النكبة الفلسطينية في ذكراها السبعين بين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ومسيرة العودة

May 12, 2018

عمر حلمي الغول: تطل علينا النكبة هذا العام، في ذكراها السبعين حاملة معها جرحا عميقا، وأعباء أثقال وعد مشؤوم جديد، وعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس العاصمة الفلسطينية الأبدية في ذات يوم نكبة الشعب العربي الفلسطيني، بعد أن أعلن اعترافه بأن «القدس» عاصمة لدولة الاستعمار الإسرائيلية في السادس من كانون الأول/ديسمبر الماضي.
سبعة عقود طوال، هي عُّمر النكبة الغائرة في الجسد الوطني الفلسطيني، حيث نجم عنها تشريد وطرد قرابة الـ800 ألف مواطن من ديارهم ووطنهم الأم فلسطين التاريخية ليقيم الغرب الأنغلوساكسوني دولة المشروع الاستعماري الإسرائيلية، بعد أن ضللوا وأجبروا ورَغبوا يهود أوروبا الغربية والشرقية والدول العربية على الهجرة إلى فلسطين التاريخية، الذين جيء بهم كأداة لتنفيذ مآرب الغرب الرأسمالي.
ولم يكن هدف إقامة الدولة الكولونيالية الإسرائيلية في العام 1948 شفقة أو استجابة من الغرب الرأسمالي بمكوناته ومتناقضاته مع رغبات اليهود الصهاينة، ولا مع مخرجات مؤتمر بازل بسويسرا 1897، بل كان حاجة رأسمالية ملحة أملتها مصالح الغرب الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما وأن أتباع الديانة اليهودية من القوميات الأوروبية المختلفة كانوا منبوذين في أوروبا بقسميها الغربي والشرقي، وحتى ان صاحب الوعد المشؤوم، جيمس آرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا الذي دعا «لإقامة وطن قومي لليهود»، عندما كان رئيسا للوزراء 1903 أمر بطرد اليهود من بريطانيا. وأيضا عندما دعا نابليون لإقامة وطن لهم في فلسطين في 1799، لم يكن معنيا باليهود ورغباتهم، انما كانت المصالح الفرنسية الاستعمارية تحرك التوجهات السياسية. وبالتالي النكبة الفلسطينية في العام 1948، لم تكن وليدة قوة الحركة الصهيونية ومستعمريها المضلليين، انما هي بالأساس جزء من المشروع الاستعماري الغربي، الذي تولت في حينه حكومة الجلالة البريطانية تنفيذه ارتباطا بمقررات مؤتمر كامبل نبرمان 1905 ـ 1907 وتجسيدا لاتفاقية سايكس بيكو 1916، ووعد بلفور المشؤوم تشرين الثاني/نوفمبر 1917. وكان وما زال اتباع الديانة اليهودية في دولة إسرائيل الاستعمارية أداة وظيفية لا أكثر. حتى ان مناحيم بيغن قال بعدما تولى الحكم 1977، وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر 1978 و1979 «إن إسرائيل بمثابة حاملة طائرات أمريكية، ونفقاتها أقل من أي حاملة طائرات».
ومع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تزاوجت المصالح الغربية الرأسمالية مع الحركة الصهيونية، التي قامت بتجييش يهود أوروبا، ونقلهم إلى فلسطين في موجات هجرة متتالية بدعم صريح وواضح من بريطانيا دولة الانتداب على فلسطين، وتنفيذيا للوعد المشؤوم، وسمي هذا التزاوج «العقد الصامت»، بتعبير دقيق لم يتم ترسيم ذلك في وثيقة محددة. لإن الوثيقة والتعهد تبلور من قبل بلفور، وزير خارجية بريطانيا.
وإذا دقق أي مراقب عملية الشراكة الأوروبية والأمريكية في دعم دولة الاستعمار الإسرائيلية، سيجد أن الدعم لم يتوقف من كل الدول الرأسمالية، رغم تناقضاتها الداخلية، وتناقضاتها البينية مع القيادات الصهيونية المتعاقبة. وهزيمة بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945، وتناقضها (بريطانيا) مع قادة الحركة الصهيونية آنذاك، رغم كل ما فعلته لهم، إلا انه لم يؤثر للحظة على مواصلة الدعم للدولة الوظيفية في فلسطين.
وانتقلت الولاية القيادية للولايات المتحدة في الإشراف والدعم لدولة إسرائيل، لكن وفق التعاقد الغربي الجمعي على دعمها، وفي الوقت نفسه، الحؤول دون قيام الدولة الفلسطينية، رغم صدور قرار التقسيم 181 في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، وتلا ذلك صدور 705 قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، و83 قرارا من مجلس الأمن الدولي يحث دول العالم لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وتأمين شروط استقلال الدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران 1967. غير أن تلك القرارات لم تجد آذانا صاغية، ولم تخرج إلى النور، وبقيت تتراكم على أرفف المؤسسات الدولية، لعدم توفر الإرادة الدولية والعربية في آن. لا بل يمكن الجزم ان بعض الدول العربية بتواطؤها المعلن مع الحركة الصهيونية، وطمعا منها بضم أجزاء من فلسطين لممالكها حالت دون تطبيق قرار التقسيم 181، وسعت بالتناغم والتكامل مع دولة الاستعمار الإسرائيلية على طمس الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية. لكنها لم تفلح وخاب رجاؤها، وتكسرت أهدافها الخبيثة بفضل إرادة الصمود الفلسطينية، التي كادت المؤامرة أن تحقق مراميها بين 1948 ـ و1967، لا سيما وانه تم تهشيم المرجعيات الوطنية الفلسطينية (حكومة عموم فلسطين، والهيئة العربية العليا).
لكن طائر الفينيق الفلسطيني خرج من تحت الرماد، وأعاد صياغة المعادلة السياسية مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وتعاضد العامل الوطني مع القومي، وبانبثاق راية وشرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع 1965، وفي أعقاب هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967 وبروز الظاهرة العلنية للثورة في دول الطوق العربية، بالإضافة لمساهمة الانتصار الفلسطيني الأردني في معركة الكرامة 21 آذار/مارس 1968، وإحباط وتفكيك كل المؤامرات المستهدفة للثورة. تضافرت جميع العوامل وتمكنت الثورة المعاصرة من إعادة الإعتبار للهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية، واستطاعت القيادة الفلسـطينية استـــعادة مكــانتـهــا الشــرعية في تبــوأ مــركز القرار في منظمة التحرير الفلسطينية 1969.
ولم تقتصر إنجازات الثورة على ما تقدم، بل تمكنت من تحقيق العديد من الروافع للنضال الوطني، حيث أعادت الإعتبار للقضية الوطنية كقضية سياسية، وليس قضية إنسانية فقط؛ وتكريس وتثبيت منظمة التحرير، كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني، وانتزعت عشرات ومئات القرارات الأممية المؤيدة والداعمة للحقوق السياسية، وفضحت وعرت دولة الاستعمار الإسرائيلية، وكشفت حقيقتها كدولة مارقة. ورغم كل ما يمكن ان يقال عن اتفاقيات أوسلو، غير انها فرضت على إسرائيل الإعتراف بمنظمة التحرير، كممثل للشعب الفلسطيني عام 1993، وحددت مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، كان يفترض أن تنتهي في العام 1999، لكنها لم تنتهِ، إلا ان المجلس الوطني في دورته 23 الأخيرة قبل أيام قرر انتهاءها.

