أحداث دراماتيكية في أسبوع ملتهب في مدينة مأدبا: لماذا وكيف «انزلق» القلق الأمني في الأردن؟

May 12, 2018

عمان ـ «القدس العربي» ـ بسام البدارين: انزلقت ثم تدحرجت أزمة بطابع عشائري في الأردن وبسرعة نحو مناطق لم تكن محسوبة خلال الأسبوع الماضي عندما تقرر على مستوى صناعة القرار التعامل بعقل أمني بارد مع الوقائع.
كان يمكن لقصة أحداث مدينة مأدبا التي شغلت أضواء الإعلام والأردنيين طوال الأسبوع الساخن الماضي ان تنحصر في نطاق مشكلة أو مشاجرة بين شخصين من قبيلتين مختلفتين انتهت بأزمة في بعد وطني وأمني جراء ظروف ارتكاب جريمة اعتداء على أحد طرفي الخلاف تميزت بالخشونة الشديدة وفي وضح النهار وحظيت بالنتيجة بعد تصويرها من عابرين عبر أجهزة خلوية بتغطية إعلامية واسعة النطاق.
ثمة مناطق لا يفضل الأردني سواء كان في السلطة أو بين الناس الوصول إليها والتحدث عنها.
لكن مع إدارة أمنية حصيفة من جهة ويكتنفها الغموض من جهة أخرى وفي ظل صمود وبقاء قواعد الاحتكام العشائرية على حساب منطق الدولة المدنية والقانون ضمن انحياز المجتمع الواضح، تفلت التفاصيل وتنزلق المعطيات والوقائع إلى بعض المناطق التي تقلق المجتمع وبالتأكيد لا ترغب بها الدولة.
بعيدا عن تفاصيل الجريمة التي ارتبطت باسم شارع مكة وسط العاصمة الأردنية عمان، حصل ورصد مثل هذا الانزلاق فقد اتعبت صورة لمواطن شاب غاضب وهو يحمل سلاحا ويقفز على مصفحة لقوات الدرك في منطقة ملتهبة المحللين والمراقبين في محاولة لا تزال بائسة لفهمها وقراءتها.
هنا يبرز الإشكال الوطني الأول في انحياز التفاصيل لاتجاه حساس. فإزاء حجم الغضب الذي برز في ثنايا اجتماع حاشد لقبيلة بني صخر بعد الاعتداء العنيف على أحد أولادها في العاصمة عمان، قررت الإدارة الأمنية الاستثمار في أسلوب قديم لاحتواء الاحتقان العشائري.
في الأثناء وبصورة غامضة كانت عشيرة الأشخاص الثمانية المعتدية في القصة نفسها قد بادرت إلى اتخاذ الخطوات الطبيعية المألوفة على الصعيدين العشائري ثم الأمني والقانوني، فقامت بتسليم الفارين من العدالة ومن الأجهزة الأمنية في الجريمة ثم لجأت كما تقتضي الاعتبارات الاجتماعية لما تفعله العشائر في العادة وعبر قبيلة ثالثة هي قبيلة وزير الداخلية الأسبق الجنرال مازن القاضي.
إلى هنا كانت المشكلة تتعلق بشخصين وفي أسوأ الأحوال بعائلتين من عشيرتين وتوجهت العشيرة التي ينتمي إليها المعتدون بعد تسليمهم رسميا للسلطات الأمنية بالاستفسار عن أسلوب المخاطبة لاحتواء المشكلة، حيث برز السؤال، هل نتحدث هنا عن عائلة الضحية وعشيرته وهي عشيرة الفايز المعروفة أم عن القبيلة التي تنتمي إليها العشيرة وهي قبيلة بني صخر؟
خلال اجتماع حاشد لقبيلة بني صخر كان الجواب واضحا ان القبيلة هي التي تطالب بحق ابنها المعتدى عليه وليس عشيرته أو عائلته فقط، خلافا لمضمون قادة ومشايخ قبيلة بني صخر وفي وقت استرخاء القبضة الأمنية لأهداف عميقة وأملا في احتواء الغضب حتى لا يمتد، تدحرجت القضية في اتجاه سلبي واضح حيث ثبت أن مجموعات من الشباب الغاضب من بني صخر تحركت إلى المنطقة التي توجد فيها عشيرة الأشخاص الثمانية المعتدين والمقبوض عليهم.
