أي مستقبل ينتظر النازحين السوريين بعد تبدّل المعادلة السياسية في لبنان؟

تخوّف «حزب الله» من تحوّلهم إلى قنبلة موقوتة تستهدف بيئته الشيعية

رلى موفّق

May 12, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: دخول لبنان مرحلة جديدة بعد الانتخابات النيابية التي جرت في السادس من أيار/مايو، مع تعزّز وضع حلفاء النظام السوري بوصول رموز محسوبة عليه، ولا سيما في الوسط السنيّ إلى قبّة البرلمان، وحصول «حزب الله» على كتلة وازنة «مُعطِلة» بغلاف ديمقراطي وليس بالسلاح وفائض قوته، سينعكس بلا شك على كثير من الملفات الخلافية.
أوّل الملفات المرشحة للبحث هو ملف النزوح السوري، الأكثر حساسية وتعقيداً، بفعل الانقسام اللبناني حوله ومحاولات كل طرف من الأطراف توظيفه سياسياً. الخطورة تكمن في أن طرح هذه المسألة يعتريه في كل مرة بعدٌ تحريضي عنصري مقيت يُعرّض السلم الأمني والاجتماعي للخطر، ويُهدّد الاستقرار الداخلي.
الاختلاف، في حقيقة الأمر، لا ينطلق من تداعيات نزوح أكثر من مليوني سوري إلى لبنان منذ «عسكرة الثورة السورية» وبدء عمليات التهجير، فلا خلاف على أن عبء النزوح كبير على لبنان، ولا سيما لجهة تأثيره على البنى التحتية التي تُعاني أصلاً من الخلل، فإذا بالأزمة السورية تفاقمه أضعافاً، سواء في ما خص شبكة الطرق والكهرباء والمدارس الرسمية، فضلاً عن تأثيراته الاجتماعية والاقتصادية لجهة اليد العاملة والمضاربات غير المشروعة التي دخلت سوق العمل وارتفاع الأسعار بمجملها في ما خص المسكن والمشرب.
أرقام النازحين انخفضت إلى ما دون المليون، لكن العدد لا يزال كبيراً قياساً على قدرة لبنان في تحمّل الأعباء، غير أن جذور المشكلة تكمن في هاجس «التغيير الديموغرافي» للبلاد من بوابة «التوطين». هو قلق مسيحي، أولاً، يُضاف إلى القلق من توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بضغوط دولية، في ظل العجز عن صون قرار حق العودة. فالنازحون السوريون، في غالبيتهم، هم من محافظات سنية سُوّي الكثير من قُراها ومدنها بالأرض، بعدما ثارت على النظام، وأضحت في قبضته مجدداً وقبضة الميليشيات الشيعية على غرار حمص والمناطق الحدودية مع لبنان، إذ تحوّلت إلى مناطق نفوذ لـ «حزب الله» وإيران، حيث يتم استقدام عائلات شيعية وتوطينها في تلك البقعة في إطار المشروع الأكبر الرامي إلى تغيير ديموغرافيتها.
هذا القلق المسيحي يتم توظيفه في خدمة المصالح السياسية، وشدّ العصب عند الحاجة من دون احتساب النتائج المترتبة على الخطاب العنصري الذي يُستخدم. الموقف المسيحي لا يقتصر على «التيار الوطني الحر» – حزب رئيس الجمهورية، بل يتعداه إلى قوى أخرى ترفع من لهجة خطابها في سياق الحسابات والمزايدات المسيحية – المسيحية، لكنه يبقى الجهة الأبرز في توظيف هذا الملف.
«قنبلة موقوتة»

