شهر حزيران/يونيو من هذا العام.

عاصفة من التكهنات

لقد أثار رفض الممثلة الأمريكية- الإسرائيلية نتالي بورتمان، حضور حفل استلام جائزة جينسيس، عاصفة من التكهنات والتحليلات، التي ربطت في معظمها هذا الرفض مع موجة الغضب التي اجتاحت العالم من الاحتلال الإسرائيلي، بسبب رده العسكري العنيف على الاحتجاجات الفلسطينية السلمية، على الحدود مع غزة، خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، حيث ارتكب الاحتلال مجزرة بحق المتظاهرين الفلسطينيين في يوم الأرض وما تلا ذلك.
وقد ثارت عاصفة التحليلات والتكهنات هذه في وسائل الإعلام العالمية والعربية.
فكيف تعاملت معظم الصحف والمواقع الصحافية الإلكترونية العربية، مع هذا الحدث/ الخبر. سنكتفي بتقديم أحد المقالات كنموذج:
(« يقول الخبر إن الممثلة الأمريكية، الإسرائيلية الأصل، ناتالي بورتمان رفضت جائزة رفيعة قيمتها مليون دولار أمريكي، احتجاجاً على سقوط قتلى وجرحى جراء إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على متظاهرين فلسطينيين.»)
لا نعرف من أين جاءت هذه المعلومات؟ فالسيدة لم ترفض الجائزة، بل رفضت حضور حفل استلام الجائزة! والأهم: متى وأين قالت إنها تحتج على سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي؟
بالتأكيد، كل ما كتبته في حسابها على الانستغرام هو: «لقد تأسست إسرائيل قبل 70 عاماً، لتكون ملاذاً للهاربين من المحرقة النازية. ولكن معاملة البشر الذين يعانون من الفظائع اليوم معاملة سيئة، هو ببساطة أمر لا يتناسب مع قيمي اليهودية.» قد يبدو مباحاً لنا أن نستنتج أن السيدة بقولها» لكن معاملة الذين يعانون من الفظائع اليوم…» تلمّح إلى الفظائع التي يقترفها جيش الاحتلال بحق الفلسطينيين، ولماذا لا يكون أيضاً تلميحاً لقضية اللاجئين الأفارقة في إسرائيل، حيث كانت حكومة نتنياهو تريد ترحيلهم، ولماذا لا يكون تلميحاً للقضيتين معاً؟ أليس هذا قراءة في الخبر، وليس الخبر ذاته؟! هل يجوز لنا أن نضخ ما نشاء من معلومات وتكهنات وتحليلات في خبر ما، ثم نقدمها على أنها الخبر ذاته بشحمه ولحمه؟!

اعتراض إسرائيلي

يتابع المقال: « أثار رفض النجمة للجائزة ضجة ونقاشاً واسعين واعتراضاً لدى الجانب الإسرائيلي، إلى حد المطالبة بشطب جنسيتها الإسرائيلية، بل إن هناك من اعتبر أنها ليست سوى أداة في خدمة حركة مقاطعة إسرائيل. فيما اعتبر احتجاجها، في أوساط مختلفة، أنه يلقي مزيداً من الشكوك حول إسرائيل، لأولئك المؤمنين بها حول العالم.»
يتابع المقال، ليكشف لنا ذلك الآخر الذي يوجه له النقد، فلكل مقال، آخرٌ لا بد من نقده : «رافضو التطبيع، أو لنقل مدّعي رفض التطبيع، وحدهم راحوا ينبشون ماضي الممثلة والمخرجة ومنتجة الأفلام الأمريكية، وكلما اكتشفواً تصريحاً مؤيداً لإسرائيل قالوا «انظروا إنها لا ترفض قيام دولة إسرائيل من حيث المبدأ.»
في الحقيقة، لا يحتاج الأمر إلى نبش في ماضي السيدة بورتمان، حتى نعرف من هي. يكفي ما كتبته بنفسها في حسابها على الانستغرام. ولكن لا بد من الإضافة أن السيدة هي بكل بساطة صهيونية ليبرالية، إسرائيلية حتى نقي عظامها،، وهي من ساعدت ألان ديرشوتيز الأمريكي اليهودي الصهيوني الآخر في إنتاج أشد أنواع البروباغندا الداعمة لإسرائيل دهاء خبثاً!
الآن جاء دور النصيحة، إذ يبدو أن لكل مقال نصيحة أيضاً: («من البديهي أن الممثلة بورتمان لا يمكن أن تفكر مثلما يفكر فلسطيني تحت الاحتلال، أو لاجئ مقتلع من أرضه، ليس من المنصف أن نطالب الآخرين أن يكونوا متطابقين مع أفكارنا مئة بالمئة.»)
نعم هي معنية ومهتمة بإسرائيل أولاً وأخيراً، ملاذ الناجين من الهولوكوست، غير أن «الأحداث الأخيرة» شكلت إحراجاً شديداً لها !اللعنة! هل أحرج الفلسطينيون بوقاحتهم السلمية سيدتنا الجميلة، من يدري، ربما !
(«لا يعود هذا التفكير إلى تلك النظرية الكسولة البائسة التي تركن عادة إلى وصف الموالين والمعارضين في إسرائيل على أنهما «وجهان لعملة واحدة». إنه تطرف أعمى، لا يريد أن يرى أي فرق، ولا يريد أن يستثمر ذلك الاحتجاج حتى من باب المنفعة السياسية.» )
نتالي بورتمان، الصهيونية الليبرالية، هي تماماً كما جدعون ليفي، الكاتب اليساري المناصر للشعب الفلسطيني!
«من يرفض مليون دولار احتجاجاً على قتل الفلسطينيين لا يمكن أن يكون كمن يقبض مليون دولار من أجل قتلهم.»
لا ليس صحيحاً، بل هما مليونا دولار، سوف تستلمهما، رغم أنها محرجة بشدة من بطولة الفلسطينيين المسالمين، وهم يتلقون رصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، سوف تستلم النقود وقد تبرعت بها أو ببعضها من الآن لمنظمات خيرية يهودية، لا تحزن!

كاتب سوري

 

نتالي بورتمان في نسختها العربية

حسين عيسى

- -

1 COMMENT

  1. شكراً للكاتب المحقق حسين عيسى على توضيحه المفصل على هذا الإحتيال الإعلامي – ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left