النكبة والجذور الفاشية للمشروع الصهيوني

صبحي حديدي

May 12, 2018

في الذكرى السبعين للنكبة، وهي استطراداً تصادف الذكرى السبعين لإقامة الكيان الصهيوني الذي سوف ينقلب إلى دولة احتلال واستيطان وتمييز عنصري؛ ثمة حقائق يتوجب استذكارها على الدوام، ليس من زاوية المضامين الكارثية التي اقترنت بالنكبة وحاقت، يومذاك، بما يزيد عن 850 ألف فلسطيني، فهذه صارت أدبيات تاريخية راسخة ومفتوحة على المزيد من البحص والتوثيق؛ بل من زاوية التشديد على ما يحتاج دائماً إلى إعادة تشديد: التراث الفاشي للصهيونية، الذي توجب أن يستولد الشخصية الفاشية المعاصرة لدولة الاحتلال.
وليس الحديث عن هذا التراث محض نزوع رغبوي من جهة معادية للكيان الصهيوني على طول الخطّ، كما قد يفترض قائل، بل هو وجهة نظر باتت واسعة الانتشار لدى كتّاب ومعلّقين إسرائيليين؛ وآخرين صهاينة (نعم!) هنا وهناك في أوروبا وأمريكا، باتوا يشفقون على «المشروع الصهيوني»، «العلماني» و»الديمقراطي» و»المدني»، من مغبة الانحدار إلى مستويات أكثر انحطاطاً في السلّم الفاشي. وهكذا نقرأ معلّقاً مثل جدعون ساميت، يجزم بأنّ «هذه الدولة» تسير حثيثاً إلى أكثر السيناريوهات عنصرية وفاشية، وبالضبط إلى الحلول التي يطرحها اليمين الفرنسي المتطرّف؛ ذاك الذي ينبغي أن تمقته الصهيونية أكثر من أيّ فرنسي آخر، لا لشيء إلا لأنّ الإسرائيليين على يقين تامّ من أنه يمقتهم أكثر من أيّ مجموعة بشرية أخرى على وجه الأرض!
ولعلنا لن نعدم، في غمرة السعار الذي سيقترن باحتفالات الذكرى السبعين، من يعيد إحياء ذكرى أبا أخيمئير (1897 ـ 1962)، أحد كبار قادة الحزب «التنقيحي» الذي أسّسه زئيف جابوتنسكي، وصاحب المواقف المتشدّدة ضدّ «الصهاينة الكاذبين» من مجموعة «أحباب صهيون». ومنذ أواخر عشرينيات القرن الماضي أعلن أخيمئير أنّ المنظمة الصهيونية (أي تلك «العلمانية» و»الاشتراكية» و»الإنسانية»…) باتت جثة هامدة ينبغي أن تُدفن سريعاً قبل أن تزكم رائحتها أنوف «الصهاينة الأطهار»؛ وهؤلاء كانوا شباب الحركة الصاعدين، من أمثال مناحيم بيغين وإسحق شامير، أبطال العمليات الإرهابية القادمة ضدّ الفلسطينيين والبريطانيين على حد سواء، وقادة أحزاب اسرائيل ورؤساء وزاراتها في العقود التالية.
وكان الأمر سيبدو صراعاً عقائدياً داخل أبناء الصفّ الصهيوني الواحد، لولا أنّ أخيمئير كان في الواقع فاشيّ الهوى، علانية، دون مواربة، وبحماس منقطع النظير؛ واعتاد على كتابة عمود بعنوان «من يوميات فاشيّ» في مجلة «دوار هايوم»، التي كانت تصدر بالعبرية في فلسطين. فاشية أخيمئير لم تكن مجرّد إعجاب بالفاشية الأمّ، بل كانت دعوة إلى تطابق تامّ ومباشر مع العقيدة الفاشية الإيطالية، ومع شخصية بنيتو موسوليني؛ حتى أنه لم يتردد في إطلاق لقب «دوتشي يهودا والسامرة» على جابوتنسكي.
أكثر من ذلك، اعتبر أخيمئير أن صعود النازية الألمانية يقدّم خدمة خماسية للحركة الصهيونية، لأنه يخلصها من ميوعة الصهاينة الإنسانيين من أمثال آحاد هاعام، ومن يسير في ركابه ضد فكرة الدولة اليهودية في فلسطين؛ ويبرهن أن الدوس على روح الأمة سوف يطلق أفضل ما فيها: أبطالها الأشبه بالأنبياء؛ ويثبت إفلاس الذين يفضّلون تحسين أوضاع اليهود في الشتات، بدل نقلهم إلى فلسطين؛ ويقدّم دليلاً جديداً على استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم «المضيفة»؛ وأخيراً، يُضعف الشيوعية السوفييتية، ويطهّر ألمانيا، أعظم الأمم في عالم «الأغيار»، من شبح الشيوعية كما تنبأ به «اليهودي العاقّ كارل ماركس»…
وليست دورة الزمان طويلة بين عشرينيات القرن الماضي، حين تماهت الصهيونية مع الفاشية والنازية معاً، والعقود الأولى من هذا القرن؛ حين تقول استطلاعات الرأي إنّ غالبية 46٪ من الإسرائيليين يقرّون ما كان أخيمئير نفسه يتحرّج من إعلانه، أي تنظيم «ترانسفير» جديد، وطرد قرابة مليونَي عربي فلسطيني خارج أراضي 1948.
ذلك لأنّ جذور المشروع الصهيوني لم تضرب أصلاً إلا في تربة كهذه، فاشية واستيطانية وعنصرية.

