طهران وتل أبيب حول إنقاذ الجندي الأسد: شقاق بعد اتفاق

صبحي حديدي

May 11, 2018

أصاب المؤرخ الفرنسي جان ـ بيير فيليو حين اعتبر أنّ رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «يواجه صعوبة في التكيّف مع واقع أنّ القوة الإيرانية باتت على مقربة من حدود إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، نتيجة لسياسته التي اتسمت بقصر النظر والتي تمثلت في اعتبار نظام الأسد، أهون الشرّين، لا بل حتى أحد الحصون الضامنة للاستقرار». وبالفعل، في مناخات المنازلة العسكرية الراهنة بين طهران وتل أبيب على أرض سوريا، والتي تنطوي على احتمالات الانقلاب إلى حرب مفتوحة يمكن أن تشمل لبنان، وقد تنتقل إلى إيران ودولة الاحتلال؛ يسدد نتنياهو، والغالبية الساحقة من جنرالاته ومدراء أجهزته الاستخبارية، أثمان خيار مبكر فاضل بين آل الأسد وأيّ بديل آخر، فاستقرّ على «الشيطان الذي نعرف»، الذي يظلّ أكثر ضماناً من أيّ «شيطان» لا نعرف بعد.
والحال أنّ أهل هذا الخيار، وهم كثر بالطبع، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، سبق أن سددوا بعض الأثمان في صعود «داعش»، وفي امتداد توحشها إلى قلب عواصمهم؛ وها أنهم اليوم يستعدون لتسديد المزيد مع «صحوة» نتنياهو على مدى التوغل الإيراني في عمق ما تبقى من بنية عسكرية وأمنية تابعة لآل الأسد؛ وقرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وما سوف يقترن بالقرار من خسائر فادحة لعشرات الشركات الأوروبية العملاقة التي استأنفت التعامل مع الاقتصاد الإيراني؛ ثمّ ما يُنتظر من «فيلق القدس» على صعيد التسخين العسكري ضدّ المحور الأمريكي ـ الإسرائيلي، ليس في سوريا وحدها بل في العراق ولبنان أيضاً، وجبهات أخرى تبدو ساكنة لكنها قابلة للإشعال والاشتعال عندما تقتضي الحاجة. وليست مفارقة، إلا عند السذّج بالطبع، أنّ رامي مخلوف، ابن خال الأسد وصيرفي العائلة وتمساح الفساد الأشرس والأقذع، كان أوّل من أنبأ العالم، منذ أيار (مايو) 2011، بأنّ استقرار إسرائيل مرتبط باستقرار النظام السوري.
مفارقة مضحكة، في المقابل، أن يصرّح وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، أنه «لو سمح الأسد لإيران بأن تحيل سوريا إلى قاعدة عسكرية ضدنا وتهاجمنا من الأراضي السورية، فإن عليه أن يعلم أنّ هذه نهايته ونهاية نظامه ولن يبقى حاكماً لسوريا أو رئيساً لسوريا». ذلك لأنّ دولة الاحتلال ذاتها، وليس الأسد وحده، سمحت بتحويل سوريا إلى قاعدة إيرانية غير مباشرة عبر «حزب الله»، ثمّ قاعدة إيرانية مباشرة عبر الجنرال قاسم سليماني، ثمّ قاعدة روسية منذ أيلول (سبتمبر) 2015؛ من منطلق النظرية إياها: أنّ نظام آل الأسد هو الشيطان الذي عرفناه واختبرناه منذ سقوط الجولان، حين كان الأسد الأب وزير الدفاع؛ مروراً باتفاقية فكّ الاشتباك، 1974، التي حالت دون إطلاق بندقية صيد في طول الجولان المحتلّ وعرضه؛ وصولاً إلى سحب وحدات النظام من مواقع انتشارها على خطوط الجبهة مع الاحتلال، وتوجيهها إلى الداخل السوري لقمع التظاهرات السلمية وقصف القرى والبلدات والمدن.
كذلك يتجاهل شتاينتز (إذْ لا يعقل أنه يجهل، وهو العضو في الحكومة الأمنية المصغرة، وشغل في الماضي وزارات حساسة مثل الاستخبارات، والعلاقات الدولية، والشؤون الستراتيجية…)؛ أنّ الأسد لم يختر طائعاً تحويل الوجود العسكري الإيراني إلى قاعدة آخذة في الاتساع والتضخم، بل كان في هذا مرغماً، غير كارهٍ بالطبع؛ تماماً كما كانت عليه حاله حين اقتيد إلى موسكو للتسليم بكلّ ما اشترطه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل التدخل العسكري الروسي المباشر. ومثلنا نحن السوريين، ومثل العالم بأسره، لا بدّ أنّ شتاينتز قرأ تصريح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، أنه «لولا الدعم الإيراني لسقط نظام بشار الأسد خلال أسابيع»؛ أو تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأنّ «دمشق كانت ستسقط خلال أسبوعين لولا تدخلنا». فإذا كانت إيران عامل إنقاذ لنظام «أهون الشرّين»، الذي تحرص إسرائيل أيضاً على إنقاذه، وعلى بقائه؛ فإنّ شتاينتز يُغفل هنا هذه الحقيقة البسيطة: لقد تطابقت أغراض طهران وتل أبيب، يومئذ، حول إنقاذ الجندي الأسد!