اعتراف ترامب
بالقدس عاصمة لإسرائيل

وشكل اعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل في السادس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، ووعده المشؤوم بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ضربة قاسية لعملية السلام، حيث جاء الوعد الأمريكي البشع في الذكرى المئوية لوعد بلفور، والذكرى السبعين للنكبة، والذكرى الخمسين لاحتلال أراضي دولة فلسطين في الخامس من حزيران/يونيو 1967 ليعمق الأزمة السياسية، وليضرب عرض الحائط بالقرارات الدولية ومرجعيات عملية السلام، ويهيل التراب على الجهود الأممية السلمية وخاصة القرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 23 كانون الأول/ديسمبر 2016 عشية إستلام الإدارة الحالية، مستغلا الظروف العربية المتآكلة، والظروف العالمية المتحولة، والصراعات الناجمة عنها في بقاع الأرض وخاصة في دول العالم العربي، معتقدا أن الظروف باتت مهيأة للإنقضاض على الحقوق والمصالح الفلسطينية من خلال ما أشاعه ترامب وفريقه الصهيوني في إدارته عن صفقة القرن الفاقدة الأهلية.
لكن القيادة الفلسطينية الشجاعة قالت بصوت عال لا لصفقة القرن، ولا للاعتراف بقرار نقل السفارة للقدس، ولا لوعده المشؤوم. وأكدت على رفض الرعاية الأمريكية لعملية السلام، وطالبت بآلية دولية على شاكلة 5+1 أو غيرها من الصيغ لرعاية عملية التسوية السياسية، وهذا ما عبر عنه الرئيس ابو مازن أمام قمة منظمة التعاون الإسلامي في 13 من كانون الأول/ديسمبر الماضي، وأمام المجلس المركزي في دورة 28 في أواسط كانون الثاني/يناير الماضي، وفي الـ20 من شباط/فبراير 2018 أمام مجلس الأمن الدولي، وأمام القمة العربية في الضهران بالسعودية أواسط نيسان/أبريل الماضي، وأخيرا في المجلس الوطني في دورته 23 التي انعقدت 30 نيسان/إبريل الماضي و3 مايو/أيار الحالي 2018.
وكان لموقف الأشقاء العرب في قمة الضهران برفض صفقة القرن، وقرار ووعد ترامب الأثر الإيجابي في دعم الشرعية الوطنية الفلسطينية، كما كان لمواقف دول العالم الداعمة للتسوية السياسية على أساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 السند المهم في تعطيل صفقة القرن اللعينة، والذي تمثل في تصويت العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 كانون أول/ديسمبر الماضي بأغلبية 129 دولة دعما لخيار السلام والحقوق الوطنية الفلسطينية. فضلا عن مواقف الدول والأقطاب الدولية والمنظمات القارية والأممية (عدم الإنحياز، الاتحاد الأفريقي ودول الـ77 وغيرها) المؤيدة والمساندة لقضية السلام، ورفضها للسياسة الأمريكية، وللتغول الاستعماري الإسرائيلي.
هذه المواقف الإيجابية حالت دون تمرير الصفقة الرخيصة المتساوقة مع خيار دولة الاستعمار الإسرائيلية، وأبقت القضية الفلسطينية، أساسية في المحافل العربية والإقليمية والدولية، ومازالت تقف حجر عثرة أمام المخططات والمشاريع الاستعمارية الإسرائيلية والأمريكية.

