هل سيطيح الاتفاق النووي بالرئيس الإيراني روحاني؟

May 12, 2018

نجاح محمد علي: بعد ساعات فقط من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من «خطة العمل الشاملة المشتركة» التي تم التوصل لها في منتصف تموز/يوليو 2015 وباتت تعرف بالاتفاق النووي، قام أعضاء من التيار المتشدد في البرلمان الإيراني بحرق العلم الأمريكي، إلى جانب نسخة رمزية لهذا الاتفاق، مرددين شعار «الموت لأمريكا» في إشارة واضحة على حجم الضغوط التي يواجهها الرئيس المعتدل حسن روحاني في الداخل وسط محاولات بعض خصومه عزله بحجة «فقدانه الكفاءة السياسية».
ويبدو من جملة التصريحات والمواقف من أقطاب المتشددين، أن حكومة الرئيس روحاني صارت في وضع لا يُحسد عليه داخلياً حيث تتفاقم أمامها الصعوبات وتوضع في عجلتها العصي من مختلف الأطراف، حتى مع صعوبة بل استحالة نجاح غلاة المتشددين، في فرض إرادتهم على باقي أعضاء البرلمان الذي يهيمن عليه الجناح المعتدل من التيار الاصولي متحالفاً مع روحاني وداعميه الإصلاحيين، ما يحول دون تمرير مشروع إقالة روحاني من قبل البرلمان بحجة أنه فرّط بمصالح إيران العليا وقدم تنازلات كبيرة في الاتفاق النووي دون أن تحصل إيران على شيء، فما يزال أمام الرئيس فرصة بقاء الأوروبيين وروسيا والصين، ليقنع ناخبيه على الأقل أن هناك ضوءاً في آخر النفق.
لكنّ هذا البريق من الأمل في حفظ الاتفاق النووي خصوصاً مع الأوروبيين، يسعى خصوم الرئيس وهم تيار عريض يضم أيضاً الحرس الثوري غير الراضي عن أي مفاوضات مع الغرب، ربما لاحقاً، تطال الصواريخ الإيرانية الباليستية، ودور إيران في المنطقة، وللحرس الثوري في كلا الملفين، حصة الأسد.
ومن الواضح أنّ الحرس الثوري المتواجد على الأرض في سوريا الآن، وتصريحات قادته حول المواجهة مع إسرائيل وإبادتها إذا اندلعت الحرب بينهما، قد تعجل بموت الاتفاق النووي، ولهذا سارعت الحكومة إلى نفي تورط إيران بالضربات الصاروخية التي استهدفت مواقع عسكرية واستراتيجية إسرائيلية في هضبة الجولان السوري المحتل.
وبينما لا يريد روحاني التفريط بالإجماع الأوروبي والدولي الذي حظي به تمسكه بالاتفاق النووي، إذا حصلت مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل في سوريا، يواصل خصومه إطلاق تصريحات تفتقد الحنكة الدبلوماسية في هذا الوقت بالذات رغم أن روحاني نفسه لا يرى أي غبار «عقائدي» عليها، في أصل الصراع مع إسرائيل الذي تعتبره إيران مجتمعة صراع «وجود».
ويعتقد الرئيس وباقي مؤيدي التوافق مع الغرب بواسطة الحوار، أن أمام أوروبا فرصة محدودة جداً للحفاظ على الاتفاق وإعلان موقف حاسم تجاه تعهداتها، لكي يعيد الثقة إلى الشارع والكثير من ناخبيه الذين وصلوا إلى قناعة أنه فشل في تنفيد وعوده الانتخابية بينما نجح خصمه الرئيس الأمريكي ترامب في تنفيذ ما وعد وانسحب من الاتفاق ضارباً عرض الحائط كل ما قيل ويقال عن أن الاتفاق النووي حصيلة مساع مستمرة وطويلة منذ عام 2003 وحتى عام 2015 ويعتبر اتفاقاً دولياً من خلال الموافقة عليه في مجلس الأمن الدولي.
ويسود اعتقاد في إيران لدى القلة القليلة المؤيدة للاتفاق النووي أن تصعيد المواجهة بين إيران وإسرائيل، يأتي لاستفزاز الأوروبيين ودفعهم لتصديق مزاعم ترامب بشأن مبررات انسحابه التي لم تقنعهم، ومن هنا يأتي ارسال روحاني وزير الخارجية مجمد جواد ظريف في جولة تشمل الدول الأوروبية الفاعلة في الاتحاد الأوروبي إضافة إلى روسيا والصين، يرافقه فريق من الخبراء لعقد اجتماعات وبحث آلية الحفاظ على الاتفاق، والتوصل بالتالي إلى قرار واضح وشفاف، داعياً إلى أهمية الحصول على ضمانات عملية لمصالح إيران في القضايا المهمة المرتبطة بالاتفاق النووي كبيع النفط والعلاقات المصرفية والاستثمار والتأمين بشكل واضح وصريح.
كذلك دعت الحكومة الإيرانية الشركات الأجنبية المتعاقدة والمستثمرة في إيران إلى الإعلان بشفافية عن موقفها من انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، وهي ترى أنها إذا توصلت في مدة محدودة مع الأوروبيين إلى قرار واضح بشأن الاتفاق «يمكننا أن نشهد تعاوناً أوسع بين إيران وأوروبا» على تعبير روحاني.
ولكي يشجع روحاني الأوروبيين على المضي قدماً في تنفيذ بنود الاتفاق من دون أمريكا، نجح حلفاؤه ‏في البرلمان في المصادقة على الخطوط العريضة للائحة تعديل قانون مكافحة غسيل الأموال في إطار مناقشته ثلاثة قوانين تتعلق بوقف تمديد إدراج اسم إيران ضمن قائمة FATF السوداء وتتضمن أيضاً مكافحة تمويل الإرهاب والتحاق إيران بالاتفاقية الدولية لمواجهة تأمين المصادر المالية للإرهاب.
وتتحدث مصادر وثيقة الصِّلة بالمفاوضات الإيرانية الأوروبية عن عدة مقترحات يجري بحثها حالياً لضمان نجاح الاتفاق النووي بما يحقق الأهداف الإيرانية، ويبدد المخاوف بشأن «تمويل الاٍرهاب» وكيف ستتم الاستفادة من الأموال التي تحصل عليها إيران من رفع العقوبات، ومنها فتح مكتب تمثيلي للاتحاد الأوروبي في طهران، وإيجاد بنك أوروبي إيراني مشترك، وإطلاق شراكة أوروبية إيرانية (كونسرتيوم) لتخصيب اليورانيوم في إيران بما يحقق اطمئنانا أكثر عن سلمية البرنامج النووي الإيراني.
ويواجه كل ذلك صعوبات وما إذا كانت أوروبا قادرة على مواجهة واشنطن في منظمة التجارة العالمية كما صرح المتحدث باسم الحكومة الفرنسية ‏بنجامين غريفو خلال إيجاز صحافي أسبوعي متحدثاً الأربعاء عن إيران بقوله: «الاتحاد الأوروبي مستعد للطعن أمام منظمة التجارة العالمية على أي إجراءات أحادية تضر بمصالح الشركات الأوروبية والرد على نحو ملائم وفقا بالطبع لقواعد تلك المنظمة الدولية».
لكن الواضح أيضاً من المناقشات التي شهدها البرلمان الإيراني قبل المصادقة على لائحة تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال وموافقة 139 نائباً فقط من مجموع 225 حضروا الجلسة، أن في داخل إيران من لا يريد بقاء الأوروبيين في الاتفاق خصوصاً أن الذين حرقوا نسخته الرمزية والعلم الأمريكي في اجتماع رسمي تحت قبة «بيت الشعب» هددوا بوضع الاتفاق في نعش وإرساله إلى الأوروبيين.

