مسرحية شكسبير «تيمون الأثيني» بين الحقيقة والخيال

من مطاوي التاريخ الأدبي

عبد الواحد لؤلؤة

May 12, 2018

مسرحية شكسبير «تيمون الأثيني» تثير أسئلة عديدة عن سبب اختيار شاعر أو مسرحي أو أديب، عموما، لموضوع يكتب فيه. أهو ما يختزنه من معين ثقافي، يقوم على قراءات أو دراسات بعينها، أم هو المحيط السياسي أو الديني، أو الاقتصادي هو ما يدفع الكاتب إلى اختيار موضوع بعينه، فيتناوله بخياله، تحويراً أو تشذيبا، تحسيناً أو إنكاراً؟ قد يبدو هذا التساؤل غريراً. ولكن مسرحية «روميو وجولييت» قد لا يكون لها مثال في الواقع مثل العلاقة بين أنتونيو الرومي وكليوباترا المصرية، غير أن موهبة شكسبير المسرحية جعلت من الحالتين عملاً مسرحياً رائداً، وجعلت من روميو وجولييت مثلاً أعلى في علاقة الحب «الراقية» كما جعلت من أنتونيو وكليوباترا مثالاً من الحب «المرذول». وفي الحالين يعتمد الرأي على نفسية القارئ وموقفه من البشر والحياة، والعلاقات الإنسانية.
وفي «تيمون الأثيني» مِهاد ثقافي يعود إلى ثقافة الإغريق القديمة. والمصدر الأساس محاورة فلسفية من عمل لوقيان الشاموشطي، الفيلسوف الأديب السوري من القرن الثاني الميلادي، الذي نشأ في شاموشطة وهي مدينة في أعالي الفرات، كانت عاصمة الكوماجيين.. ديار بكر اليوم، التي يتكلم أهلها السريانية، المشتقة من الآرامية، أولى اللغات السامية، لغة السيد المسيح. وما زالت الآرامية متداولة في منطقة نائية من جبال سوريا. لكن لوقيانوس أتقن اليونانية وهي لغة الثقافة في عصره وتفوّق في ضروب الفلسفة الإغريقية والسوفسطائية بخاصة. كانت شاموشطّة كما يرى العارفون باللغة السريانية تعني «شام الشط» أي بلاد الشام على الشط (الفرات). وقد خلف لوقيانوس اثنين وثمانين عملاً منها «محاورة تيمون الأثيني» التي نقلت في العصور اللاحقة إلى عدد من اللغات الأوروبية منها الإنكليزية. ولا ندري على وجه الدقة إن كان شكسبير قد اطّلع على الترجمة الإنكليزية، أم أنه كان يستمع إلى رواية عنها، كما كان يستمع إلى روايات عن بلاد المشرق فيطوِّعها لموهبته المسرحية ويصنع منها عملاً قائماً بحد ذاته، تتردد فيه أصداء من النص الإغريقي أو غير ذلك من النصوص.
لسنا ندري، ولم يتحدث المؤرخون ولا الباحثون في مسرحيات شكسبير، عن وجود شخص بمواصفات تيمون الأثيني في حدود زمان المسرحي، كما كان، مثلاً، صورة المرابي الشره شايلوك، الذي قامت عليه مسرحية «تاجر البندقية». ولكن الجو المسيحي، بل الكاثوليكي، في عهد الملكة اليزابيث الأولى (1558 ـ 1603) كان عدائيا تجاه اليهود، وخاصة المرابين الجشعين الذين يصوِّر شيلوخ البندقية مثالهم في المسرحية، التي ينتصر فيها «الحب المسيحي» على الحقد اليهودي.
ولكن غياب مثال تيمون في محيط شكسبير وثقافته يجعل التساؤل ليس بالغرير، بل المُلحِف في طلب الجواب. محاورة لوقيانوس الشاموشطي باليونانية عنوانها «تيمون عدو المجتمع». وتيمون رجل من أهل أثينا كان بالغ الغنى، لكنه كان يتصف بالحماقة والشطط وسرعة تصديق المنافقين المحيطين به طلباً في نوال، ولا يلبثون أن يتخلوا عن الرجل إذا غدا ليس ذا مالٍ لإفراطه في الكرم وإغداق الأموال على المتسلقين والمادحين الزائفين. والمحاورة تقدم زيوس كبير الآلهة الإغريقية وهرمس رسول الآلهةـ وبلوتوس الذي يحمل طلبات زيوس إلى البشر، وهو أعمى وأعرج، يرفض تبليغ رسالة زيوس إلى تيمون الذي رفض الثروة وبددها بالعطايا لأناس زائفين. يدخل الأعمى الأعرج حامل الثروة إلى بيوت الخبثاء وتدخل مع ثروته الكبرياء والجنون والتبجّح. هؤلاء هم الحاكمون في البلاد وهذه هي صفاتهم. كم من هذه الأوصاف استهوى المسرحي في عصر اليزابيث الزاهر؟ وهل كان في عصره مثال تيمون كما كان من مثال شيلوخ؟ هذه أسئلة لم يتناولها الباحثون. ولكن صورة أثينا ومجتمعها العريق قد أستهوت المسرحي فأبدع عملاً هو أشبه بالتعليم بالأمثال، في الإطار المسيحي، لكنه يخلو من نبرة الوعظ والإرشاد.