مسيرة العودة

وتعزيزا للحقوق الوطنية، ودفاعا عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني دعت القيادة الفلسطينية إلى مواجهة التغول الاستعماري الإسرائيلي، والتساوق الأمريكي معها، ولوأد صفعة القرن لتصعيد الكفاح الشعبي السلمي عبر مسيرة العودة، التي تبنتها كل فصائل العمل السياسي في الساحة، والتي دشنت في الـ30 آذار/مارس الماضي وما زالت متواصلة حتى الآن في كل المدن والمحافظات الفلسطينية. لكنها تميزت بالزخم الجماهيري الرائع في محافظات الجنوب (قطاع غزة) للإسبوع السادس حتى الآن، وقدم خلالها الشعب العربي الفلسطيني 53 شهيدا، وما يزيد عن 8536 جريحا، رغم طابع الكفاح السلمي لإبناء الشعب الفلسطيني.
ومن خلال مسيرة العودة البطلة تمكن الشعب الفلسطيني من فضح وتعرية دولة إسرائيل الاستعمارية أمام العالم أجمع، حيث أظهر للعيان وحشية وإرهاب الدولة الإسرائيلية المنظم، الذي تمثل بإطلاق الرصاص الحي والمطاطي والمياه العادمة والقنابل الغازية السامة بشكل متعمد عن سابق تصميم وإصرار، وقتلت الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وخاصة الإعلاميين ورجال الإسعاف.
ورغم محاولات دول العالم لإكثر من مرة إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لتشكيل لجنة تحقيق أممية نزيهة وشفافة للتحقيق في جرائم إسرائيل المارقة، إلا ان الولايات المتحدة حالت دون ذلك، مع ان عمليات القتل المتعمد والاجرامي كانت واضحة وجلية باستهدافه المصلين والمواطنين الأبرياء والعزل. ومع ذلك أكد الشعب العربي الفلسطيني وقيادته الشرعية وكل الفصائل السياسية على مواصلة الكفاح الشعبي للدفاع عن مصالحه وحقوقه الوطنية، رافضا الانصياع أو الاستسلام لمشيئة القتلة الإسرائيليين المستعمرين.
وستكون الذروة الكفاحية الفلسطينية في الذكرى السبعين للنكبة في 14 و15 مايو/ايار الحالي، ومع نقل السفارة الأمريكية للقدس العاصمة الفلسطينية الأبدية، حيث ستشهد المدن والمحافظات الفلسطينية الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية السلمية للتأكيد على الحقوق الوطنية، والتمسك بالثوابت الفلسطينية دون أي تراجع أو نكوص عن تلك الأهداف المشروعة، والتي تتماثل مع قرارات الشرعية الدولية ومرجعيات عملية التسوية السياسية ومبادرة السلام العربية.
ولن تتوقف العملية الكفاحية السياسية والدبلوماسية والشعبية الفلسطينية عند حدود الذكرى السبعين للنكبة، بل ستتواصل في موجات متعاقبة لإرغام إسرائيل الاستعمارية ومن خلفها إدارة ترامب الموغلة في رجعيتها وهمجيتها ومن يقف معهم على القبول بصناعة السلام العادل والممكن والمقبول فلسطينيا وعربيا وعالميا ولأنصار السلام في إسرائيل نفسها، والانسحاب من كل أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة في الخامس من حزيران/يونيو 1967 والقدس الشرقية عاصمتها الأبدية، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على أساس القرار الدولي 194 ومبادرة السلام العربية.

النكبة الفلسطينية في ذكراها السبعين بين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ومسيرة العودة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left