الأردن: وسائط التواصل الاجتماعي منصات لبث «الكراهية»

94 في المئة من الإعلاميين يراقبون أنفسهم ذاتيا

طارق الفايد

May 12, 2018

عمان ـ «القدس العربي»: أعلن مركز حماية وحريات الصحافيين الأردنيين ما وصفه مديره نضال منصور بـ»المهمة الأخيرة» التي سينجزها قبل انسحابه إثر هجمة رسمية عليه والتشكيك في تراخيص العمل.
وأبلغ منصور جمهور المركز والرأي العام علنا ان المهمة الأخيرة ستكون إصدار تقرير حال الحريات الإعلامية في العالم العربي وحال الحريات في الأردن لعام 2017.
واشار إلى ان ذلك ليس «تأبينا» للمركز الذي يعتبر في صدارة مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالحريات الإعلامية إنما هو عهد بالاستمرار في الدفاع عن الإعلاميين عندما يتعلق الأمر بحقوقهم في وجود مؤسسات تدافع عنهم.
وظهرت حيثيات رقمية مثيرة للنقاش في نصوص التقرير السنوي حول وضع الحريات العامة الإعلامية في الأردن وتم تسليط الضوء أكثر على دور التفسيرات التي وسعت من نطاق القيود على قانون الجرائم الإلكترونية.
وبرز ذلك في الوقت الذي أكثرت فيه السلطات من الشكوى من تداعيات قانونية واجتماعية سلبية لحرية التواصل وانسياب المعلومات بسبب هوس الأردنيين في وسائط التواصل الاجتماعي.
وحصلت «القدس العربي» من مصادر أمنية على أرقام توضح ان وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة للأمن العام تتعامل شهريا مع ما لا يقل عن 400 شكوى يتقدم بها مواطنون أو مؤسسات أو تطلبها السلطات الحكومية.
وانتهى تقرير حالة الحريات في التركيز على حيثيات الإعلام الاجتماعي وكلفة التواصل من أكثر من جانب، حيث ظهرت تحديات مهمة في هذا الإطار كما قال لـ»القدس العربي» الراصد عمر الهمارشة وهو يشارك في تقييم وتشخيص الأرقام.
وفي الأثناء قدم أحد معدي التقرير في نسخته المتعلقة بحالة الحريات العامة في الأردن في العام الماضي وليد حسني تقييمه السريع والملخص.

فيسبوك أكثر إنتاجا لخطاب الكراهية

وكشف تقرير حالة الحريات الإعلامية في الأردن الذي أصدره مركز حماية وحرية الصحافيين وفقا للباحث الإعلامي حسني عن معطيات خطيرة فيما يتعلق بمؤشرات خطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الأردني لسنة 2017.
وحسب نتائج الاستطلاع فإن 41،8 في المئة من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون ان فيسبوك من أكثر وسائل التواصل الاجتماعي إنتاجا ونشرا لخطاب الكراهية، ثم شبكة تويتر 24،5 في المئة، والإعلام الالكتروني 10،6 في المئة، ويوتيوب9،6 في المئة، والسناب شات خامسا 7،1 في المئة، بينما ظلت وسائل الإعلام التقليدية شبه بعيدة عن اتهامها بإشاعة خطاب الكراهية، إذ حصلت الصحافة الورقية المكتوبة على نسبة 1،5 في المئة والإذاعة 1،3 في المئة، والتلفزيون 1.9 في المئة.
واللافت في نتائج استطلاع الرأي أن 85،5 في المئة من الإعلاميين المستجيبين يعتقدون أن الأحداث السياسية المتلاحقة والصراعات في دول الإقليم ومنها مصر والعراق وسوريا كانت السبب الرئيسي لتفشي خطاب الكراهية، فيما وجد 86،8 في المئة أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تتحمل المسؤولية في انتشار خطاب الكراهية كونها منصات أو أداة لنقل المعلومات وآراء ومواقف الناس فقط.
واللافت أن 58،8 في المئة من الإعلاميين يعتقدون أن تفاقم أزمة اللاجئين السوريين في الأردن من أسباب تزايد ووضوح خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هذا الحكم لا يبدو صائبا تماما، فخطاب الكراهية الذي يتم بثه لا يتوقف عند حدود التحريض على اللاجئين وصناعة وإنتاج خطاب كراهية معاد لهم فقط، بل يمتد هذا الخطاب إلى قضايا وفئات اجتماعية أخرى كما يعلق حسني.
ومن المهم التوقف عند الإعلاميين المستجيبين وعددهم 255 إعلاميا وإعلامية، الذين يعتقدون أن وسائل الإعلام ساهمت في زيادة خطاب الكراهية، إذ بلغت نسبتهم بموجب معطيات الاستطلاع 80،0 في المئة مقابل 85،9 في المئة يعتقدون ان وسائل الإعلام ساهمت في إذكاء خطاب العنف وإقصاء الآخر عام 2017.

