العشيرة والدولة في الأردن: إدارة التجاهل

سامح المحاريق

May 11, 2018

تتكاثر الانتقادات التي توجه للعشائر الأردنية، ومع كل حادثة لحالات العنف المجتمعي يبدأ التنظير حول دور العشيرة، والحقيقة أن العشيرة تبدو منصة سهلة لإطلاق الاتهامات من قبل تيارات تعتقد أن تركيبة المجتمع العشائري تقف في طريقها وتحول دون تحقيق تصوراتها للدولة في الأردن.
في المقابل، يتلقى أنصار العشيرة هذه الاتهامات بصدر رحب، لأنه في حالة السيولة الاجتماعية القائمة، التي تتواصل منذ الربيع العربي، فإن تحقيق المكتسبات عن طريق الضغوطات العشائرية، أظهر أنه يؤتي ثماره أحياناً أو، للأسف، غالباً.
لسنا بحاجة إلى تذكر حالات لجوء أساتذة جامعة ارتأوا حيفاً وظلماً في تجاوزهم في الترقية والتعيين إلى مكامنهم العشائرية، يسعون إلى الحصول على المدد وتذكير المسؤولين بأن مبدأ المحاصصة يختل، والعشيرة تتحرك أيضاً لأنها تعرف أن تمسك المؤسسة بموقفها في حالة معينة، يعني ضمنياً، أن احتمالات التعويض قائمة، وسيتحصل عليها أحد أبناء العشيرة الآخرين، وتقيس بعض العشائر والمدن والجهات في الأردن مدى تأثيرها بعدد المشاركين من أبنائها في المواقع الأمامية للسلطة، وقدرتهم على ممارسة النفوذ والتأثير.
في المشهد الذي تصدرته قبيلة بني صخر من جديد، بعد حادثة المستشار في الديوان الملكي، عصام الروابدة، بدأ كثير من الأردنيين يتساءلون حول مصير القضية، لو كان الطرف المعتدى عليه ليس من أبناء عشيرة وازنة في الأردن، ومع أن المشهد يمكن أن يشارف على نهايته حالياً، بعد انتهاء الأحداث التي وقعت في مدينة مادبا، التي شاهدها الأردنيون من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فإن مقدمات المشهد تبقى حاضرة في الأذهان، ففي الاجتماع الذي جرى عقده في ديوان القبيلة، كانت الزعامات تدعو للتهدئة، وتطالب باحترام الدولة والقانون، بينما كان الأمر لا يلقى أي أذن صاغية من شباب القبيلة الذين هرعوا لإثبات ذاتهم في صولتهم الأخيرة. في التركيبة العشائرية فإن الأشخاص الذين يهرعون للدفاع عن أقاربهم وأبناء العشيرة نفسها، يدافعون أساساً عن أنفسهم، ويقدمون هذه السمعة للآخرين، بأنه ليس من الحكمة أن تتورط معي في أي نزاع، لأن نتائجه ستكون وخيمة، ومن هذه النقطة تتأتى خطورة العشيرة من الناحية الأمنية لتداخلها في معامل الهوية الشخصي، وإضافتها معطيات غير ذاتية لوجوده الاجتماعي، وهو الأمر الذي يجعل تحقيق العدالة في بعض الأحيان عرضة لاعتبارات تخرج عن نطاق الشخص والموقف المحدود لفضاء حسابات معقدة وغير منظورة.
العشيرة هي كينونة سياسية غير مركزية، كما تعرف في الكتب الأكاديمية لعلم الأنثروبولوجيا، ولذلك من العبث في دولة مثل الأردن، اعتبرت العشيرة جزءاً من عقدها الاجتماعي، أن يتم تجاهل العشيرة ودفن الرؤوس في الرمال، ويجب على الدولة أن تلتفت لدور العشيرة والتغيرات في بنيتها وتركيبتها وتوازنات القوى القائمة داخل العشيرة نفسها، وما يمكن أن ينسحب على تشكل زعامات جديدة داخل العشائر غير معروفة للدولة، وغير قريبة منها، وربما كان من حسن الحظ أن الفرع الأساسي في المشكلة كان الفرع ذاته الذي تتشكل فيه زعامة القبيلة التاريخية، كما أنه الفرع الذي قدم العديد من الشخصيات السياسية البارزة في الأردن، فكان ذلك كافياً للعمل على وأد فتنة كبيرة.
ربما يبدو الحديث عن العشيرة وتحولاتها في الأردن أمراً خارج الزمن، وارتداداً لحواضن غير حديثة وغير محددة، بالشكل الذي يمكن أن يصنع سياسة للتعامل معه، إلا أنه لا يمكن أن يدعي أحد أنه يمتلك رفاهية تجاهل هذه المسألة في الأردن، فبينما تشهد مصر والعراق وحتى لبنان، من وقت لآخر اشتباكات على أساس قبلي، يمكن أن يذهب ضحيتها العشرات، كما كان الأمر في صراع عرب بني هلال الصعيد وأهالي النوبة، إلا أن دور العشيرة في تكوين الدولة ليس مؤثراً في هذه الحالات، كما أن الدولة في الدول المذكورة، على سبيل المثال لا الحصر، لا تعطي للعشيرة الأولوية، والميزة التي تحظى بها العشائر هي مجرد تركهم في حالهم وفي مناطقهم بدون مضايقة أو تدخل في حساباتهم الخاصة ومكتسباتهم الصغيرة، ولكن في الأردن الأمر ليس كذلك.
