عادت حنكة السياسة البريطانية لتُرنم مجدداً

إحسان بن ثامر

May 12, 2018

لطالما صادفتني صور ومشاهد في المملكة المتحدة تستحق الثناء والوقوف عندها دراسةً وتحليلا من دمج المجتمع بكافة شرائحه وأطيافه في مؤسسات الدولة ، وذكرتُ شيئاً من ذلك في رواية سوف تصدر لي قريباً تضمنت بحثاً إجتماعياً أجريتُهُ في عدة مدن بريطانية ، بحيث أن مفاصل الدولة بجميع قطاعاتها الخاصة والعامة تجد فيها مزيجاً وخليطاً إجتماعيا رائعاً قد يُثبت لك من دون أدنى شك أنّ هذا البلد من مهندسي السياسة العالمية والقانون.
عيّنت الحكومة البريطانية ساجد جاويد في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 1969 وزيراً للداخلية وهو من أسرة باكستانية مهاجرة ، وقد قد تولى من قبل عدة مناصب وزارية لكن نظراً لأهمية وزارة الداخلية حيث تعتبر حقيبة سيادية مُهمة أخذَ هذا الإقدام زخماً إعلاميّاً واسعاً وهي خطوة تستحق مِنّا كمسلمين وباحثين أن نثني عليها ونثمنها.
ساجد جاويد لم يُعين وزيراً بحقيبة سياديّة مُهمة من دون كفاءة وخبرة تراكميّة لكي يُقال بأنّ تعيينه جاء ذراً للرماد والظهور بمظهر العدالة الإجتماعية..! بل استلم عدة مناصب منها وزيراً للدولة بوزارة الخزانة ، ووزيراً للحكم المحلي ، ووزيراً للثقافة والإعلام والرياضة والمساواة ، وقد درس الإقتصاد والسياسة في جامعة إكسيتر البريطانية وبعدما تخرج عمل في بنك «تشيز مانهاتن» في نيويورك وترقى في الوظائف وصولاً إلى منصب نائب رئيس البنك ومديراً وهو لم يُكمل الـ 24 من عمره.
الصفات الحميدة والأفعال الطيبة عندما تصدر من أشخاص بهدف التعلم وتحويلها لطبيعة سلوكيّة فهي أعمال جيدة وممدوحة ، وكذلك القوانين والقرارات التي تصدر من الدولة إذا ما كانت بالغاية نفسها، لأنّ دمج المجتمع وتبادل المناصب والمواقع لا يكون إلاّ من خلال سن القوانين وتطبيقها والتمهيد لتقبلها لدى المجتمع وأنّ الجميع ينبغي أن يكونوا سواسية تحت مظلة القانون وحيث ينص
إنّ المناصب سواء كانت السيادية أم غيرها هي من نصيب الكفاءة والمواطنة لا المحاصصة والانتماءات ، ونحن نقول هذا فيما لو أن هناك دولة فتية تتجه نحو تطبيق القانون ودمج المواطنين من كافة شرائحهم ومكوناتهم لا عن دولة تُعد لها تاريخ طويل بالسياسة العالمية ومعلماً من معالم حقوق الإنسان مثل بريطانيا ، ومن استوطن فيها أو زارها على أقل تقدير يعرف معنى القانون جيداً وهو الذي يعلو ولا يُعلى عليه.
صادق خان عمدة لندن وساجد جاويد وزير الداخلية من أُسر باكستانية أُقامت في المملكة المتحدة وعملوا وكدحوا للعيش الكريم كبقيّة المواطنين وحينما ثابر ابناهما في تحصيل العلم والعمل الدؤوب استحقا بجدارة كأي سياسي من جذور بريطانية ومن أي مكون ديني وعرقي آخر.
في بلادنا العربية ذات «الفقاعة الصوتية المرتفعة» تجد الحديث كثيراً عن المساواة والعدالة الإجتماعية وهلم جرا ، وحينما يأتي الشخص إلى دولنا وخصوصاً النفطيّة منها ويعمل لعقود من الزمن في الطب والتعليم والصحافة بل وبعض الدول اليد الخارجيّة العاملة هي التي ساهمت في تأسيسها وتقدمها وما إن ينتهي عقد العمل حتى يخرج منها خاوي الوفاض ناهيك عن وصفِه بالمرتزقة والمأجور وأنّ لحم أكتافه من خيرات البلد بمجرد خلاف سياسي بسيط.
الأحواز العربية ذات الثمانية ملايين نسمة تقريباً وأقصد بها الأحواز الكبرى وليس مركز المدينة فقط يتطلع أبناؤها للحرية في تسمية أبنائهم كما يرغبون وليس بأسماء محددة في جمهورية إيران الإسلامية ! وأما المناصب السيادية فشخص واحد وهو يمثل النظام لا الشعب ولا تقل أنه ذر للرماد في العيون بل هي العدالة بعينها…! علماً أن ثمانين في المئة من ثروة الغاز والنفط هي من هذه المدن العربية.
نحتاج كعرب ومسلمين أن نُعيد قراءتنا مجدداً بمفهوم المواطنة والعدل والمساواة ، فما كانت عليه مجتمعاتنا من تفاوت طبقي وعدم فسح المجال أمام الأمة في تقرير المصير لم يعد مجدياً في عصر التكنولوجيا الحديثة ، ولم تصل دول العالم الأول والمتحضر لما هي عليه إلاّ بعدما رسخت مفهوم العدالة الإجتماعية وأنصفت الكادحين والعمال والمجدين ، فيحيا العدل وتحيا المساواة ويحيا القانون ، نقول ذلك ونكتب من هنا مـن لندن المحروسة .

