مونودراما «ماركس في سوهو»: الحي وأفكاره التي لا تموت

في الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس

محمد عبد الرحيم

May 12, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: «كنتُ أقرأ صحفكم … تذكر كلها أن أفكاري قد ماتت! لا جديد في هذا، ما فتئ أولئك المهرجون يرددون هذا منذ أكثر من مئة سنة. ألا تتساءلون ما الذي يجعل من إعلان موتي مراراً وتكراراً شيئاً ضرورياً بالنسبة لهم؟». (ماركس في سوهو).
تمر هذه الأيام ذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس (5 أيار/مايو 1818 ــ 14 اذار/مارس 1883). ومنذ البيان الشيوعي، وكتاب رأس المال، الذي لم يُنهه ماركس، لم يتوقف كهنة الماركسية من الشرح والتأويل والتحدث باسم الرجل، الذي أعلنها صراحة قائلاً (أنا لست ماركسياً). ولكن كلما تعاظمت الرأسمالية وغيّرت وجه العالم واستقرت إلى يقينها، يعود ماركس وأفكاره أكثر قوة وقدرة على تحليل وانتقاد ما يحدث. فاستدعاء الرجل خاصة وقت الأزمات التي تمر بها الشعوب، يؤكد على صلاحية أفكاره ورؤاه، والتي لطالما ظن الكثيرون أنها انتهت، أو أنها قاصرة على فترة زمنية محددة، وظروف مختلفة. فماذا لو عاد ماركس اليوم، ماذا سيرى؟ وماذا ستكون ردة فعله على ما يحدث، وعلى المتحدثين باسمه؟
ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الأعمال الفنية التي تتناول حياة كارل ماركس، سواء سينمائية أو مسرحية، بخلاف الأعمال التي تحاول سرد حياته في صيغة شبه توثيقية، بحيث يصبح الخيال فيها متمماً لبعض المواقف أو شارحاً لوجهة نظر المؤلف. هذه الأعمال التي حاولت قدر الإمكان رسم صورة لماركس أكثر إنسانية من محاولات التصنيم التي أرادها له كهنته، فهو يحب ويكره، يسخر ويغضب ويتألم. ومن هذه الأعمال يأتي العمل المسرحي «ماركس في سوهو» الذي كتبه الأمريكي هوارد زين عام 1999. وهو مونودراما يستحضر من خلالها المؤلف شخصية ماركس، ورؤيته للعالم اليوم، محاولاً تبرئة نفسه في المقام الأول من كل المشوهين لأفكاره، واستغلالها بما يتنافى تماماً مع عالم أكثر احتمالاً، لطالما حلم به. الأمر الآخر الذي تؤكده المسرحية هو مدى صلاحية هذه الأفكار، وهل ماتت فعلاً كما يروّج الكثيرون؟ أم أنهم الأكثر تأكيداً لاستمرارها دون أن يشعرون؟ فماركس الذي جاء دون الاكتفاء بتفسير العالم كسابقيه، بل محاولة تغييره لم يزل حياً.

جيني

أفرد النص مدى تأثير جيني زوجة ماركس على حياته وأفكاره، التي بدورها كانت تنتقد في حدة ما يقوم به، من كتابة ومواقف تجاه الآخرين. بل كانت تعيد صياغة أفكاره في لغة أكثر فهما وتواصلا مع الآخرين. فكانت تعلق على «رأس المال» بسبب صعوبته ومادته العلمية الجافة. هذا الكتاب الذي ينبغي أن يكون مفهوما من العامة والفقراء والعمال والمهمشين، الذين كرس ماركس حياته من أجلهم. مُذكّره إياه بالبيان الشيوعي وجملته الافتتاحية، التي عدّلت منها، قائلة «ثمّة شبح يجول فوق أوروبا». لتزيد من سخريتها قائلة إن الرقابة سمحت بطبع الكتاب لأنها أدركت بأن لا أحد يفهمه. يواصل ماركس حديثه عن جيني وتوتراتها التي لم تنته، وجمالها الذي يغيب، وفقدها أطفالها، وحياة الفقر والمرض التي عاشتها معه، رغم أصولها الأرستقراطية، وحياتها التي هجرتها من أجله. هنا يصبح ماركس مجرد إنسان يعاني بدوره، دون الصورة المعهودة التي تواترت، عاكسة القوة والقسوة والثقة المفرطة.

