تنتهي مرحلة تبدأ مرحلة وتظل إسرائيل على الحال نفسه

عماد شقور

May 12, 2018

تبادل اللّكمات بين إسرائيل وإيران، من وعلى الأراضي السورية، ليلة الأربعاء/الخميس، جاءت تتويجا لنشاط عسكري إسرائيلي، وتهديدات متبادلة، مبطّنة وصريحة بين الجانبين المعنيين. أول التهديدات المبطّنة، وأكثرها قربا من القول الصريح، كان إعلان إيران عن سقوط ضباط وجنود إيرانيين في الغارة الصاروخية الإسرائيلية الأولى، في مسلسل التصعيد الحالي، على قاعدة الـ»تي فور»، في بداية الشهر الماضي.
لكن ايران زادت التهديد المبطن وضوحا عندما حرصت على نشر صور واسماء شهدائها، وأقامت لهم جنازات حاشدة، لتقول بذلك ما معناه: لن تمر هذه الغارة الإسرائيلية بدون رد عسكري. لكنها كانت تمر على مدى الأسابيع القليلة الماضية، في مرحلة دقيقة من عدم اليقين، بخصوص حدث مهم هو انتظار اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب، عن خروج أمريكا رسميا من الاتفاق النووي مع إيران، بعد ثلاث سنوات فقط من إبرامه، في ما عرف تتويجا لمفاوضات 5+1، إضافة الى التريث لتمرير الانتخابات البرلمانية اللبنانية، تسهيلا لفوز حليفها الأقرب والأقوى في العالم العربي، وهو «حزب الله» اللبناني.
هذا التريث الايراني، أبقى اسرائيل في حالة توتر، والردود الإسرائيلية المعتادة، في مثل هذه الحالة، هي التصعيد العسكري، وتوجيه ضربات لا تستدعي فقط ردا عسكريا من الطرف المقابل (سواء كان فلسطينيا أو عربيا أو ايرانيا، أو حتى تركياً) بل تستجديه، لأنه يفتح لها باب تفعيل قوتها العسكرية، المستندة الى جدار أمريكي إسمنتي صلب، خاصة في ظل رئيس امريكي عصبي المزاج وغريب الأطوار، أصاب الكاتب روبرت فيسك، عندما قال عنه في مقاله في «الإندبندت» إنه «نسخة أمريكية من القذافي».
وصل التوتر في إسرائيل حد تنازل الكابينيت (الحكومة الاسرائيلية المصغّرة)، عن صلاحياتها في «اعلان الحرب»، لاثنين فقط، هما رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، «مُحراك الشّر» كما يقولون باللهجة الفلسطينية، ووزير دفاعها افيغدور ليبرمان، الذي تصح تسميته «النسخة الاسرائيلية من القذافي». وتبع ذلك اعلان فتح ملاجئ تحسُّبا لتطور تحضيرات إيرانية، لتوجيه ضربة انتقامية لمواقع عسكرية وأمنية إسرائيلية على أراض سورية محتلة هي الاخرى، هي هضبة الجولان. إنها صورة ساخرة سوداء، لما يشبه حربا داخلية، لكنها ليست حربا أهلية، رغم أن ضحاياها الأكثر هم أهل سوريا، إنها صورة ثوران يتناطحان ويتمرغان في حقل مزروع، لأرملة عجوز لا حول لها ولا قوة، ويتابع ابناؤها العاقّون وأقاربها الأقربون شامتين من بِكرهم حتى صغيرهم، «حفل» المصارعة الدموية هذا، بالتصفيق والتشجيع لهذا المتصارع أو ذاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لكن، إلى اين سينتهي هذا «الشوط» من الصراع؟ احتمال كبير ان يلعب القائد التاريخي، وربما الوحيد في زماننا هذا، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دور «العاقل المُتّزن»، الذي ينجح في تهدئة الشجار الناشب بين الصّبيّين، بضربة على «الحافر» يلحقها بضربة على «المسمار»، فيضمن الهدوء وبقاء التوتر، ويحصد ما تبقى من الزرع، وهو كثير، ويفوز بـ»حصة الأسد».
كل هذه التطورات، صغيرها وكبيرها، تهمُّنا كعرب، وتهمُّنا أكثر كفلسطينيين، ضحايا الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي، لكنها ليست الأساس ولا الجوهر، فانتصار إسرائيل في المواجهات الحالية مع إيران، لن تغير شيئاً جوهريا في كل ما يخص ما تعاني اسرائيل منه حقيقة. والأمر ذاته صحيح أيضا في ما لو خسرت إسرائيل وانهزمت في هذه المواجهة الدموية.