أما على المقلب الآخر، فإن الحسابات تأخذ منحى إضافياً. «حزب الله» وحلفاؤه ينظرون إلى النزوح السوري على أنه «قنبلة موقوتة» سياسياً وأمنياً واجتماعياً. ويتوجّسون من بقاء هذا الكمّ من النازحين السوريين، الذين يمكن في أي لحظة أن يتحولوا إلى عامل زعزعة للاستقرار الداخلي. يُدرك «الحزب» أن البيئة الشيعية ستكون مستهدفة بشكل أساسي إذا تم استخدام هذه الكتلة في وجهه، لا سيما وأنها كتلة بشرية معبّأة ضده، وهي التي تم تهجيرها على يد ميليشياته بعدما انخرط في الحرب السورية. ويُدرك تالياً أن الاستقرار الذي تنعم به الساحة الداخلية يعود إلى قرار إقليمي – دولي أكثر مما هو نتيجة قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الأمور، من دون التقليل من الدور الذي تقوم به تلك الأجهزة، التي تُجنّد نفسها على اختلاف انتماءاتها لملاحقة ومتابعة السوريين، من زاوية ملاحقة التنظيمات المتطرّفة وتلك المصنّفة إرهابية التي تشكل الغطاء الناجع في التضييق على النازحين. غير أن ثمة أهدافاً أخرى لدى حلفاء سوريا من إدراج ملف النزوح في سلم أولوية الحكومة العتيدة، ذلك أن «حزب الله» وحلفاءه حاولوا في الحكومة الحريرية الأولى الدخول من باب أزمة النزوح لعودة إحياء العلاقات اللبنانية – السورية على المستوى السياسي الرسمي، تعزيزاً لموقع محور سوريا – إيران في المواجهة المفتوحة مع محور أمريكا – دول الاعتدال العربي. وهم كانوا يتكئون على موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزرائه من أجل الدفع في هذا الاتجاه، خصوصاً أن موقف تيار عون السياسي يتماهى مع النظام السوري ويعتبره شرعياً، لا بل أن الرئيس السوري أرسل بُعيد انتخاب رئيس الجمهورية موفداً من قبله إلى قصر بعبدا للتهنئة. ما كان ذلك ليحصل لو لم يكن هذا المحور سجّل انتصاراً بانتخاب عون.

زيارات دمشق الملتبسة!

لكن رغبة عون وتياره، بعد التسوية السياسية مع زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري، في عدم إحراجه بانتزاع قرار من الحكومة يُفضي إلى عودة العلاقات من بابها الواسع، أدت إلى «فرملة» اندفاعة قوى «الثامن من آذار» في هذا الاتجاه، رغم أن هذا الفريق استمر في زياراته إلى دمشق للمشاركة في نشاطات هناك ومنها «معرض دمشق الدولي»، إنما جرى النظر إلى هذا الموضوع على أنه مشاركة شخصية وليس رسمية، وإن كان الزائر وزيراً في الحكومة.
ومع أزمة الحريري في الرياض، واتجاه شركاء التسوية لعدم ممارسة أي ضغوط عليه، طوي مؤقتاً ملف إعادة قنوات الاتصال الرسمي بين البلدين من بوابة أزمة النزوح، فيما كان رئيس الحكومة قد استحدث وزارة دولة «لمتابعة شؤون النازحين» عند توليه تأليف الحكومة، وذلك بهدف تأمين «مركزية تخطيط» لكيفية التعامل مع أزمة النزوح، من خلال وضع خطة متكاملة للحاجات الملحة والمتوسطة المدى وسبل جبه التحدّيات الناشئة عن العجز الحاصل وعدم قدرة الدولة على سدّ النقص.
جاء مؤتمر «بروكسل 2 لدعم سوريا والمنطقة»، الخاص باللاجئين السوريين والذي استضافته العاصمة البلجيكية في 24 و25 نيسان/إبريل الماضي سعياً لجمع ما يزيد على ستة مليارات دولار، ليثير موجة سجالات في الوسط السياسي اللبناني، على خلفية البند «16» في البيان الختامي الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي تضمّن أن «المشاركين اتفقوا على أن الظروف الراهنة لا تساعد على العودة الطوعية للوطن بأمان وكرامة، وأنه لا تزال هناك مخاطر. فظروف العودة كما تحددها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووفقاً لمعايير قانون اللاجئين الدولية لم تتحقق بعد، إذ يجب أن تتم أي عملية منظمة للعودة بطوعية وأمان وكرامة». كما أثارت عبارة و «الانخراط في سوق العمل» و»إعادة توطين» الواردة في البند «20» نقزة في أوساط اللبنانيين الذين تقضّ مضاجعهم هذه العبارة، والذين يتساءلون عن مصير نحو مليون نازح سوري في لبنان إذا كان الأمر مرهوناً بطوعية العودة و «إرادة البقاء» حيث هُم.