أبدت الحكومة ردود فعل فاترة تجاه ما جرى، وكان حديثها منصباً على مقترح قانون ضريبة الدخل الجديد، ولم تدرك الحكومة أنها لم تكن تلوذ بمساحة (سكن تسلم) في هذه الحالة، وإنما ظهر الأمر بالنسبة للأردنيين وكأن الحكومة منفصلة عن المزاج العام ولا تفهمه، وربما تكون حكومة ممتازة ونظيفة، ولكنها تصلح للعمل في أي مكان باستثناء الأردن، لعدم إدراكها لخصوصيته وتداخل الحسابات.
على الخط الأول في المواجهة مع العدو في (إسرائيل) لعقود من الزمن، كانت المحافظة على التوازنات الاجتماعية أولوية بالنسبة للأردن، وجرى تأجيل وتسويف عملية إعادة هندسة اجتماعية كانت ضرورية مع ظروف مواتية في الثمانينيات من القرن الماضي، حيث كان الأردن قد قطع طريقاً طويلاً في مجال البناء والتحديث، ويحاول الجميع التعامل بحساسية شديدة مع الموضوع العشائري في مرحلة ما بعد الربيع العربي، خاصة لمحاولات الكثير من الحراكيين اعتلاء الرافعة العشائرية بصورة انتهازية، ولكن التجاهل لم يكن أبداً من ترسانة الحلول الممكنة والمطلوبة، فالدخول في حوار مع العشائر التي أخذت تنطوي على نفسها وعلى حساباتها ومصالحها، أمر ضروري، ويجب أن يحضر في المقابل تصور للمستقبل يمكن المراهنة عليه وتبنيه والعمل من أجله، وربما استشعرت العشائر أصلاً بالتململ من بقائها في حالة توتر، وهي كمكون أصيل في الأردن تعرف مدى الأزمة والمشكلات المحيقة بالبلد ككل، فما الذي يمكن أن يقدم ليكون أساساً لبناء الثقة من جديد والتقدم بخطوة كبيرة تجاه مجتمع المواطن الذي يمتلك لمجرد مواطنته واجبات يجب عليه أداؤها، وحقوقاً يجب أن يحصل عليها.
العشيرة أرهقت كما الدولة في الأردن، وظروف إقليمية ومحلية أدت إلى ذلك، فالعشيرة لا تريد أن تصبح بديلاً عن الدولة لأنها تعرف بأن ذلك يفوق قدرتها، وأن أفضل ما يمكن أن تتحصل عليه هو بعض الترضيات من هنا وهناك، والدولة لا يمكن أن تبقى مستمرة في سياسة الاسترضاء وتحمل الشطط العشائري، خاصة أن بعضاً من المشكلات تكون بمثابة (رد الفعل) وليس الفعل من قبل العشيرة، وبكثير من الصراحة والتجرد، فالمشكلات الأخيرة كانت في خانة رد الفعل على استغلال النفوذ والسلطة، وترجمة للمقولة القديمة (ألا لا يجهلن أحد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا)، وإذا كان جهل العشيرة مقبولاً وطارئاً ويمكن السيطرة عليه، أما جهل الحكومة أو تجاهلها، فمكلف للغاية ومثير للقلق.

٭ كاتب أردني

العشيرة والدولة في الأردن: إدارة التجاهل

سامح المحاريق

- -

4 تعليقات

  1. يلجأ الانسان لمن يحميه و يحقق له مصالحه و كرامته. ولجوء الانسان للحمولة او العشيرة او القبيلة او العرق او الطائفة او الجهة الجغرافية يعني فشل الدولة او ضعفها في ضمان الامن و العدل و الحرية و الكرامة..و الاسوأ من هذا ان تكون الدولة نفسها قائمة على اسس قبلية او طائفية او عرقية. وهذا للاسف ما نجده كثيرا في بلادنا العربية على الرغم من مرور عقود طويلة على تأسيس هذه الدول.

  2. *لا أحد يطالب بشطب دور العشيرة
    أو القبيلة..؟
    *لكن إحترام (القانون ) واجب ع الجميع
    الكبير قبل الصغير .
    سلام

  3. لا ينال العرب الخير والتقدم والمدنية ما دام هناك شيوخ عشائر ورجال دين معممين ، يصولون ويجولون في الساحة.

    • مالك لا تذكر العسكر يا اخي قسطنطين و قد ابتلينا فيهم اكثر من غيرهم؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left