كاتب عراقي

عادت حنكة السياسة البريطانية لتُرنم مجدداً

إحسان بن ثامر

- -

12 تعليقات

  1. نعم فعلا ، نحن في بلادنا العربية قتلنا الغرور والعجب ، وارتفعت الانا الى ان هلكنا فيها ، لاننا نفخر بالعلم كلوحة معلقة على الجدار ، اهتممنا بتزين الجدران وتركنا الأساس والبناء ، هملنا حاضرنا والمستقبل، وبقينا نسقي زهرة المستقبل الشح والعطش .

    شكرا لمقالتكم التي تحرك الشجن .. لانها صراع الواقع المرير

  2. بالتأكيد في بريطانيا من يملك المؤهلات و الكفاءة يستطيع أن يشق طريقه نحو مناصب عالية . و لكن للوصول الى منصب سياسي عالي ، خصوصاً في حزب المحافظين ، ذلك يتطلب من الطامح لمنصب أن “يصبح منهم و أحدهم” من ناحية الأفكار و النظر الى أمور الواقع _ ذاك ما تطلبه أسس الحضارة الغربية .
    و لعل في سيرة باراك أوباما خير مثال ، فمع أن أباه مسلم أسود من كينيا ، إلا أن تربيته في بيت أمه و جدته جعلت منه “واحد منا ، يتكلم مثلنا ” مع تقدير الصفات الشخصية و الذكاء الإجتماعي للرجل .
    أنظر بنوع من الإعجاب المتشكك الى ، إن صحت التسمية ، العبقرية البريطانية ، و التي أكتسبت عبر مئات السنين ، و بعض جوانبها تعكس ثقة بالنفس ، و أخرى براغماتية ذكية ، تلك العبقرية التي صنعت دوراً كبيراً لهذة الدولة الصغيرة في حجمها و بسرها _ غير أن المؤسف أنه دائماً كانت المصالح من تحدد مواقف هذه الدولة ، و تزيح جانباً كل ما يقال عن الإنصاف و العدالة و حقوق الإنسان ، إن إقتضت المصالح ذلك .