بروكسل وتأجيج الصراع

ما خرج به المؤتمر من قرارات، والتي وُصفت من قبل بعض القوى اللبنانية بالملتبسة والغامضة، شكّل «فرصة ثمينة» لإعادة إثارة مخاطر ملف النزوح والحاجة إلى معالجته مباشرة بين الحكومتين السورية واللبنانية بمعزل عن التوجهات الدولية. غمز رئيس الجمهورية من قناة الوفد اللبناني إلى المؤتمر الذي ترأسه رئيس الحكومة، رافضاً ما تضمنه البيان، رغم أن بعض العبارات الواردة فيه مثل» العودة المؤقتة» لا تتناول الدول المضيفة، بل تتعلق بالنزوح داخل سوريا من منطقة إلى أخرى. لم يكن موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري أقل تشدداً في معارضته، وظهر جلياً تحذيره من أنه «رغم كل العلاقات الدبلوماسية والأمنية والتنسيق في الأمور الاقتصادية والكهربائية بين لبنان وسوريا، بقيت الحكومة اللبنانية كأنها ﻻ تسمع وﻻ ترى حتى جاء البيان الأممي الأوروبي المشترك بما يضمر لنا من توطين». واعتلى وزير الخارجية جبران باسيل المنبر الإعلامي لمجلس الوزراء ليشن حملة عنيفة على الأساليب الملتوية التي تتّبعها المفوضية الدولية كربطها عودة اللاجئين السوريين بالحل السياسي في سوريا… متسائلاً: ماذا لو طال أمد الوصول إلى هذ الحل؟ معتبراً أن ما يجري هو عملية «توطين مقنّع»، ظهرت بوادره بشكل واضح في «المادة 20» من البيان، التي تشير صراحة إلى أنه «تم الإقرار بدور إعادة التوطين كأداة حماية أساسية للاجئين المعرّضين لمخاطر عالية في مجال الحماية»، وهذا يتناقض مع الثوابت والمسلمات اللبنانية.
تمايَزَ موقف الحريري عن مواقف باقي المسؤولين، مبيّناً أن هناك «تضخيماً للأمور» من أجل استغلالها انتخابياً لا أكثر ولا أقل، ومستنداً إلى التوضيحات المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حول أن عبارات «إجلاء ذات طابع مؤقت وطوعي» و»حفظ الحق في العودة أو اختيار البقاء» تتعلق حصراً بالسوريين المتأثرين بالنزاع داخل سوريا، ولا يرتبط ذلك بلبنان ولا بالنازحين فيه. وأكد، في هذا الإطار، وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي أن لبنان معني بالبيان المشترك الذي شارك بصياغته، والذي صدر عن المشاركين من الوفود التي تمثل نحو 85 دولة ومنظمة، وثمة فارق بين هذا البيان المشترك وبين البيان الرئاسي الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والذي لا يُعبّر عن رأي الوفود، معتبراً أن الكتل السياسية استخدمت هذا الملف في إطار حملاتها الانتخابية.
قد يكون ذلك صحيحاً إلى حد كبير، لكن المعارضين لمسوغات مؤتمر «بروكسل 2» في غياب الحكومة السورية، يأخذون على الحكومة محاولاتها تمرير عملية دمج النازحين السوريين في المجتمع اللبناني مقابل الحصول على دعم مالي لمشاريع إنمائية تتناول البنى التحتية وغيرها من المشاريع، بينما المطلوب التخلّص منهم.