جوهر ما تعانيه إسرائيل، هو التمسك الفلسطيني الشعبي القاطع، والتمسك الرسمي الفلسطيني الكبير، بالحقوق الفلسطينية الطبيعية والمشروعة، كاملة، حتى لو سعوا ورضوا بتحقيق ذلك خطوة بعد خطوة، بدون أن يعني الأمر إزالة اسرائيل، وانما هزيمة اسرائيل في ما تستعمره من أرض وشعب، وهزيمة إسرائيل في ما تحتله، وهزيمة نظام التمييز والأبرتهايد الإسرائيلي اليهودي، وصولا إلى قيام دولة ديمقراطية حقيقية، يعيش ويتعايش فيها الجميع بمساواة واستقرار.
هذا الرفض الفلسطيني المطلق، جيلا بعد جيل، لمنطق الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي، يفرض على الإسرائيلي المحتل أن يولد في دبابة، ويكبر في دبابة، ويشيب في دبابة، ويموت في دبابة. احتفل الجيش الاسرائيلي مطلع هذا الاسبوع بالذكرى السبعين لإنشائه. تحدث في الاحتفال رئيس أركانه غادي آيزنكوط، ووزير الدفاع، ورئيس الحكومة، ورئيس دولة اسرائيل، رئوفين ريفلين، وهو المعتدل بين هؤلاء، بموجب المقياس الاسرائيلي، ورغم ذلك قال في كلمته: «جيل يخلف جيلا، لكن اللحن باق الى الأبد. بفضل جيش الدفاع الاسرائيلي نستطيع ان ننام بهدوء. وبفضله ندير حياتنا بشكل طبيعي حتى في أيام غير سهلة». هذا كلام أبعد ما يكون عن الحقيقة، لا ينام اسرائيلي عاقل واحد بهدوء، ولا وجود لحياة طبيعية في إسرائيل على الاطلاق، منذ إنشائها قبل سبعين سنة عجاف حتى الآن.
ارسل لي صديق قبل سنتين، في مثل هذه الايام، على عتبة ذكرى النكبة، ما نشره على صفحته في الفيسبوك، استأذنه في نشرها: «انا منكوب ابن منكوب، تزوجت منكوبة، ورزقت منها بثلاث منكوبات، وبناتي المنكوبات تزوجن من منكوبين، وصار لي مجموعة من الأحفاد المنكوبين.
نحن شعب الله المنكوب، ونكبتنا ليست بسبب زلزال أغادير، أو إعصار ساندي، أو وباء الكوليرا، أو قنبلة هيروشيما. نكبتنا خاصة بنا وحدنا، بدأت بتصادم تاريخي بين السماء والأرض، حين قرر شعب الله المختار أن «يتمختر» علينا، ويحط كالجراد على بلادنا، ويلتهم زرعنا، ويمص ضرعنا، ويقضم خبز بلادنا نتشة نتشة.
نكبتنا كتبها علينا الخواجة بلفور، الذي «بلف» بلادنا، وأعطاها وطنا مفروشا لعدونا.
اليوم صارت نكبتنا «ختيارة» نحتفل بعيد ميلادها الثامن والستين، في بلاد الشتات، ونحن نشهر مفاتيح بيوتنا في وجه هذا العالم الدجال. هرمنا وشاخت نكبتنا معنا، وما زال طفل منا سيولد بعد قليل، يقول في مستشفى الولادة إنه من صفورية في قضاء الناصرة.
نحن شعب الله المنكوب، الشعب الوحيد في الدنيا الذي ما يزال نصفه تحت الاحتلال، ونصفه الآخر في مخيمات اللاجئين. في عالم منافق، لا يكف عن التحدث عن حقوق الانسان. في صباح النكبة سألني حفيدي هنا في السويد آخر الأرض: شو يعني نكبة؟
قلت له: النكبة يا صغيري أن تأتي اليهودية راشيل زميلتك في المدرسة إلى غرفة نومك وتلبس بيجامتك وتنام في سريرك، وتسرق ألعابك، وأنت تنام في خيمة في الحديقة، وتقول لك كل يوم: هذا بيتي وأنت لا بيت لك.
قال حفيدي غاضبا: «بديش».
هذه «البديش» هي التي يقولها شعب الله المنكوب منذ 68 عاما، هي وحدها ما بقي لنا ولا يستطيع أحد ان يجعلها «بهمش».
اكرر مع هذه الرسالة/القطعة السياسية بامتياز: هذه الـ»بدّيش» الفلسطينية المطلقة، هي الصخرة التي تصلح لأن تكون القاعدة الصلبة التي تتحطم عليها آمال اسرائيل العنصرية في النوم بهدوء، وهي في الوقت ذاته القاعدة لانطلاق الفعل الفلسطيني الايجابي. وما لا تتعامل اسرائيل مع الظلم والطغيان الذي سببته وتسببه للشعب الفلسطيني، فإن كل انجازاتها وانتصاراتها العسكرية، لا تشكل قاعدة واساسا لاستقرارها، ولا عاملا كافيا لضمان مستقبلها.
*كاتب فلسطيني

تنتهي مرحلة تبدأ مرحلة وتظل إسرائيل على الحال نفسه

عماد شقور

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left