  3. كلام جميل ولكن ان اردنا كدول عربية بالذات ان نعرف المساواة والعدالة وتطبيق القانون على الجميع واعتماد الاكفاء والمتميزين للمناصب المهمة يجب علينا ان لا نقرا كل كتب التاريخ والتراث العربي لكي نقتل العشائرية والطائفية في بلداننا

  4. ” الأحواز العربية ذات الثمانية ملايين نسمة تقريباً وأقصد بها الأحواز الكبرى وليس مركز المدينة فقط يتطلع أبناؤها للحرية في تسمية أبنائهم كما يرغبون وليس بأسماء محددة في جمهورية إيران الإسلامية ! ” إهـ

  5. الأحواز تم إحتلالها سنة 1925 من شاه إيران رضا شاه بالتآمر مع بريطانيا وتكرر ذلك مع الصهاينة في إحتلال فلسطين! ولا حول ولا قوة الا بالله

  6. نعم الأحواز ليست المدينة فقط بل الشاطئ الشرقي للخليج العربي بأكمله حيث الإمتداد الطبيعي للقبائل العربية! ولا حول ولا قوة الا بالله

  7. شعب الأحواز كان بمعظمه من الشيعة, ولكن بعد الإضطهاد الفارسي للعرب تحول معظمهم لأهل السُنة والجماعة! ولا حول ولا قوة الا بالله

  8. الخميني شجع الفرس على الإستيطان بالأحواز, والخامنئي جفف المسطحات المائية فيها بعد رفض العرب لهؤلاء المستوطنين! ولا حول ولا قوة الا بالله

  9. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبورك صاحب المقالة الشيخ إحسان الكربلائي من لندن على هذه المقالة القيمة . نعم شيخنا العزيز الغالي للأسف عندما نتحدث عن دول الغرب وطريقة عملهم نجد أن هنالك اختلاف كبير بينهم وبين العرب فنجد أن العديد من الدوائر والمؤسسات يعملون فيها الكثير من العرب والمسلمين ويتقاظون أجورهم نفس أجور الأجنبي ويتعامل معهم باحترام وعند انتهاء فترة خدمته يأخذ أجر التقاعد كبقيت الناس من غير المسلمين ولا يجد من ( يحرجه أو يجرحه ) في كافة الأماكن لكن في بلاد الدول العربية للأسف نجد أن العديد من الفوارق في الأجور والتعامل بين الموظفين والعمال من ناحية القرابة والديانة والمذهب .

  10. نعم شيخنا العزيز إحسان ابن ثامر الكربلائي المحترم من لندن . الفرق كبير بين العرب والغرب فأذا عملنا مقارنة بين الطرفين لوجدنا الفرق كبير والفرق هو نقطة فقط لكن المعنى كبير حيث أنهم
    ( غرب ونحن عرب )
    1- هم شعب يختار .. ونحن شعب يحتار .
    2- هم شعب تحالفو .. ونحن شعب تخالفو .
    3- هم تعلمو بالأقلام .. ونحن تعلمنا بالأفلام .
    4- هم وصلو لمستوى الحصانة .. ونحن مازلنا بمستوى الحضانة .
    5- هم يحرجوك باخلاقهم .. والعرب يجرحوك باخلاقهم .
    والمشكلة ضهرت في هذه الفترة كثرة الأحزاب والتيارات التي قسمت الناس إلى مجاميع واطياف وزرعو بين الناس الفتن والكره والعداء والبغضاء
    ( وكل حزب بما لديهم فرحون ) فقد قلبو الآية الكريمة ( تعاونو على البر والتقوى ولا تتعاون على الآثم والعدوان ) فكما نرى في هذه الفترة وخصوصاً الانتخابات كل جهة تقول وتبني الآمال الوهمية للناس وفي نهاية المطاف يرى الناس أنه كلام من الخيال وحبر على ورق ليس له مصداقية فلذلك تاخرنا وتراجعنا للوراء مقارنةً عن بقية الشعوب .
    وبارك الله بكاتب المقالة الشيخ إحسان ابن ثامر الكربلائي المحترم من لندن على كل ما يبذله من جهد لينقل رسالة ذات معنى ومفهوم لما نعيشه في واقعنا فله جزيل الشكر والاحترام ..