المادة 49 زادت «الطين بلّة»

وسط تلك الأجواء، جاءت المادة 49 من قانون الموازنة العامة لتسمح للأجنبي بالحصول على إقامة دائمة في لبنان مقابل تملّكه منزلاً، فكان ذلك «القشّة التي قصمت ظهر البعير». هذا الأمر أدى إلى تجييش حملة مضادة، كان عرّابها رئيس «حزب الكتائب» النائب سامي الجميل، على اعتبار أن مفاعيل هذه المادة تؤدي إلى «توطين مقنّع» للاجئين السوريين، وانتهت إلى تقديم طعن لدى «المجلس الدستوري» الذي قرّر بالإجماع تعليق المادة المطعون بها على أن يعود إلى الانعقاد، بعد الانتخابات، لإصدار القرار النهائي بشأنها.
في واقع الأمر، تكمن المعضلة في أن التعامل مع خطة الاستجابة للأزمة السورية مختلف من جهة سياسية إلى أخرى. فريق رئيس الحكومة ينطلق من أن تقديم لبنان ورقة مدروسة بشكل يُراعي الحاجات والمتطلبات اللبنانية والتوجهات الدولية من دون خرق للدستور والقانون اللبناني، يُشكّل فرصة جيّدة من أجل تحريك عملية التنمية في لبنان، والدفع بالعجلة الاقتصادية في البلاد التي تأثرت سلباً بفعل تداعيات أزمة المنطقة عليه. هذا الفريق يُراعي في ما يطرحه الحساسية الداخلية، إذ ان ما جرى طرحه من مشاريع يندرج في إطار البنى التحتية التي تحتاج إلى يد عاملة في قطاع البناء، وهو قطاع مسموح للسوريين العمل به، لا بل إنهم يشكلون اليد العاملة الفعلية فيه. وخسارتها في هذا القطاع من شأنها أن تترك تداعياتها السلبية عليه، وستجعل كلفة البناء مرتفعة جداً.
غير أن الجهات السياسية على المقلب المعارض لا تُعير أهمية للبعد الإنساني، ولا تتوقف عند ما يمكن اعتباره بالفرص الإنمائية في فترة اقتصادية صعبة إقليمياً ودولياً. ما يهمها هو الاعتبارات الاستراتيجية والأمنية والسياسية على ما عداها.

ضربة موجعة لـ «الحزب»

وتشي المعلومات بأن ملف النزوح، وفق نظرة حلفاء سوريا المبنية على ضرورة عودتهم إلى بلادهم وضرورة فتح قنوات تواصل سياسية ورسمية لحل المشكلة، سيتم فتحه مع تأليف الحكومة الجديدة، وقد يكون بنداً مُدرجاً في بيانها الوزاري، لا سيما وأن المعطيات المتوافرة ترى أن هذا الملف من شأن إثارته أن يُعيد رأب الصدع بين «الثنائي الشيعي» ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الذي ذهب بعيداً في «حربه» ضد الرئيس بري، ولم يوفر في حربه الانتخابية «حزب الله» حيث الندوب كبيرة في العلاقة بينهما، وتمثل آخرها بسقوط مرشحه عن المقعد الشيعي في جبيل الشيخ حسين زعيتر، الذي يعتبر ضربة موجعة لـ «الحزب» لم تكن لتصيبه لو قدّم باسيل التحالف السياسي مع «الحزب» على اعتباراته الأخرى التي لا تردها قيادة «حزب الله» إلى حسابات انتخابية، بل إلى ما هو أبعد منها.
باتت ورقة النزوح السوري قوية في يدّ «حزب الله» وحلفائه بعد التبدّلات في ميزان القوى السياسية كنتيجة طبيعية للانتخابات النيابية، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة المعارضين لفرض عودة «جبرية» أو «طوعية مموّهة» إلى سوريا على الوقوف بوجه ذلك.

أي مستقبل ينتظر النازحين السوريين بعد تبدّل المعادلة السياسية في لبنان؟
تخوّف «حزب الله» من تحوّلهم إلى قنبلة موقوتة تستهدف بيئته الشيعية
رلى موفّق
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left