ماذا بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران؟

May 11, 2018

كما وعد بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أثناء حملته الانتخابية ونفذ وعده، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونفذ وعدا آخر من وعوده الانتخابية، وهو الانسحاب من الاتفــــاق النووي مع إيــــران، الذي وقعته الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا، باعتباره «صفقة سيئة جدا» ولا نعرف أحدا يريد إلغاء الاتفاق غير إسرائيل وبعض عشاقها السريين والعلنيين في المنطقة العربية.
فالأمر الجلي أن هذا الإلغاء جاء لحساب نتنياهو فحسب، أما الجانب العربي الذي شجع الإلغاء فدوره مقصور على دفع الفواتير.
وسنحاول في هذا المقال أن نستكشف بعض السيناريوهات المحتملة لما بعد الانسحاب، ولكن قبل أن نخوض في تلك الاحتمالات نود أن نوضح مجموعة من الحقائق المهمة:
أولا- إن الاتفاقية بين الأطراف وقعت رسميا بتاريخ 24 نوفمبر 2014 واعتمدت في لوزان بتاريخ 14 يوليو 2015. وبعد استلام مجلس الأمن التقرير الأول من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أكد اتخاذ إيران خطوات عملية تنفيذا للاتفاقية، كما نصت عليها الفقرة 15، قام مجلس الأمن باعتماد القرار 2231 بالإجماع بتاريخ 20 يوليو 2015 الذي رفع الحظر عن إيران، كما أشار إلى إمكانية إعادة فرض عقوبات على طهران إذا انتهكت الاتفاقية. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ بتاريخ 16 يناير 2016 وهو ما اعتبر إنجازا تاريخيا، خاصة لإدارة باراك أوباما الذي فضّل العمل الدبلوماسي بدل العسكري واستخدام المفاوضات آلية للتعامل مع الخصوم بدل استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.
ثانيا ـ إن الجهة المخولة بمراقبة تنفيذ الاتفاقية ليست إسرائيل، ولا الولايات المتحدة ولا السعودية، بل اللجنة الدولية للطاقة الذرية. وهي التي ترفع تقارير دورية لمجلس الأمن عن مدى التزام الطرفين الأساسيين بتنفيذ الاتفاقية، وما إذا كان أحدهما ينتهك أيا من بنودها. فقد وقعت إيران مع الوكالة اتفاقا بتاريخ 11 أكتوبر 2015 يقضي بزيادة عدد المفتشين الدوليين، وإعطائهم حرية النفاذ لكافة المنشآت النووية. وما فتئت الوكالة الدولية ترفع تقاريرها الدورية لمجلس الأمن عن مدى التزام إيران بالاتفاقية، كان آخرها في شهر أبريل الماضي، الذي أكد على امتثال إيران للشروط الواردة في الاتفاقية. وقال التقرير «إن مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب يستخدم لأغراض سلمية، ولكن عند معالجته بشكل آخر لا يتجاوز الحد المتفق عليه وهو 300 كيلوغرام». وأضاف التقرير الأخير أن إيران «لم تتابع بناء مفاعل أراك … الذي يمكن أن يعطيه بلوتونيوم يستخدم في صنع أسلحة نووية».
ثالثا- الجهة التي تملك صلاحيات لفرض عقوبات في حالة ما إذا ضبط طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاقية في حالة انتهاك للاتفاقية هي مجلس الأمن فقط. فمجلس الأمن هو الذي اعتمد سلة من العقوبات على إيران جسدها في ستة قرارات عندما لم تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم تمنح المفتشين الدوليين حرية التحقق والتفتيش بدون قيود على منشآتها النووية. وعندما وقعت إيران الاتفاقية مع الدول الست عاد مجلس الأمن واعتمد القرار المذكور ورحّب بالاتفاقية واعتمدها وأقر بموجب هذا القرار إلغاء قرارات المجلس المتضمنة سلة واسعة من العقوبات على إيران.
سيناريوهات ما بعد الانسحاب الأمريكي
لنفكر بصوت عالٍ للمرحلة المقبلة ونضع بعض الفرضيات التي تنتظر محك الزمن لنرى ما الذي سيتحقق منها على أرض الواقع:
اولا- إيران تستأنف برنامجها النووي
إذا إستطاعت إيران وهي واقعة تحت عقوبات حادة وشاملة، أن ترفع عدد أنابيب الطرد من 164 عام 2003 إلى 19000 عام 2013، فكيف سيكون الحال إذا انطلقت إيران وتحت التهديد الأمريكي الإسرائيلي السعودي باستئناف عمليات التخصيب؟ نتوقع أن تحذو إيران حذو كوريا الشمالية، بحيث تحاول امتلاك السلاح النووي ثم التهديد باستخدامه لتفاوض الغرب من موقع قوة. ونتوقع إذا تم هذا ستبدأ مرحلة سباق على التسلح في منطقة الشرق الأوسط غير مسبوقة، لا يشمل إسرائيل فقط، بل دولا مثل مصر والسعودية وبتعاون مع إسرائيل على أساس أن الحرب على الأبواب.