تبدأ المسرحية بعدد من المتملقين يقصدون الرجل بالغ الغنى، منهم الرسام والشاعر والجوهري والتاجر، وكلٌّ يحمل بضاعته تقدمةً للنبيل تيمون الذي يغرقهم بالعطايا. وتستمر حماقات الغني الأهوج ولا يكبح جماحَ طيشه أيُّ تحذير من كبير الخدم ولا من أي صديق مخلص ويستمر تيمون في عطاياه الحمقاء إلى أن يضطر للاقتناع أنه أفلس تماماً، فيبدأ بأرسال خدمه إلى النبلاء الذين نعموا بكرمه طويلاً، يطلب منهم مبالغ متواضعة لكنهم يعرضون عنه، الواحد بعد الآخر، مما يثير غضب تيمون الذي لا يصدِّق أن البشر قد انحدر إلى مثل ذلك السوء من التنكّر للمعروف والجحود الشنيع.
وتستمر صور التنكّر للفضل يعرضها رجال ونساء من أصحاب تيمون وآخرون طارئون على المشهد، مما يزيد من مرارة الشعور بالخيبة عند نبيل الأمس الذي كان ضحية كرم أحمق طوال حياته، ولم ينفع معه نُصح ولا إرشاد.
وقد أدّى ذلك الجحود من جانب المحيطين بالرجل النبيل، وهم المقطع العرضي للمجتمع الأثيني، وأي مجتمع في نظر المسرحي، إلى أن ينقلب تيمون إلى عدوّ المجتمع، وكاره البشر جميعا. فيعتزل الحياة في أثينا الحضارة وينقلب إلى الفلاة، يعمل في حراثة الأرض وعليه دثار من جلد معزى، يرفض مقابلة أحد، وينهال على من يقترب منه بأنواع الشتائم والإهانات، لمحض كونهم «بشر» وينتهي به الأمر إلى طلب الموت خلاصاً من حياة لم يَنعم بها بأقل مردود عن كرمه البالغ ودعمه المحتاجين، بمن فيهم مجلس شيوخ أثينا نفسه. هذا التطرف في السلوك الحاقد من أفراد المجتمع المحيطين بنبيل يقصد الخير والمساعدة للمحتاجين دفع إلى سلوك معادل في التطرف من جانب النبيل تيمون الذي يتحوّل تحت ضغط ما يحيط به من جحود إلى كاره بشر يتفنّن في الانتقام من البشر. ففي الفصل الرابع يبدأ بصب نقمته على مدينته نفسها وهو في سبيل مغادرتها، فيخاطب المدينة: «دعني ألقي نظرة أخرى عليك، ياسوراً/ يطوّق تلك الذئاب، غُص في الأرض/ ولا تُسوِّر أثينا! ياعقيلات انقلبن فاجرات!/ ياطاعة الأبناء اخفقن! ياعبيداً ومجانين/ اقتلعوا شيوخاً غضّنهم الوقار من مقاعد السلطة/ استوزروا بدلاً منهم إلى قذرات مبتذلات/ إنقلبن في الحال يا عذارى كاعبات!
وفي الفصل الخامس والأخير يستمر الهجوم الحانق على منافقي الأمس الذين جاءوا يبحثون عن تيمون في شتاته: هم شخصيات الفصل الأول: الشاعر والرسام فيطردهما «تيمون» مع وابل من الإهانات. ثم يدخل بعض الشيوخ من مجلس المدينة، فيتناولهم تيمون بمزيد من الإهانات والطرد. ثم يتحدث جنود جاءوا وسط الغابات يبحثون عن قبر تيمون بعد أن سمعوا بموته، إذ سبق أن أعلن انه سيحفر قبرا له بجانب البحر. فلما وجدوا القبر قرأوا عليه بيتين من الشعر:
«تيمون قد مات هو الذي قد جاوز الزمان
ليقرأنّ بعضُ الوحش هذا: ليس في الوجود من إنسان.
أي حَنق على البشرية هذا؟ وكيف يصدر هذا التصرف على لسان شكسبير من خلال تيمون كاره البشر؟ وشكسبير كان يشير إليه معاصروه بعبارة «جِنتل ماستر شكسبير» أي: السيد شكسبير اللطيف، أو النبيل أو الكريم، أو ما شِئتَ من نعوت. وكيف لنا الوصول إلى مطاوي الذهن البشري في تعرّضه للأنواء الجوية والثقافية وما تخلّف عنها مما لا تتعرّض له سوى فنون الكتابة، بقليل من الأمل؟

مسرحية شكسبير «تيمون الأثيني» بين الحقيقة والخيال
من مطاوي التاريخ الأدبي
عبد الواحد لؤلؤة
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left