موطن الأباطرة الذي ألهم حضارات المتوسط

لبدة الليبية الصامدة في وجه الإرهاب

روعة قاسم

May 12, 2018

لبدة الكبرى هي واحدة من أهم المدن التاريخية لما يسمى اليوم دولة ليبيا إن لم تكن أهمها على الإطلاق باعتبارها موطن الإمبراطور الروماني الافريقي سبتيموس سيفيروس الذي حكم الامبراطورية الرومانية من سنة 193 إلى سنة 211. كما أنها المدينة التي شهدت مختلف الحضارات التي تعاقبت على الشمال الغربي للقارة الإفريقية وتحديدا افريكا التي تضم تونس اليوم بالإضافة إلى الغرب الليبي وشرق الجزائر والتي أطلق عليها العرب تسمية افريقيا ومنها اشتق اسم القارة افريقيا.
فما بين لبدة وقرطاج أكثر من رابط وأكثر من وجه شبه، الأمر الذي جعل كثيرا من المؤرخين يتحدثون على أن الحدود الحالية القائمة في المنطقة لا تعكس حقيقة التاريخ والروابط الاثنية والقبلية القائمة في المنطقة. فهي حدود وهمية من صنع الاستعمار لم يراع عند إنجازها هذه الحقائق والتي من أهمها أن تونس والغرب الليبي وحدة كان من المفروض ان لا تتجزأ.

جذور فينيقية

لعل أهم ما يجمع بين قرطاج ولبدة هو أن كلاهما من تأسيس الفينيقيين القادمين من مدينة صور في سواحل بلاد الشام، وإن تأخر تأسيس لبدة قليلا عن قرطاج إلى حدود القرن السابع قبل ميلاد المسيح. سماها الفينيقيون والقرطاجيون لاحقا لبقي وسماها الإغريق لبتس ماغنا أي لبدة الكبرى، وتصارع عليها الطرفان (الإغريق والقرطاجيون) لتنتهي في يد القرطاجيين ذوي الأصول الفينيقية الكنعانية ذاتها بعد أن كبرت قرطاج كثيرا ونمت وازدهرت واستقلت بذاتها عن صور وصارت إمبراطورية ضمت إليها مدن الشمال الافريقي الفينيقية ومنها لبدة.
ولم تخضع لبدة إلى قرطاج إلا بعد حرب شعواء خاضتها الجيوش القرطاجية ضد الإغريق الذين لم يتمكنوا بفضل قرطاج من تجاوز خليج سرت واقتصرت سيطرتهم على الشرق الليبي والسواحل المتوسطية لمصر. وتحدث اللبديون لغة قرطاج أي اللغة البونية، وهي خليط بين اللغتين الفينيقية والأمازيغية ظهرت نتيجة لاندماج القوميتين في قرطاج وسائر المدن الفينيقية غرب المتوسط حتى أنه يروى أن الإمبراطور الروماني الافريقي سبتيموس سيفيروس أصيل مدينة لبدة حين زارته شقيقته في روما بعد أن تم تنصيبه إمبراطورا تحدث معها باللغة البونية، أي لغة قرطاج التي أنهى الرومان سيطرتها لقرون على المتوسط، والتي تشبه إلى حد كبير لهجتي تونس وليبيا وشرق الجزائر اليوم، فهي الجذر الذي خرجت منه هذه اللهجات التي أضيفت إليها اللغة العربية السامية. فالاختلاط الذي حصل بين الفينيقيين والأمازيغ في شمال افريقيا قد يوجد له مثيل في أي مكان في هذا العالم، حيث اندمج الشعبان دون غزو ودون إراقة دماء وجمعت بينهما في الأساس التجارة والبحث المستمر عن الربح. فاللبديون كانوا في طليعة القيادات العسكرية في جيش القائد القرطاجي حنبعل/ هنيبعل حين عبر جبال الآلب غازيا روما ومحاصرا لها لعشر سنوات، أمن خلالها القرطاجيون سواء في قرطاج نفسها (تونس) أو في لبدة أو سائر المدن القرطاجية شر الرومان ومارسوا نشاطهم التجاري في أفضل الظروف.
وكان اللبديون أيضا في الصفوف الأولى للجيش القرطاجي وهو يحمي ممتلكات صور في بلاد الشام من غزوات الفرس وأبدى اللبديون براعة فائقة في القتال واحتلوا أعلى المراتب في الدولة في قرطاج. كما كان حضور أبناء المدينة لافتا في برلمان قرطاج ومؤسسات الحكم فيها وفي الحركتين العلمية والفكرية اللذين عرفتهما وفي الاقتصاد أيضا باعتبار توفرها على واحد من أهم الموانئ التي اعتمد عليها القرطاجيون في تجارتهم الخارجية التي كانت مصدر ثروتهم.