التحريض على العنف

ويلاحظ عدم وضوح الرؤية والتقييم لدى الإعلاميين المستجيبين لإستمارة الاستطلاع، ففي الوقت الذي يعتقد فيه 41،8 في المئة منهم ان فيسبوك من أكثر وسائل التواصل الاجتماعي انتاجا ونشرا لخطاب الكراهية، فإن 77،7 في المئة منهم يعتقدون ان وسائل التواصل الاجتماعي تلتزم بعدم بث خطاب الكراهية، كما أن 77،3 في المئة يعتقدون بالتزام تلك الوسائل بعدم التحريض على العنف بدرجات كبيرة ومتوسطة وقليلة.
وحسب نتائج الاستطلاع فإن 91،8 في المئة بدرجات كبيرة ومتوسطة وقليلة من الإعلاميين يعتقدون ان مشروع تعديل قانون الجرائم الإلكترونية من قبل ديوان التشريع والرأي المتعلق بتعريف خطاب الكراهية، سيفرض قيوداً على حرية التعبير في وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن أبرز التوصيات التي اقترحها مركز حماية وحرية الصحافيين لمعالجة ظاهرة اتساع خطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي دعوته لوضع تصور بعيد المدى لتطوير معارف ومهارات الإعلاميين الحقوقية للحد من المحتوى المعادي لحقوق الإنسان والمروج للعنف ولخطاب الكراهية.
واقترح الباحث حسني تعزيز هذه التوصية بالعمل على وضع مسطرة أو دليل للثيمات والسمات والكلمات ذات الدلالات التحريضية على خطاب الكراهية والعنف، والإنخراط في ورشات عمل تدريبية للإعلاميين، لتجنيبهم الوقوع في مصيدة خطاب الكراهية والتحريض، لكون الفارق بينهما وبين حرية الرأي والتعبير لا يكاد يظهر أو يبان.
وقال إن أي خطاب كراهية يتضمن وبالضرورة خطابا تمييزيا وتحريضيا وإقصائيا واتهاميا، لعل كل واحدة منها تمثل جريمة أخلاقية قبل أن تكون جريمة قانونية.
واعتبر إن استطلاع مركز حماية وحرية الصحافيين الذي صدر قبل أيام منحنا المزيد من وضوح الرؤية حول حالة حرية الإعلام في الأردن سنة 2017 كما منحنا منظارا نقيس به واقع هذه الحرية في عام 2018 خاصة وان ثمة إيجابيات متواضعة لكنها جيدة طرأت على واقع حرية الإعلام في الأردن انعكست وبالضرورة على تقدم الأردن 6 درجات في مقياس حرية الإعلام وفقا لمسطرة منظمة «مراسلون بلا حدود» وهو ما نطمح كصحافيين وإعلاميين البناء عليه وتعزيزه.

مؤشر الحريات

وفي التفاصيل الفنية لحالة الحريات الإعلامية في الأردن برزت الكثير من المفاجآت، حيث ظهر تحسن طفيف ولافت غير مبرر لمؤشر الحريات بموجب استطلاع رأي الإعلاميين قوامه وصف 3.9 في المئة من الصحافيين الحريات بأنها ممتازة مقارنة بـ 1.5 في المئة كانوا يجدونها ممتازة في عام 2016.
وسجل التقرير تطوراً إيجابياً آخر، إذ لم يسجل على جهات إنفاذ القانون ارتكابها لأي اعتداء جسدي عام 2017.
وكشف التقرير عن تزايد إحباط الصحافيين من واقع التشريعات، فقد اعتبر 62 في المئة أن القوانين تشكل قيداً على حرية الإعلام.
وساهم المقترح الذي قدمه ديوان التشريع والرأي بتعديل قانون الجرائم الإلكترونية والذي نص على عقوبات سالبة للحرية ورفع قيمة العقوبات المادية وخاصة ما يتعلق بخطاب الكراهية إلى تزايد الاعتقاد عند الإعلاميين بأن التشريعات تفرض قيوداً على حرية التعبير والإعلام. ونشرت صحيفة «الغد» اليومية الأردنية حصريا الجزء الأهم من مضمون التقرير وتضمن الإشارة إلى ارتفاع نسبة الإعلاميين الذين يفرضون على أنفسهم رقابة ذاتية لتصل إلى أعلى مستوى لها تم تسجيله منذ عام 2014 حيث وصلت نسبتها إلى 94 في المئة على الأقل.
وظهر تراجع في معدلات الانتهاكات الجسيمة المرتكبة من قبل جهات إنفاذ القانون مقابل زيادة في اعتداءات ظهرت من جهات مدنية أبرزها مواطنون مجهولو الهوية، لافتاً إلى أن الحكومة والأجهزة الأمنية لم تتحرك بشكل جاد للوصول إلى هؤلاء المعتدين وملاحقتهم في أكثرية الحالات.
وبين التقرير تكرار حوادث منع الصحافيين من التغطية وأن ظاهرة اعتداءات المواطنين مجهولي الهوية على الصحافيين قد تزامنت مع تعرض إعلاميين لحملات تحريض وتهديد على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتم توثيق ما مجموعه 163 انتهاكا طال 67 صحافيا من خلال 21 حالة اعتداء على حرية الإعلام وحقوق الإعلاميين، منها 18 حالة فردية و3 حالات جماعية استهدفت عموم الصحافيين.
وتضمن التقرير في نسخته السابعة عشرة نتائج استطلاع رأي الصحافيين عن حالة الحريات الإعلامية الذي يجريه المركز بانتظام كل عام، إضافة إلى عرض وتحليل لواقع شكاوى الصحافيين والانتهاكات الموثقة التي تعرضوا لها خلال العام الماضي.
وأعلى معدلات الانتهاكات التي وثقها التقرير هي منع التغطية وحجب المعلومات وتليها انتهاكات حجز الحرية التعسفي والمضايقة والاعتداء الجسدي. وتبين أن تزايد انتهاك منع التغطية جاء بسبب إجراءات وأخطاء ربما يكون بعضها غير ممنهج وغير متعمد مثلما حدث في انتخابات المجالس البلدية واللامركزية.