النكبة والجذور الفاشية للمشروع الصهيوني

صبحي حديدي

- -

9 تعليقات

  1. الأخ صبحي،
    وفي هذه المناسبة بالذات، مناسبة الذكرى السبعين لنكبة فلسطين (ولإقامة الكيان الصهيوني، استطرادًا)، لا بد من التذكير بالحقائق التاريخية الأقدم، والأهم من ذلك كله، الحقائق التي تشير إلى أن التراث الفاشي المتعارف عليه الآن للصهيونية إنما تتجذَّر جذوره في الديانة المسيحية التي كانت منتشرة في بريطانيا بدءًا من بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على وجه التحديد. إذ كانت حركة «الصهيونية المسيحية» من أقوى وأنشط الحركات الدينية المتطرفة بين أوساط النخبة في بريطانيا أيامئذٍ، حتى أقوى وأنشط وأقدم بكثير من حركة «الصهيونية اليهودية» عينها، وعلى الأخص من حيث اعتمادُها على الأخذ بالنص التوارتي فيما يتعلق بـ«شعب الله المختار» بحرفيته تمامًا، مما أدى إلى جعل هذا التأويل الحرفي جزءًا لا يتجزَّأ من النص الأصلي لوعد بلفور في حد ذاته. وقد انعكس هذا الشعور الديني التطرفي على ما يقابله بين أوساط النخبة في أمريكا كذلك، وإلى حد أن هذه الأوساط إبان رئاسة روزفلت، ومن تبعه كذلك، اعتبرت عودة اليهود إلى وطنهم في فلسطين/إسرائيل بمثابة «أعظم حدث تاريخي في التاريخ البشري برمته».
    وفي هذا السياق «التاريخي»، فإن احتلال فلسطين بالذات ليس له سوى أن يمثل الطور «الأخير»، وليس الطور «الآخر»، من أطوار الاستعمار الغربي لدول ما يسميه هذا الغرب بـ«العالم الثالث». حتى أن الدول الثلاث الأكثر حماسًا وتحمُّسًا في تأييدها لإقامة إسرائيل (بعد تأييد بريطانيا نفسِها، بطبيعة الحال) إنما هي: أمريكا وأستراليا وكندا، تحديدًا. ومن منا لا يعرف الآن أن هذه الدول الثلاث، رغم كل ما تبديه بعض شعوبها من تعاطف إنساني تجاه الشعب الفلسطيني ذاته، لا تعدو أن تكون من الوليدات «المدلَّلات» التي أنجبتها أرحامُ الإمبراطورية البريطانية ذاتها؟!