.. ثمّ تقاطعت الأغراض، بعدئذ، أو تناقضت في قليل أو كثير، حين مارست طهران حقها في البناء على كلّ قطرة دم خسرتها دفاعاً عن نظام الأسد، وحين تمسكت بكلّ مكسب جنته أو يتوجب أن تجنيه لقاء الجهود العسكرية والمالية الهائلة التي بذلتها في سوريا منذ عام 2012 على وجه التحديد، حين تلقى حسن نصر الله التكليف الشرعي من وليّه الفقيه بنقل «بندقية المقاومة» من الجبهة ضدّ إسرائيل إلى الجبهة ضدّ انتفاضة الشعب السوري. فهل توقع نتنياهو أن تلتزم طهران بما جمعها مع إسرائيل من توازن، خفيّ في معظم بنوده ومعلَن في قليل منها، منذ فضيحة «إيران ـ كونترا»، 1985؛ حين عقدت إيران اتفاقاً مع إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان (أو «الشيطان الأكبر» دون سواه!)، لتزويدها بأسلحة متطورة في حربها مع العراق، لقاء إطلاق سراح رهائن أمريكيين كانوا محتجزين في لبنان. يومها كان أري بن ميناش، المندوب عن المخابرات الإسرائيلية، حاضراً في جلسات التفاوض الأمريكية ـ الإيرانية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، لأنّ دولة الاحتلال كانت هي المكلفة بنقل شحنات الأسلحة؛ ويومها، أيضاً، كان تطابق المصالح بين طهران وتل أبيب هو سيد اللعبة.
اتفاق، إذن، توجّب أن يعقبه شقاق تلقائي حين أخذت برامج إيران تتجاوز إنقاذ نظام الأسد، إلى بناء منظومة جنينية مرشحة للتطوّر إلى ما يشبه سيرورة هيمنة «حزب الله» على الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية في لبنان. وهذا في ذاته تطوّر جدير بإثارة قلق نتنياهو وجنرالاته في الجيش والاستخبارات، فكيف إذا اقترن بخطوات ملموسة على درب تطوير الصناعة البالستية الإيرانية إلى مستويات أرقى ليست بالغة الخطورة على جميع أراضي دولة الاحتلال فحسب، إذْ كان هذا الخطر ماثلاً أصلاً في كثير أو قليل؛ بل كذلك في ارتقاء التصنيع الصاروخي إلى مستوى حمل رؤوس نووية، قد تطيح في أية لحظة بالدرجة صفر من التوازن، المعيار الذي حكم التسابق الذرّي منذ هيروشيما وناغازاكي. وكيف إذا كان النظام، الذي ضمن صمت المدافع المطبق في الجولان المحتل منذ 1973، لم يعد هو الناظم الأول للسلطة في سوريا، فتبعثرت هذه بين طهران وموسكو وما هبّ ودبّ من ميليشيات جهادية ومذهبية.
جدير بالانتباه، أخيراً، أنّ الجولة الأحدث من عمليات القصف الكثيفة التي نفذها الطيران الحربي الإسرائيلي ضدّ مواقع إيرانية في سوريا، تمّت بعلم موسكو كما أعلن مسؤولون في دولة الاحتلال. وليس في هذا أيّ جديد، بالطبع، إذْ ظلت الرادارات الروسية صمّاء عمياء أثناء عمليات إسرائيلية مماثلة؛ ما خلا أنّ نتنياهو كان في موسكو، كتفاً إلى كتف مع بوتين، أثناء تنفيذ الضربات الأوسع. في عبارة أخرى، ليس منافياً للمنطق أن يكون الكرملين سعيداً بالضربات الإسرائيلية التي تستهدف تهميش الوجود العسكري الإيراني في سوريا، فهذا مآل يخدم الاستثمار الروسي هنا، على المدى القريب والبعيد معاً؛ خاصة في ضوء التقارير المتزايدة التي تتحدث عن منافسة شرسة بين موسكو وطهران على اكتساب، أو تجنيد، الميليشيات المنتشرة كالسرطان في الساحل السوري.
وما دامت فواتير مبدأ «الشيطان الذي نعرف» مستحقة الدفعة، فلا غرابة أن تسير المقايضات على هذه الشاكلة المتشابكة، الشعواء.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