افريكا الرومانية

ومع سقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد على يد الرومان بعد قرون من المجد، وبعد غدر ماسينيسا ملك النوميديين بها خدمة لروما، ألحقت لبدة بالإمبراطورية الرومانية بعد أن كانت إدارتها ممنوحة للنوميديين من قبل الرومان أثناء الحرب البونية الثالثة (الحرب بين قرطاج وروما). وأصبحت لبدة جزءا من مقاطعة افريكا الرومانية التي تضم تونس وغرب ليبيا وجزءا من شرق الجزائر وعاصمة هذه المقاطعة هي مدينة قرطاج التي أعاد الرومان بناءها بعد أن أحرقها القائد الروماني سيبيون.
ورأي البعض أن صعود ابن لبدة الافريقي سبتيموس سيفيروس إلى أعلى هرم السلطة في الإمبراطورية الرومانية هو رد اعتبار لما ألحقه القائد الروماني سيبيون بقرطاج من دمار يفوق في قوته محاصرة حنبعل قرطاج للرومان في عقر دارهم أي مدينة روما قبل قرون خلت.
ولعل نجاح سبتيموس سيفيروس في لبدة كزعيم محلي هو الذي بوأه ليكون إمبراطورا على روما ساعده في ذلك نسبه باعتبار انتمائه لواحدة من أعرق عائلات لبدة. ومن بين ما يحسب له في المدينة اهتمامه بعمارتها وتحسينه للظروف المعيشية لسكانها وتشجيعه على طلب العلم والمعرفة. كما أنه أعاد للمدينة استقرارها بعد طرده للغزاة، فحاز على شعبية واحدة ليس في لبدة فقط بل في مقاطعة افريكا الرومانية وسائر الإمبراطورية.
وللإشارة فإن لبدة لم تخضع للرومان بالقوة وإنما إراديا بعد أن استغل النوميديون في الأوراس حروب القرطاجيين مع الرومان في القرن الثاني قبل الميلاد لقضم ممتلكات قرطاج ومنها لبدة وفرض الجزية عليها. لذلك قامت لبدة بطلب صداقة روما لعلها توقف عنها عربدة النوميديين فاستجاب الرومان ومكنوا المدينة من العتاد والجنود بداية ثم قاموا بضمها نهائيا إلى الإمبراطورية الناشئة وذلك سنة 42 قبل الميلاد.
ومع انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية ورث الروم الشرقيون في القسطنطينية أي البيزنطيون ممتلكات روما فخضعت لهم لبدة شأنها شأن أغلب مدن الشمال الافريقي الواقعة غرب المتوسط. ومع الفتح الإسلامي تحولت لبدة إلى منطقة أثرية أو «خرائب» على حد تعبير بعض المؤرخين العرب شأنها شأن قرطاج. فالدارج عند القادمين من جزيرة العرب أن هذه المدن عبدت فيها الأصنام ولاحقا المسيحية وتفتقد في رأيهم إلى الطهارة ووجب هجرها وتأسيس مدن أخرى إلى جانبها كما مدينة تونس التي أسسها العرب الفاتحون قرب قرطاج.
وظهرت في العهد العثماني قرب لبدة مدينة الخمس التي سرعان ما كبرت ونمت وازدهرت وأصبحت هي الأصل، بينما لبدة بآثارها باتت إحدى ضواحيها ومزاراتها الأثرية. فالحاضرة التاريخية لا تبعد عن الحاضرة الجديدة سوى كيلومترات ثلاثة، فهي وريثة أمجادها بامتياز، وكلا المدينتين لا تبعدان عن العاصمة الليبية طرابلس سوى 120 كيلومترا.