‏نهاية روحاني

‏عموما فقد أظهر حماس بعض النواب المتشددين في مجلس الشورى الإسلامي في إيران أثناء حرقهم لنسخة رمزية من الاتفاق النووي، عن إطلاق حملة يقودها من كانوا في خانة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد مبشرين أو هكذا يروّجون لِـ «قرب نهاية عصر روحاني» وتشديد الضغوط على الحكومة المعتدلة وأنصار الاتفاق.
‏ويأخذ البعض على روحاني أنه وضع كل بيضه في سلة الاتفاق، وسعى جاهداً ضمان سلاسة سير عملية التفاوض على صعيد السياسة الداخلية وإقناع المرشد علي خامنئي بخصوص فوائد الاتفاق النووي. وبعد خروج الولايات المتحدة بات روحاني اليوم عاجزاً عن إيجاد المبررات المقنعة لمعارضي الاتفاق، الأمر الذي أدى لكي يشير معارضوه إلى فشل الحكومة في المضي قدماً في برامجها الاقتصادية وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية.
‏ومن جهة أخرى، باتت الحكومة عاجزة عن الوقوف في وجه القضاء في ما يخص تقييد الحريات كمنع استخدام تطبيق التلغرام.
‏كما أن حكومة روحاني وجدت نفسها وحيدة عقب تصريحات خامنئي التي أدلى بها أثناء إلقائه خطاباً الأربعاء، حيث ألقى بالمسؤولية عن فشل الاتفاق والخروج المحتمل لإيران منه كما فعل الرئيس الأمريكي، على حكومة روحاني.
‏ويبدو ان على حكومة روحاني أن تدخل وسيطاً بين الدول الأوروبية المعنية بالاتفاق النووي من جهة وخامنئي من جهة أخرى الذي سيسعى روحاني لإقناعه بقبول الشروط الجديدة التي ستُفرض على الاتفاق النووي بعد خروج واشنطن.
‏وبالرغم من أن المرشد لا يملك أي خيارات إضافية على الطاولة، إلا أن فحوى خطابه كان واضحاً، حيث أخلى كعادته مسؤوليته عن فشل الاتفاق، باعتبار أن ذلك كان من أولويات برنامج روحاني الانتخابي لعام 2013.
‏كما أن خروج واشنطن من الاتفاق النووي أعطى اليد العليا للأصوليين المتشددين في الأجواء السياسية الداخلية في انتقادها حكومة روحاني في ما تصفه بالثقة العمياء للغرب.
‏وبالتالي لم يبق لروحاني وأنصاره من المعتدلين أي مبررات قوية للدفاع عن أنفسهم في ما يخص مطالب الإصلاحيين وعودتهم للحياة السياسية كاستحقاق فرضه فوزهم في انتخابات البرلمان التي أعقبت التوصل للاتفاق النووي.
وفِي هذا الواقع يروج خصومه أن ‏خروج واشنطن من الاتفاق ينبئ بنهاية وشيكة لحكومة روحاني إلا إذا شهدنا تطورات جديدة على الساحة السياسية في إيران تدفع المرشد لتقديم المزيد من «المرونة البطولية» كما عبّر هو سابقاً، وقبل بدخول إيران في مفاوضات «الحزمة الواحدة» مع الأطراف نفسها، بما يشمل برنامج إيران الصاروخي ونفوذها الإقليمي وهما، حتى الآن خطر أحمر.
فهل سيطيح «الاتفاق النووي» بروحاني أم سينقذهما الأوروبيون؟

هل سيطيح الاتفاق النووي بالرئيس الإيراني روحاني؟

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left