هنا لم يفهم حتى المواطن الأردني من خارج الإشكال المشهد الذي عايشته بلدة جرينة الشوابكة المجاورة لمدينة مأدبا حيث عشرات السيارات بعشرات المسلحين تهاجم الشارع الرئيسي وتطلق الرصاص في الهواء وسط غياب ملحوظ للمظاهر الأمنية.
يبدو ان الاجتهاد الأمني هنا تمثل في الاسترخاء قليلا لاحتواء غضب الذين هاجموا البلدة سالفة الذكر خصوصا وان بلدة الشوابكة لم يجرح فيها ولا مواطن واقتصر الأمر على شتائم ورصاص في الهواء وتحطيم محلات.
هنا تدخل أحد أعمام الضحية عدة مرات وهو النائب حابس الفايز الذي كرر بدون فائدة عبارته العلنية بعنوان «ضبط ردود الأفعال حتى يبقى الحق لنا ولا ينقلب عليها».
الشباب المحتقن والذي تأثر بتفاصيل الاعتداء على ابن الفايز ضرب نداء ممثله في البرلمان بعرض الحائط فبرز ذلك المشهد المؤذي وطنيا عبر استعراض بأسلحة رشاشة في شوارع قرية الشوابكة.
وبرزت أصوات في محيط الشوابكة تتحدث عن التعامل مع المشهد في بعده الاجتماعي باعتباره لا يخص عشيرة الشوابكة فقط ولكن غطاءها الأوسع وهو قبائل البلقاء، ما دام الطرف الآخر قد وسع النطاق من عشيرة الفايز إلى قبيلة بني صخر خصوصا وان اجتماع القبيلة الثانية الشهير والذي أعقب مشهد الفوضى في قرية جرينة الشوابكة تشدد أصلا في المطالب وأنتج مشهدا يساهم في تكريس القناعة بأن ما يجري معاكس لهيبة الدولة ولمشروع الدولة المدنية ويعزز من ثقافة الاحتكام لتقاليد وقوانين العشائر.
وتقرر عقد الاجتماع الثاني الأوسع باسم عشائر البلقاء هذه المرة وليس الشوابكة فقط للنقاش في التفاصيل، الأمر الذي نتج ببساطة شديدة عن اجتهادات استرخاء القبضة الأمنية قليلا لتمرير احتقان وغضب شباب بني صخر.
غاب عن المشهد مسؤولون كبار في الدولة على رأس مواقعهم اليوم في مؤسسات القرار من ممثلي بني صخر على الأقل، حصل ذلك في غياب خلال مرحلة التأزيم وبصورة أثارت التساؤلات.
بمعنى آخر الحكمة التي كان ينبغي ان تستثمر لاحتواء الاحتقان العشائري نتج عنها عندما يتعلق الأمر بإدارة الحكومة للمشكلة المزيد من التعقيد والاحتقان وفي بعده القبائلي هذه المرة وليس العشائري فقط.
ولم تقف عملية التدحرج والانزلاق عند هذه المحطة فقط بل تجاوزت في اتجاه ذلك البعد المسكوت عنه حتى اللحظة والمحرج عمليا تحت عنوان أمن التسجيلات الهاتفية والمعلومات أو تحت عنوان استثمار موظفين رسميين لإمكانات وظيفتهم في تعزيز حسابات وميول ومصالح قد تكون شخصية أو عائلية أو حتى شللية.
تلك في كل حال قصة أخرى تبرز بعض تفاصيل الانزلاق الثاني الأخطر لما سمي بأحداث مأدبا والتي لا تزال أوراقها مفتوحة على الاحتمالات بعيدا عن إجراءات القضية والجريمة في بعدها القانوني والقضائي.
وبعد احترام وسائل الإعلام التي يعتد بها لتعليمات حظر النشر حيث لم تعد القضية تتمثل في الجريمة نفسها ولكن بالتداعيات والأبعاد اللاحقة والتي كما يحصل في العادة يمكن ان تتسارع وسط القناعة أن الدولة لا تزال تملك زمام المبادرة وأن عقلاء القبائل والعشائر قادرون دوما على الاحتواء والتعاون.