لبدة اليوم

هي مدينة أثرية ليبية صنفتها يونسكو ضمن قائمة مواقع التراث العالمي منذ سنة 1982 ومثل أغلب المدن الأثرية الليبية، تعاني من الإهمال من قبل السلطات الليبية خصوصا بعد 2011. وعندما سيطرت الجماعات التكفيرية على بعض المناطق في ليبيا كانت لبدة من أكثر المواقع التي خشي عليها الليبيون وغيرهم من الإتلاف كما حصل من تدمير لبعض آثار العراق وسوريا على يد هذه الجماعات. وإلى اليوم لم تقم ليبيا بالترويج السياحي لمدنها الأثرية، وبقيت مجهولة لدى فئة من السياح الذين تستهويهم آثار الأولين وما أبدعته أياديهم من عمارة. ففي لبدة كنوز أثرية قد لا يوجد لها مثيل في أي مكان من العالم وهي تستحق الاكتشاف والزيارة، وتستحق أيضا العناية الصيانة وتطوير البنى التحتية اللائقة لتشجيع السياح على القدوم.
فزوار لبدة اليوم هم من الساكنة المحلية بعد ان انقطع قدوم الزوار الأجانب مع حالة الفوضى التي عاشتها ليبيا في السنوات القليلة الأخيرة بعد سيطرة الميليشيات المسلحة على البلد. لذلك لا بد من استتباب الأمن أولا حتى تعود ثقة الزائر الأجنبي في ليبيا.
ومن أهم معالم لبدة الأثرية يمكن ذكر الساحة السويرية (نسبة إلى الإمبراطور سبتيموس سيفيروس إبن المدينة) والإيوان السويري أو البازيلكا والشارع المعمد ونبع الحوريات، وقوس النصر لسبتيموس سفيروس وأيضا المنارة، بالإضافة إلى السوق البوني نسبة إلى قرطاج البونية. كما يوجد فيها المسرح الروماني الذي بني السنة الأولى قبل الميلاد وهو أشهر معالم المدينة إضافة إلى حمامات الإمبراطور أدريانوس ومعالم أخرى يصعب تعدادها.
وفي هذا الإطار يعتبر حسن الترهوني الباحث الليبي في التاريخ القديم لـ «القدس العربي» أن المعالم الأثرية التي تعود إلى العصور القديمة في ليبيا لا تحصى ولا تعد، لكن لمعالم لبدة مميزات خاصة. ففي مدينة الإمبراطور سيفيروس، معالم تهم أغلب حضارات المتوسط، ففيها الآثار الفينيقية والإغريقية والقرطاجية والرومانية والبيزنطية وهذا لا يوجد في كل المدن.
ويضيف قائلا: «كما أن من مميزات لبدة أنها أنجبت إمبراطورا حكم روما وما تبعها في وقت كان يصعب فيه بل يستحيل على الافارقة أو أبناء منطقة جنوب المتوسط أن ينالوا هذا المنصب. إذ شئنا أم أبينا كان الساحل المتوسطي الجنوبي الغربي محسوبا على القرطاجيين أعداء روما الذين أذاقوها الويلات وحاصروها لعقد من الزمان ثم انهزموا أمامها.
فمن سبتيموس سيفيروس استمدت لبدة الرومانية أهميتها وهي المدينة التي أسسها الفينيقيون وآلت إلى ورثتهم القرطاجيين بعد صراع مرير مع الإغريق. حتى أن هناك مقولات تفيد أن لبدة هي سيفيروس وسيفيروس هو لبدة فلولاها لما كان هو، ولولاه لما كانت هي بتلك العظمة باعتبارها مسقط رأسه.
إن آثار المدينة وتاريخها في حاجة إلى مزيد التعريف خاصة وأنها صمدت رغم الزمن ورغم الظروف الطبيعية والمناخية الصعبة، إذ يصعب أن يرى المرء مدينة قديمة أثرية مكتملة مثلها. وبالتالي وجب إنشاء مسلك سياسي خاص بها وحدها يعرف بمعالمها وبمختلف الحقب التي مرت بها وهذا طبعا يتطلب استقرار ليبيا أولا واستتباب الأمن فيها ورغبة في إنشاء تنمية اقتصادية حقيقية بعيدا عن البترول الذي سينفد إن عاجلا أم آجلا».

موطن الأباطرة الذي ألهم حضارات المتوسط
لبدة الليبية الصامدة في وجه الإرهاب
روعة قاسم
- -

1 COMMENT

  1. يعد تاريخ ليبيا تاريخا مجهولا عند الكثيرين و الحقيقة ان هذا البلد لم ينل حظه
    -
    من الاهتمام و التعريف و السبب يعود للنظام السابق الذي اضاع الحاضر كما الماضي
    -
    ليست فقط لبدة هي ما يذهل الزائر لليبيا الشقيقة فهناك شحات و صبراطة وغيرها من المآثر
    -
    تحياتي لحي الرياضية و جسر الفروسية و مقهى الثرات الشعبي بطرابلس

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left