    • [مصحَّح]
      الأخ صبحي،
      وفي هذه المناسبة بالذات، مناسبة الذكرى السبعين لنكبة فلسطين (ولإقامة الكيان الصهيوني، استطرادًا)، لا بد من التذكير بالحقائق التاريخية الأكثر قدامةً، والأكثر أهميةً من ذلك كله، تلك الحقائق التي تشير إلى أن التراث الفاشي للصهيونية المتعارَف عليه الآن إنما تتجذَّر جذوره في الديانة المسيحية التي كانت منتشرة في بريطانيا بصيغتها التطرُّفية، بدءًا من بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على وجه التحديد. إذ كانت حركة «الصهيونية المسيحية» من أقوى وأنشط الحركات الدينية المتطرفة بين أوساط النخبة في بريطانيا أيامئذٍ، حتى أقوى وأنشط وأقدم بكثير من حركة «الصهيونية اليهودية» عينها، وعلى الأخص من حيث اعتمادُها على الأخذ بالنص التوارتي فيما يتعلق بـ«شعب الله المختار» وبـ«أرض الميعاد» بحرفيته تمامًا، مما أدى إلى جعل هذا التأويل الحرفي جزءًا لا يتجزَّأ من النص الأصلي لوعد بلفور في حد ذاته. وقد انعكس هذا الشعور الديني التطرفي على ما يقابله بين أوساط النخبة في أمريكا كذلك، وإلى حد أن هذه الأوساط إبان رئاسة روزفلت، ومن تبعه كذلك، اعتبرت عودة اليهود إلى «وطنهم» في فلسطين/إسرائيل بمثابة «أعظم حدث تاريخي في التاريخ البشري برمته».
      وفي هذا السياق «التاريخي»، علاوةً على ذلك، فإن احتلال فلسطين بالذات ليس له سوى أن يمثل الطور «الأخير»، وليس الطور «الآخر»، من أطوار الاستعمار الغربي لدول ما يسميه هذا الغرب بـ«العالم الثالث». حتى أن الدول الثلاث الأكثر حماسًا وتحمُّسًا في تأييدها لإقامة إسرائيل (بعد تأييد بريطانيا نفسِها، بطبيعة الحال) إنما هي: أمريكا وأستراليا وكندا، تحديدًا. ومن منا لا يعرف الآن أن هذه الدول الثلاث، رغم كل ما تبديه بعض شعوبها من تعاطف إنساني تجاه الشعب الفلسطيني ذاته، لا تعدو أن تكون من الوليدات «المدلَّلات» التي أنجبتها أرحامُ الإمبراطورية البريطانية ذاتها؟!

  2. يبدو أن الفاشية والعنصرية والاحتلال والترانسفير للكيان الصهيوني باتت مفخرة لمن يرتبط بهذا الكيان فآخر هذه المفاخر لقاء العنصري الفاشي نتن ياهو بسفيري الأمارات والبحرين على مأدبة عشاء دسمة على لائحة الطعام في المقبلات كيف نتخلص من ثورة العودة على حدود غزة، والطبق الرئيسي كيف نتخلص من الدولة الفلسطينية ونعلن القدس عاصمة اسرائيل الأبدية، والتحلية كيف تشرعن السعودية والامارات والبحرين ومصر حقها في بناء دولتها على ” أرضها” في فلسطين والدفاع عنها من اخطار ميليشيات حزب الشاطر حسن، وايران، ومع القهوة نبارك ” صفقة القرن” ونتبادل البسمات والقبلات والعناق .. لعن الله هذا الزمان

  3. اليهود يمكن اختراقهم حتى يتراجعوا عن
    فليسطين. واليهود ثلاثة، فمنهم مُسيطر على المال ومنهم مُسيطر على سياسة العالم كل حسب موقعه ومنهم عامتهم الذين يستمدون منهم عددهم وفق أهمية وقوة كل بلد. ومع ذلك فإن اليهود يغلب عليهم الخوف والجبن فباستغلال صفة الخوف والجبن يمكن استثمرهما لتفكيك تجمعهم. هذا إذا لم يتراجعوا عن فلسطين وعن سِدد الحكم العربية.

  4. ادا كانت الصهيونية بهدا الشكل الخبيث والمنحط والنتن يا استادنا الفاضل وهي كدلك فعلا دون ادنى شك فلمادا يتسابق الاعراب لكسب ودها ونيل رضاها والتزلف اليها والتملق لها؟ اليس هناك بعض اوجه الشبه بينها وبينهم في سلبياتها المتنوعة والعديدة والكثيرة؟ الا تتعامل مشيخات الاعراب بشكل عنصري مع باقي العرب والمسلمين؟ الا نلمس الكراهية والحقد والضغينة لدى هؤلاء تجاه من يفترض اشقاء في الدين واللغة والتاريخ؟ اليس ما تفعله العصابات الصهيونية بالفلسطينيين هو نفسه ما ترتكبه هده المشيخات الم تكن هده المشيخات سببا ايضا في تشريد ملايين العرب عبر الجغرافيا العربية؟ اليس هناك يا سيدي بعض اوجه الشبه بين الطرفين؟