أحداث دراماتيكية في أسبوع ملتهب في مدينة مأدبا: لماذا وكيف «انزلق» القلق الأمني في الأردن؟

- -

8 تعليقات

  1. يجب أن يكون القضاء والقانون فوق الجميع وإلا تصبح الدولة فوضى ! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. الخساره الاكبر هي في ثقة المستثمرين بامن الاتصالات الخاصه وخوفهم من ان يقوم بعض ضعفاء النفوس من كبار وصغار المسؤلين في بعض المواقع بتتبع مكالاماتهم وابتزازهم وتهديد مصالحهم

  3. مرحبا دولة القانون.. والله يخليلنا الأمن والأمان.. أكيد الأردن غير اللي حواليها

  4. المشكلة التي نعاني منها في الاردن هو ان الولاء والانتماء هو للعشيرة اولا وليس للوطن وبهذا المفهوم من المستحيل ان تبني دولة مدنية يحكمها قانون ودستور.
    الدولة لم تنجح حتى الآن ببناء مجتمع مدني حيث بقيت الدولة وعلى مدار 70 سنة منذ الوحدة مع الضفة الغربية عام 1950 وتأسيس المملكة بقيت الدولة تدعم العشائر الشرق اردنية على حساب الاردنيين من اصل فلسطيني وقدمت لهم الواجهات العشائرية من اراضي بالاف الدونمات ودعمت ابناء العشائر بالدراسة مجانا بالجامعات مع راتب شهري رغم تدني معدلاتهم وهذا أضعف مستوى الجامعات الاردنية وادى بمخرجات متدنية كما عملت الدولة على سياسة الاردنة ومنعت الاردنيين من اصل فلسطيني (نسبتهم 65% من سكان المملكة) من الانتساب للجيش والاجهزة الامنية والوظائف السيادية وهذا ادى مع مرور الزمن الى تفشي ظاهرة الفساد والتغول على الدولة وزيادة نسبة الرشاوى والسرقة حيث معظم الموظفين في الدولة هم شرق اردنيين وكل ابن عشيرة يسكت عن فساد ابن العشيرة الاخرى وبهذا فقدنا التنوع ولم نعد نرى اللوحة الفسيفسائية في اجهزة الدولة وهم “من مختلف الاصول والمنابت”…

  5. قوات الامن قامت بمهمتها في استعادة الامن لهذه القرية بسرعة و بدون اي ضحايا. و هذا يدل على كفاءة عالية.
    و تبقى مهمة الدولة في احقاق العدل سواء بالنسبة للمعتدي و المعتدى عليه الاصليين، او من اقتحم القرية و اشهر السلاح، او من استحوذ سلاحا غير مرخص، او من استعمل سلاحا مرخصا في غير ما خصص له، كذلك التعويض عن اي خسائر. كذلك محاسبة المحرضين او من يتستر على المتهمين ان وجدوا.
    اما ان يجري التساهل في اقرار العدل و الطبطبة الارضائية ثم ملاحقة الاعلام الشعبي الحر (وسائل التواصل الاجتماعي) فهي معالجة في غير محلها بل انها سلبية لانها تمس حرية التعبير.

  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    انا الان في مادبا ولم ارى شيء من ما كتب في المقال وكما قال المثل اهل مكة ادرى بشعابها
    وبالنسبه ل تعليق الاخ زاهي كلامك غير صحيح ابدا

  7. الله يهدي النفوس وكلنا اخوان ان شاء الله
    بس يا سيد زاهي شو دخل اردني وفلسطيني بهل موضوع
    بدناش نصير من البشر كل ما صار شي بتطلعو تحكو اردني وفلسطيني
    خلص بكفي مواضيع الفتنه الخفيه الي بتمارسوها
    الاردني اخ للفلسطيني ايد وحده احنا فلا تظلوا تزاودو ع وحدتنا مشكله بين عشيرتين شو دخل انو تحكي هيك الله يهديك يا صديقي ويهدي نفوسنا ويهدينا وبنظل اهل وعرب وحبايب والاردن غاليه و فلسطين غاليه وما بهون النا باي انسان فيهم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left