طهران وتل أبيب حول إنقاذ الجندي الأسد: شقاق بعد اتفاق

صبحي حديدي

- -

5 تعليقات

  1. يا ليتنا ننظر لأمورنا كعرب و أمه لها مستقبل تؤمن به فلما كانت كل هذه الفواتير الطويله لكل من يدعي الشهامه في الدفاع عنا ضد اي شيء مثل الارهاب او الصهيونيه او حجج اخرى للدخول الى البيت العربي فلكل مساعده ثمن و سوف يأتي الجابي عاجلا او آجلا ليقبض مثلا في سوريا روسيا كان ام ايرانيا او في السعوديه امريكيا و هلم جرا و كأن هذه الامه عمياء عن الطريق الذي هو امامها الى مستقبلها بالتفافها على نفسها فليس اقرب للعربي سوى العربي مهما كانت الخلافات فهو افضل لاخيه من اي غريب و هو دخيل و لا يساعد الا ليتمكن و لا توجد شعوب قويت الا بعد ما اتحدت و ادركت ان هلاكها في فرقتها و مع ان هذا المنطق يبدو اليوم بعيدا عن الانظمه العربيه في مجال اللامنال فالعقاب قريب على يد اصدقاء الامس عند عدم دفع الفاتوره بابهظ الاثمان و هي فقدان السياده و تقرير المصير على ارضهم و صحيح ان الشعوب التي اتحدت كانت لها قيادات فذه مثل غاندي و نهرو في الهند و ماو تسي تونغ في الصين و قبلها بكثير في المانيا بسمارك و في ايطاليا غاريبالدي و لكن لا ننتظر فقد انتهت هذه الحقب و نحن نعيش في عصر ما بعد عبد الناصر و مع كل قساوة الاستعمار فان العولمه اقسى و لا ترحم من يتخلف و آسف لازعاج الكثيرين المنهمكين في المعمعه ضد بعضهم البعض بهذه الافكار التي قد تبدو لهم في غاية السخافه

  2. الحقيقة هو ان الصهاينة والأوروبيين والأمريكان وقفوا ضد الثورة السورية منذ البداية لكل هدفه ومصلحته بغض الطرف عما يسمى أصدقاء الشعب السوري وغيرها من التسميات كلنا يعرف الجهد الجبار اللذي بذلته البطريكية المسيحية في لبنان والمشرق وفي كل البلدان العربية على الفاتيكان والحكومات الغربية للوقوف ضد الثورات العربية اللتي خرجت من المساجد واعتبروها خطر عليهم ولهذا بذل الغرب كل مابوسعه لإفشال هذه الثورات مصر وسورية اكبر مثال وبعد ان اعتقدوا انهم انتصروا نفاجاوا بالتدخل التركي والإيراني اللذي خلط عليهم الأوراق وعقد المسالة اللتي كانوا يخططون لها لتقسيم سورية بين الأقليات بعد تهجير الأكثرية اما الهجمة الصهاينة الاخيرة تحت خدعة إطلاق صواريخ من سورية فهي ليست ضد الوجود الفارسي في سورية بل انه عملية مشبوهة ومخطط لها الهدف منها ابتزاز حثالة المهرولين من العربان لحضن الصهاينة مثل حكام السعودية والإمارات البحرين اليهود لايقدمون على عمل الا بعد ان يحسبوا الربح والخسارة وهنا كانوا الرابح الأكبر فهم يضربون اكثر من عصفور بحجر واحد من جهة يبتزون المغفلين من العربان باعتراف غبي لجرائمهم ضد الشهب العربي والفلسطيني ومن جهة ثانية يظهرون عداء كاذب ضد ايران اللتي لن تستطيع الرد عليهم في موازين القوى اللتي سيكونون الخاسر الأكبر فيها لان اي اعتداء على الكيان الصهيوني سيعتبر اعتداء على الحلف الصهيوصليبي كله وإيران تعرف ذالك يعني ان المسالة ليست عداء بين الغرب والصهاينة من جهة و