  5. السيد صبحي حديدي مع فائق الاحترام
    الامر كله نصوص دينية لا نحتاج الى لف ودوران فان سبب ماساة الفلسطينيين هو المقدس في الديانات الثلاثة وليس احدها

  6. سلام عادل : انت غالبا تغرد خارج السرب.ما معنى سبب مأساة الفلسطينيين هوالمقدس في الديانات الثلاثة ، من فضلك ؟

  7. *نصر الله الشعب الفلسطيني على
    الصهاينة المجرمين .
    *عار على جبين كل دولة تضع نفسها
    في خندق الصهاينة.
    سلام

  8. جذور نكبة فلسطين: انطلقت الحركة الصهيونية بدعم من حلفائها الغربيين لتأسيس وطن قومي لليهود، و تحالف اليهود مع الانجليز في ح.ع.1 لتخريب الاقتصاد الألماني من الداخل، ومنها صدر وعد بلفور المشئوم، فخرجت الحركة النازية من عنق الرماد أثناء ح.ع.2 لتنتقم أبشع انتقام بشري في التاريخ لتصل أوجها مع محرقة الهلوكست، راح ضحيتها ما يزيد عن 6 مليون يهودي، من نساء وأطفال ومسنين وكوادر وأطر…قرر هتلر والحركة النازية تطهير أوروبا من “رجس اليهود”، والانتقام من نظرية المؤامرة ضد الوطن القومي الألماني، لم يكن اليمين المتطرف في ألمانيا ليجرم في حق اليهود بهذه الطريقة وبهذا الشكل لولا المؤامرة التي أدت إلى هزيمة ألمانيا. لقد أدرك مفتي القدس آنذاك السيد الحسيني خطر الحركة الصهيونية وهرع إلى لقاء الزعيم النازي أدولف هتلر ليلفت انتباهه إلى أن طرد اليهود من أوروبا سوف يصب في مصلحة الحركة الصهيونية التي كانت تخطط لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
    بعد انتهاء ح.ع.2 وهزيمة النازية، تحقق وعد بلفور وهرع اليهود الناجون من المحرقة إلى “وطنهم الأصلي” أو كما يسمونه “أٍرض الميعاد” حسب التلمود، فكانت الإمبراطورية البريطانية تتقلص بعدما فهمت بشكل جيد خريطة العالم، وكانت تعود تدريجيا إلى حدودها الطبيعية في بريطانيا قبل أن تزرع سرطان خبيث في قلب الأمة العربية والإسلامية حتى لا تقوم لها قائمة، وهي التي تدرك جيدا ما معنى تلك الأمة وتاريخها ومقوماتها. ومنذ تأسيس كيان الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، عملت الدولة العبرية كشرطي مراقبة للدول الغربية في منطقة الشرق الأوسط، فكانت نكبة 1967 أو الحرب الخاطفة (حرب 6 أيام) والتي أظهرت التفوق الجوي والتكنولوجي العالي للجانب الإسرائيلي مقابل الضعف العربي ( المصري، السوري والأردني… )، وبدأ التخطيط لتدمير العراق، وسوريا على خط النار تقاوم المخططات منذ 7 سنوات، ليعلن اليوم ترامب انسحابه في الاتفاق النووي الإيراني كي يتم استهداف إيران حتى تتمدد إسرائيل على حساب الحقوق والأراضي العربية.
    وعلى عكس جميع التوقعات، فاليمين الفرنسي المتطرف لا يحقد على اليهود، كما يدعي صاحب المقال، لا في تصريحاته العلنية ولا في أجندته السرية، بل له حساباته الخاصة مع الجالية العربية والمسلمة. “الجبهة الشعبية” بزعامة مؤسسها جون ماري لوبين وابنته مارين التي تحذو حذو والدها، جعلت نصب أعينها الخطر “الأخضر” الذي تشكله تلك الجالية المسلمة على قيم الغرب المتحضر، وهذه الحركة الصاعدة لا تخجل في إظهار حقدها البغيض ضد المسلمين، والزخم الذي بدأ يحظى به هذا اليمين المتطرف في فرنسا، بل وفي كل أوروبا والغرب، و في كل المحطات الانتخابية دليل على هواجس أغلب تلك الفئات من الزحف الأخضر، الذي هو الإسلام.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left