  11. كان هنالك ملك من الملوك في الزمن القديم وكان لديه أولاد اثنين فطلب الملك من وزيره أن يجلب له معلم كفؤ لكي يعلم أولاده فقد وقع الاختيار على شخص يسمى ابن السكيت وكان هذا الإنسان ابن السكيت من أهل المعرفة والحكمة فقد ابلغوه فذهب إلى قصر الملك اول يوم فسأل المعلم الخادم في القصر قال له متى يأتون أولاد الملك قال له الساعة العاشرة فقال له لا تفتح الباب لهم لغاية الساعة الثانية عشر وسأله أيضاً عندما تفتح لهم الباب اضرب كل واحد خمس وعشرون جلدة وسأله أيضاً عن موعد غدائهم قال الخادم موعد طعامهم الواحدة ظهراً فقال له المعلم لاتعطيهم الغداء لغاية الساعة الثالثة فكان هذا أول يوم حيث ذهبوا إلى أبيهم الملك يشتكون عن ماجرى بهم اول يوم فقال الملك أريد أن أرى المعلم فجأة ابن السكيت حيث سأله الملك انا اخترتك وطلبت منك أن تعلم أولادي أو أن تنتقم منهم فقال ابن السكيت اكيد أريد أن اعلمهم فقال الملك كيف ذالك اثبتلي فقال المعلم ابن السكيت عندما اخرتهم ساعتين في الباب لأن سيأتي يوم ويجلسو مكانك لأن المنصب سينتقل لهم لو دامت لغيرك لما وصلت لك لكي يشعرون بأن هناك ناس خلف الجدران والأبواب الخارجية لا أحد يشعر بمعناتهم وثانياً طلبت من الخادم ضربهم كل واحد عشرون جلدة لكي يعلمون أن في السجون ناس مجرمون وناس أبرياء لكي لا يعاقبو المذنب مع البريء بنفس العقوبة ويشعرو بقساوة الضرب والجلد وثالثا آخرت غدائهم ساعتين لكي يشعرون بلذة الجوع ويعرفو أن هناك ناس لايملكون رغيف خبز ليسد جوعهم فتعجب وانذهل الملك من ابن السكيت فقال انت انسان مربي وناجح فمثلك فليربي أبناء الملوك .. فهكذا نحتاج إلى ناس تجلس على كرسي الحكم من أهل المعرفة والحكمة والشعور بالآخرين لكي يعم العدل بين الناس ولايضلم أحد ونشر الثقافة والمحبة .

  12. بورك كاتب هذه المقالة الشيخ إحسان الكربلائي من لندن فقد بين جنابه الكريم أن الاختلاف كبير لأن شعوب الغرب دائماً في تطور وتقدم نحو الأمام من أجل الوصول إلى قمة التطور ونقل الرسالة من جيل إلى آخر ففي اليابان هنالك درس اسمه الأخلاق من ضمن المنهج الدراسي حيث أن الطالب من الصف الأول الابتدائي إلى إلى الثالث المتوسط لا يوجد لديهم رسوب لأن الهدف هو بناء الإنسان وتكوينه أهم شيء الأخلاق والتعامل مع الناس بطريقة صحيحة وعدم التفرقة بين الناس وخصوصاً عند الوصول واستلام المناصب لكي يكون التعامل مع الناس بإخلاص واحترام والاستماع لهم . لكن للأسف لانجد هذا في الشعوب العربية موجود حيث ما أن يصل الشخص إلى منصبه فتشغله مغريات الدنيا وينسى الناس .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left