  3. كل من يبني تحليله على ان ظهور داعش كاداة لنشر الفوضى في المنطقة هو مستقل عن ارادة و تخطيط امريكا و اليهود هو اما غير صادق او غير ملم باوضاع المنطقة العربية.

    لقد اراد اليهود و امريكا السيطرة على سوريا عبر استغلال سداجة و جهل قسم من السوريين و العرب من اجل توظيفهم لاحقا كحطب لحربهم على ايران فانقلب السحر على السحرة و اتوا بايران و جيشها الى حدود فلسطين المحتلة بل و منحوا النظام في سوريا فرصة انهاء صمت المدافع المطبق على الجولان منذ 1973 و بالتالى حرمان خصومه من احدى اهم اوراقهم في الاستهزاء من عجز النظام السوري.

    لم و لن يكون هناك التقاء بين ايران و اليهود حول موقفهم من بقاء النظام في سوريا فاليهود هم من خلق هذه الفوضى في سوريا بايد عربية و سورية، ليس كرها او حبا في السوريين او النظام في سوريا، بل بهدف نقلها لاحقا الى ايران، و ايران تدخلت لدعم النظام في سوريا ليس حبا او كرها في السوريين او النظام في سوريا بل من اجل منع نقل الفوضى من سوريا الى ايران عبر العراق. فليس من المنطق و الموضوعية الادعاء ان اليهود و ايران متفقون حول انقاد الاسد و نظامه.

    حين يعلن و لاياتي و لافاروف ان نظام الاسد كان سيسقط خلال اسبوعين لولا دعم روسيا و ايران فهم يقولون الحقيقة التي يعرفها الكل. و هذه الحقيقة لا تنقص من قدر النظام في شيئ. فلا يمكن للنظام في سوريا حتى لو لم يكن بالفساد الذي وصل اليه ان يقف في وجه اليهود و امريكا و كل الانظمة العربية التي تدور في فلك امريكا. بل على العكس هذه الحقيقة تحسب للنظام حيث على الرغم من ضعفه و فساده استطاع ان يجد سندا من قوى دولية ساعدته في افشال مخطط اليهود و امريكا الاصلي و لو بثمن باهظ تمثل في تدمير معظم سوريا و تشريد اهلها. و على الكاتب ان يتذكر انه لولا دعم بريطانيا، و امريكا لاحقا، لفرنسا في الحرب العالمية الاولى لما استطاعت ان تقف في وجه الالمان لاسبوعين خلال الحرب العالمية الاولى. و لولا دعم بريطانيا و امريكا للاتحاد السوفييتي وحياد اليابان لما استطاع الاتحاد السوفييتي ان يصمد لاسبوعين امام المانيا خلال الحرب العالمية الثانية، و لولا هجوم المانيا على الاتحاد السوفييتي و دخول امريكا الحرب لما استطاعت بريطانيا ان تصمد امام المانيا و لما كان هناك اصلا شيئ اسمه الحرب العالمية الثانية.

  4. اثبتت الاحداث الاخيرة ان اسرائيل لا تقدم على اي عمل الا بموافقة امريكا و حمايتها.
    كما اثبتت الاحداث ان ايران و روسيا موجودان لمصالحهما ليس الا.. بل ان كل منهما يسعى لاقتناص الجزء الاكبر من الغنيمة و لو كان ذلك بالتآمر على الآخر.
    كما اثبتت الاحداث ان روسيا ليست كفؤا و لا تريد ان تكون كفؤا لامريكا و خاصة في سوريا. و انها تلقت اهانات علنية كثيرة من امريكا و اسرائيل. فمازالت امريكا يمكنها التأثير الضار كثيرا على روسيا بالتحكم باسعار البترول وتعطيل سوق السلاح الروسي باستعراض التفوق.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left