انتهاكات جسيمة

وتطرق إلى أن نسبة الانتهاكات الجسيمة قد بلغت 12 في المئة من مجموع الانتهاكات الكلي وبواقع 21 انتهاكاً تمثلت بالاعتداء الجسدي، الإصابة بجروح، المعاملة القاسية والمهينة، الاعتقال التعسفي ومحاولة الاغتيال التي تعرض لها إعلامي عراقي يعمل مع قناة «دويتشه فيله» الألمانية، وتم القبض على الفاعل وحكم بالسجن.
وأبلغ رئيس المركز نضال منصور «القدس العربي» ان «التحسن الطفيف في مؤشرات بعض التفاصيل يقابله استياء الصحافيين من تفسيرات ديوان التشريع التي وسعت من نطاق الجرائم الإلكترونية وتحديداً إضافة تعريف لخطاب الكراهية لا يتماشى مع التوجهات الدولية، ويشكل أداة ضاغطة على حرية التعبير، ويفرض عقوبات بالسجن وغرامات مالية مبالغاً فيها».
وقال «لا نتوقع انقلاباً في مسار الحريات الإعلامية في الأردن بين ليلة وضحاها، فالمضي نحو شعار حرية الإعلام حدودها السماء الذي أطلقه الملك عبد الله الثاني، في بداية عهده يحتاج إلى تغيير في بنية عقل الدولة حتى تتقبل وتتعايش مع فكرة أن الإعلام رقيب على السلطات، وليس خادماً لها، وهو عين وصوت المجتمع».
وأظهرت نتائج الاستطلاع معارضة 59.5 في المئة من الإعلاميين التعديلات المقترحة من ديوان التشريع والرأي على قانون الجرائم الإلكترونية، من بينهم 30.8 في المئة أكدوا معارضتهم بشدة لهذه التعديلات.
وعرض التقرير جملة من التوصيات أولها وضع خطة استراتيجية إعلامية جديدة لمدة 5 سنوات تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وتسعى للنهوض بالإعلام وتدعم حريته وترسخ حالة الاحتراف المهني.
وأوصى المركز حسب النص المنشور على موقعه بتشكيل لجنة خبراء تضم كافة الأطراف لإصلاح التشريعات الناظمة للإعلام بما يتوائم مع الدستور والمعاهدات والمعايير الدولية، والبدء في إجراءات فورية لتعديل المواد القانونية التي تسمح بفرض عقوبات سالبة للحرية.
وطالب بالعودة إلى حياء فكرة تأسيس مجلس شكاوى مستقل ينصف المجتمع من تجاوزات وأخطاء وسائل الإعلام، كما طالب بتشجيع أطر التنظيم الذاتي للإعلاميين بما يقوي استقلالية وسائل الإعلام ويعزز التعددية النقابية، ويحفز على ولادة «أطر» وجمعيات إعلامية متخصصة.
ولفت التقرير في توصياته إلى وضع تصور بعيد المدى لتطوير معارف ومهارات الإعلاميين الحقوقية للحد من المحتوى المعادي لحقوق الإنسان والمروج للعنف وخطاب الكراهية.
وأوصى بالعمل على برامج توعية جماهيرية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تسهم في بث محتوى يلتزم بالحقيقة والمصداقية، ويقلل من نشر الشائعات والأخبار الزائفة، ويغذي قيم التسامح وتقبل الرأي الآخر. وحث التقرير في توصياته المؤسسات الإعلامية على تطوير دليل مهني يحدد معايير النشر، ويقلص مساحات الرقابة المسبقة وسوء استخدام السلطة التقديرية داخل المؤسسات الإعلامية من قبل رؤساء ومدراء التحرير والإدارات.
وطالب بالعمل على دراسة ظاهرة الرقابة الذاتية التي تتزايد داخل المجتمع الإعلامي منذ سنوات، ووضع تصورات عملية للحد منها لتعزيز حق المجتمع في المعرفة.

الأردن: وسائط التواصل الاجتماعي منصات لبث «الكراهية»
94 في المئة من الإعلاميين يراقبون أنفسهم ذاتيا
طارق الفايد
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left