ثانيا – سيناريو الحرب
إذا عادت إيران للتخصيب فهذا قد يرسل موجات رعب بين جيران إيران وإسرائيل، وقد تقوم إسرائيل بمغامرة عسكرية بهدف تدمير بعض المنشآت النووية، التي قد لا تمنع استمرار إيران في برنامج التخصيب، ولكن قد تعثره قليلا. وستلتف الأمة الإيرانية بكاملها حول قيادتها والضغط باتجاه الانتقام والتشدد وتسخين المنطقة أكثر، خاصة إذا غامرت بعض دول الخليج بالتحالف مع إسرائيل وأمريكا، وسيكون لهذا التحالف المكشوف ردود فعل كبيرة جدا حتى على مستوى الشارع العربي، الذي لا يمكن منطقيا أن يقف مع التطرف الإسرائيلي وعنجهية ترامب وعنصريته. وقد تكون ساحة الاقتتال سوريا. وما الهجوم الإسرائيلي على القاعدة الإيرانية في مطار تيفور يوم 7 أبريل الماضي، إلا محاولة «استفزاز وتحرش واستدراج» لمعرفة رد الفعل وإثارة موضوع الوجود الإيراني في سوريا، وما تعتبره إسرائيل تهديدا لأمنها القومي. كما أن لبنان قد يكون ساحة التفجير المقبلة، خاصة مع تعزيز حزب الله لوجوده وتراجع أنصار السعودية الذين يمثلهم سعد الحريري.
إن إتساع تأثير حزب الله على لبنان قد يثير مخاوف الطرف الآخر، فيسعى إلى التفجير قبل إحكام السيطرة، وبالتأكيد إسرائيل تشجع هذا الاقتتال وتغذيه وتستثمره لصالحها. إن إنطلاق مواجهات عسكرية في منطقة أصلا ملتهبة ومفتتة سياسيا ودينيا وطائفيا، سيؤدي إلى نتائج كارثية لا ينجو منها أحد، خاصة دول الخليج.
ثالثا- عزلة الولايات المتحدة وتراجع فرص اتفاق نووي مع كوريا الشمالية
سياسات ترامب الآن لا تجد تأييدا لها حتى مع أقرب الحلفاء مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا. فقد فشلت كل جهود حلفائه لثنيه عن الانسحاب، أو على الأقل التريث، لكنه وانصياعا لأوامر نتنياهو ركب رأسه وأقدم على المغامرة. وزير الخارجية البريطاني تحدث في مقابلة مع «سكاي نيوز» مساء الاثنين محاولا إغراء ترامب بالتراجع عن الانسحاب واحتمال الحصول على جائزة نوبل، إذا تمسك بالاتفاقية الإيرانية وعقد صفقة جديدة مع كوريا الشمالية، لكن لا حياة لمن تنادي. الولايات المتحدة الآن في أشد حالات عزلتها ولا تجد من يقف معها إلا حفنة من دول لا تكاد ترى على الخريطة. استطلاعات الــــرأي الداخلية والخارجية تعطي ترامب علامات متدنية. وحسب استطلاع لمجلة «نيوزويك» للشباب العربي للفئة العمرية ما بين 18 و24 عاماً في 16 دولة عربية ونشر حديثا فإن 57 في المئة من الشباب العربي يعتبرون الولايات المتحدة عدواً وليس حليفاً.
فلماذا يثق كيم جونغ أون في ترامب الذي أثبت للعالم أنه لا يحترم الاتفاقات التي توقعها بلاده، ولا يقيم وزنا للقانون الدولي ولا يراعي حتى رغبات حلفائه. لو كان اللوم يقع على إيران لتفهم كيم، لكن العالم يعرف وبشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران التزمت بالاتفاقية. فكيف سيقنع القائد الكوري بالتخلي عن سلاح موجود، لا سلاحا مفترضا كما هو الحال مع إيران.
لم يكن من مصلحة إيران الانسحاب من الاتفاقية بعد أن حصلت على رزمة مكاسب ابتداء بتحرير 400 مليون دولار فورا، ومن ثم تحرير مليارات الدولارات المجمدة في البنوك الأمريكية، وإزالة الحظر على شراء الذهب والمعادن الثمينة، وإزالة الحظر كذلك على صناعة السيارات والمواد البتروكيميائية، وتصليح الطائرات المدنية في الخارج. ومع عودة رزمة العقوبات الأمريكية على إيران ومع من يتعامل مع إيران فقد تجد إيران نفسها في وضع صعب تضطر معه أن توسع من أنشطتها الإقليمية الاستفزازية، خاصة ضد حلفاء الولايات المتحدة، وهو ما ينذر باستمرار الصراع في منطقتنا العربية لسنوات طويلة مقبلة. قد يكون هذا هو المطلوب أي أن تبقى النزاعات متواصلة لمزيد من التدمير وبيع المزيد من السلاح وتجريف المزيد من المليارات وأيضا لينعم الإسرائيليون بصيفهم آمنين على شواطئ البحر.

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

ماذا بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران؟

د. عبد الحميد صيام

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left