الانتقائية ونتائجها

«ستحدث الثورة ويستولي عليها متملقون وهم خارج السلطة، مستأسدون ومتبجحون عندما يملكونها. سيتكلمون باسم الطبقة العاملة، وسيفسرون أفكاري للعالم. سيقيمون كهنوتا جديداً، تراتبية جديدة، بما فيها من حرم كنسي وقوائم بالممنوعات، وبما فيها من محاكم تفتيش وفرق إعدام … سيشوهون حلمنا الجميل، وستلزم ثورة أخرى، وربما ثورتان أو ثلاثة لتنظيف ذلك كله. هذا ما أخشاه». هكذا تنبأ ماركس بالأمر، وقد كان. فهو يعرف جيداً مقدار التشويه الذي سيطول أفكاره، وسيحولها إلى سجن كبير لمخلوقات لطالما حلمت بإنسانية تليق بها. كتب هوارد نصه المسرحي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، المثال الحي على تشويه ماركس وأفكاره، فكانت النهاية المؤلمة لنظام انتقائي، لم يستطع الفكاك من مصيره المحتوم .. «يدّعو أن الشيوعية قد ماتت بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي. أيعرف أولئك الحمقى ما هي الشيوعية؟ أيظنون ان نظاماً يدييره سفاح يقتل رفاقه الثوريين هو الشيوعية!».

ما بين الأمس واليوم

لا يفرّق ماركس ما بين سوهو إنكلترا، وسوهو نيويورك، التي من حُسن حظه أن أتى إليها، وطالما أراد زيارتها. وهل تغيرت الرأسمالية اليوم عما عاشه وانتقده؟ «يقولون إن الرسمالية صارت أكثر إنسانية مما كانت في زماني. أحق هذا؟ منذ سنوات قليلة وهذا ما جاء في الصحف. كان مالكو أحد مصانع المعلبات يقفلون الأبواب على عملاتهم في كارولاينا الشمالية. لماذا؟ ليحققوا أرباحاً أكبر. شب حريق، وعلقت خمس وعشرون عاملة. ومتن حرقاً». فهل هناك من فارق! الأمر لا يقتصر على مصانع مغلقة على عمالها، ولكن الحياة نفسها صارت أكثر قسوة مما كان يعيشها ماركس، رغم مظاهر التقدم الهش .. «وأنا قادم اليوم، مشيت في شوارع مدينتكم التي غزتها القاذورات حتى أصبحت رائحة الهواء كريهة خانقة. مررت بمحاذاة أجساد رجال ونساء مرمية في العراء على طول الأرصفة، ينامون الواحد فوق الآخر اتقاء للبرد القارس. وتسمون هذا تقدما! هل التقدم أن تكون لكم سيارات وهواتف خلوية وطائرات وآلاف العطور لتطييب رائحتكم؟ وهؤلاء الذين يعيشون في الشوارع! هل فكّر أحد في مصيرهم؟ لقد حققتم معجزات في مجال التكنولوجيا، أرسلتم بشراً إلى سطح القمر، ولكن ماذا أصبح هؤلاء الذين بقوا هنا على الأرض؟

العودة

تم التصريح لماركس بأن يعود للأرض في ما يُقارب الساعة، دون دعوة لإثارة الشغب أو المشكلات التي تعوّد فعلها أينما حل، ففي العالم الآخر تتحكم البيروقراطية أيضاً. هذه السخرية المستقاة من شخصية ماركس نفسه هي الحاكمة للنص ككل. وما ظروف العالم وما يفعله قادته إلا تحريضاً بعودة ماركس، لمحاكمة نفسه أولاً دونما خجل، ومحاكمة الآخرين في قسوة يعرفها جيداً، ربما ساعة من الزمن وفق حساباتنا جديرة بتأمل أفكار الرجل وإعادة لنظر إليها دونما كهنة وتأويل، لأفكار وكتابات إنسانية لم تدّع سقوط من سماء أو تهويمات وأساطير منحولة، اتخذت قداستها من تواتر أصّله تواطؤ محسوب. ليختتم العائد وفق مشيئته زيارته بهذه العبارات «أعطوا الناس ما هم بحاجة إليه، الطعام والدواء والهواء النظيف والماء النقي، أعطوهم أشجاراً وعشباً، أعطوهم بيوتا تسر نفوسهم بالعيش فيها، أعطوهم بضع ساعات للعمل وساعات أكثر للفراغ، لا تسألوا عمن يستحق ذلك. كل كائن بشري يستحق هذا الأمر. هل كرهتم عودتي وإزعاجي لكم؟ انظروا للأمر بهذه الطريقة، إنه العود الثاني. لم يستطع المسيح فعله، لذلك عاد ماركس».

مونودراما «ماركس في سوهو»: الحي وأفكاره التي لا تموت
في الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس
محمد عبد الرحيم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left